في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

طريق محمد

بسم الله الرحمن الرحيم
((مُحمّد رّسول الله، والّذيـن معه، أشـدّاء على الكفّـار، رحماء بينهم، تراهم ركّعا، سجّدا، يبتغون فضلا من الله، ورضوانا، سيماهم، في وجوههم من أثر السُّجود، ذلك مثلهـم، في التـّوراة.. ومثلهـم، في الإنجيـل، كزرع أخرج شطأه، فآزره، فاستغلظ، فاستوى على سوقه، يعجب الزراع، ليغيظ بهم الكفار.. وعد الله الذين آمنوا، وعملوا الصّالحات منهم، مغفرة، وأجراً عظيما..)).
صدق الله العظيم


مقدمة الطبعة الرابعة:


بهـذا نقـدم للقراء الكرام الطبعة الرابعة من كتاب ((طريق مُحمّد)).. ولقد نفدت الطبعة الثالثة في زمن وجيز، ولا يزال الإقبال على هذا الكتاب متزايدا، مما يبـشر بقـرب أوان بعث السنة المطهرة.. هذا يوم تتم النعمة، وتعـم أهل الأرض المسرة، وتعظم الفرحة.. ((قل بفضل الله، وبرحمته، فبذلك فليفرحوا.. هو خير مما يجمعون..))..
لقد حان الحين، وآن الأوان، وأظلنا عهد الإخوان، أولئك الذين بشر بمجيئهم المعصوم، وعبر عن أشواقه إلى لقائهم في أحاديثه.. ولقد أوردنا رواية بتلك العبارة في مقدمة الطبعة الثالثة من هذا الكتاب، وها نحن نورد رواية ثانية بها: عن أبي هريرة أن رسول الله، أتى المقبرة، فقال: ((السّلام عليكم، دار قوم مؤمنين، وإنا، إن شاء الله، بكم لاحقون.. ودّدت أنا قد رأينا إخواننا.. قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد.. فقالوا، كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلا له خيل، غرُّ، محجلة، بين ظهري خيل، دهم، بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله!! قال: فإنهم يأتون غرَّا، محجلين، من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض.. ألا ليذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلمّ!! فيقال: إنّهم قد بدلوا بعدك!! فأقول: سحقاً، سحقاً!!))
وكما وردت الإشارة إلى الإخوان في الحديث، في مقدمة الطبعة الثالثة، فإنها قد وردت أيضاً في القـرآن، من الآيات الأربـع، التي صدرنا بها تلك المقدمـة، وذلك حيث يقـول، جل من قائل، ((وآخرين منهم، لما يلحقوا بهم، وهو العزيز، الحكيم)).. ولقـد أسلفنا هنالك شرح الحديث، وشرح الآية، مما يغني عن التكرار..
وههنا صدَّرنا بآية تدعم الحديث الذي أوردناه فيما يخص أمر الإخوان.. فإنه، في هذه الآية، قد تحدث عن الأصحاب، كما تحدث عن الإخوان.. قوله: ((محمّد رسول الله))..((رسول الله)) هنا تعني التنزل من الرسالة ((الأحمدية)) إلى الرسالة ((المُحمّدية)) لتخاطب الناس على قدر عقولهم، كما تقتضي الحكمة.. قولـه ((والذيـن معه))، إشـارة إلى الأصحاب، وهـم المخاطبـون، أولا وأخيرا، بالرسالة المُحمّديـة.. ثـم قال، في وصفهـم: ((أشـداء على الكفـار، رحماء بينـهم، تراهـم ركعا، سجدا، يبتغون فضلا من الله، ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجـود)).. ثم قال: ((ذلك مثلهم في التوراة)) يعني في العهد القديم.. يعني في البعث الأول.. يعني أمة المؤمنين، وهم الأصحاب.. قوله: ((سيماهم، في وجوههـم من أثر السجود)) السيمى، والسيماء، والسيمياء، العلامة.. وهي قد تكون نوراً في الوجه، من بركة الوضوء، والصّلاة.. وقد تكون نوراً في الوجه، ومعه ثـفنة على موضع السّجود من الجبهة كثـفنة البعير.. ثم قال: ((ومثلهم في الإنجيل)) وهذا يعني العهد الجديد.. يعني البعث الثاني.. يعني أمة المسلمين.. قوله: ((كزرعٍ أخرج شطأه، فآزره، فاستغلظ، فاستوى على سوقه، يعجب الزّراع، ليغيظ بهم الكفار.. وعد الله الّذين آمنوا، وعملوا الصالحات منهم، مغفرة، وأجراً عظيما)) شطء الزرع، والنبات، فراخه أو قل زيادته.. وهذا، فيما يخص العبادة، يعني الزيادة في الأجور.. والأجور تعني العلم بالله، والقرب منه، وإنما في هذا المعنى جاء قوله تعالى: ((مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة، أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم))..
والزيادة في العلم بالله بهذه الصورة السريعة، المضاعفة، إنما تكون بالمقدرة على التفكر، وعلى العبادة، لا بمجرد العبادة، فإن المعصوم قد قال: ((تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة)) والمقـدرة على التّفكّـر في العبـادة هي حـظ الإخوان، في حيـن أن المقـدرة على العبادة قد كانت حظ الأصحاب..
وفي طريق المعراج، فإن اللطائف تخرج من الكثائف، في حين أنه، في طريق التنزل، تخرج الكثائف من اللطائف.. وعلى هذه القاعدة المطَّردة فإن الإنجيل قد خرج من التوراة كما ستخرج أمة المسلمين من أمة المؤمنين، كما ستخرج الرسالة الأحمدية من الرسالة المُحمّدية، كما سيخرج الإخوان من الأصحاب، ذلك بأن الاختلاف إنما هو اختلاف مقدار، (ليس هناك، في الوجود، اختلاف نوع، لأن اختلاف النوع يقتضي الغيرية، ولا غيرية..).. والخروج من درجات اختلاف المقدار، إنما هو تطور في مراقي القرب من الله.. ولا تزال الخلائق سائرة في مراقي القرب من الله، ولن تنفك، وفي جميع العوالم - في عالم الدنيا، وفي عالم البرزخ، وفي عالم الآخرة - فأهل النار، في النار، سائرون إلى الله، وأهل الجنة، في الجنة، سائرون إلى الله، وذلك في الأبد، وفيما بعد الأبد - في السرمد - فإنه ما من الله بد.. ((إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهـم آتيـه يوم القيامة فـردا)) - والسير إلى الله معراج - ارتقاء في درجات القرب - تطور - والتطور هو الانسجام مع جزئيات البيئة - جزئياتها الزمانية والمكانية.. وعلى هذه القاعدة فإن الإخوان تطور على الأصحاب.. ففي حين أن الأصحاب مؤمنون، فإن الإخوان مسلمون.. وفي حين أن الأصحاب أصحاب عقيدة، فإن الإخوان أصحاب علم.. وفي حين أن الأصحاب في مرحلة الإيمان، فإن الإخوان في مرحلة الإيقان.. وفي حين أن الأصحاب أتباع الشريعة المُحمّدية، فإن الإخوان أتباع السُنَّة الأحمدية.. ولقد ورد شرح كل أولئك في هذا الكتاب، فليراجع في مواضعه..
والذي يهمنا، من كل أولئك، هو رسم طريق استخراج الإخوان من الأصحاب حتى يتضح الطريـق الذي بسلوكه يجيء إنسان الغـد، ذلك الإنسان الذي يملك القـدرة على أن يحيـا حياة عميقـة وعريضـة - حياة الفكر وحياة الشعور – هـذا الإنسان هـو غرض الدين، منـذ أن عـرف الديـن.. بل هـو غرض الحيـاة، قبل الديـن..

طريق مُحمّد


هـو الطريـق، لأنه طريق ((المحبـة)) الخصبـة، الخلاقـة.. قال العزيـز الحكيم عنـه: ((قل إن كنتم تحبـون الله فاتبعـوني يحببكـم الله))..
بطريـق مُحمّد أصبح الديـن منهاج سلـوك بـه تساس الحيـاة لتـرقى الدرجات نحو الحيـاة الكاملة.. حياة الفكر، وحياة الشّعور..