في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

تجديد الدعوة
إلى طريق محمد

المقدمة


هذا كتاب يتوفر على عرض النصوص المستفيضة من كتبنا، وبخاصة، كتابي "الرسالة الثانية" و"طريق محمد".. ثم هو يركز على ما ورد فيها من أقوال الأستاذ محمود محمد طه، وهو يدعو دعوته الراشدة، المستبصرة، إلى تقليد النبي، صلى الله عليه وسلم، وإلى التعريف بمقام ذاته الشريفة المكرمة.. ونحن إنما نفعل ذلك من أجل دحض، ومواجهة ما يذيعه عنا، اليوم، كذبا، وزورا، نفر من "مشايخ الطرق"، ونفر من "مشايخ الفقه"، اتفقوا على تسمية أنفسهم "بعلماء السودان"!!
وما دمنا نحن قد وظفنا أنفسنا في سبيل الله، وفي سبيل بعث الإسلام، فلا بد لنا من تنظيف ذلك المعين الصافي من كل الشوائب، ومن كل الطحالب، ومن كل الكدورات، التي طفت على وجهه، حتى يرده شعبنا صافيا، ونقيا.. ومن أول تلك الكدورات التي طفت على وجهه، وحجبت نميره عن طالبيه، كدورة "أدعياء الدين"، أو قل "علماء الدين"، أو قل إن أردت "علماء السودان"!! وكيف لا وقد أعلنوا عن جهلهم، ومفارقتهم، وحرصهم على العزة الزائفة، والاستعلاء الكاذب، بتلك المذكرة الحاقدة التي عنونوها للسيد رئيس الجمهورية.. ثم بتلك النشرة المضللة، الفاجرة، التي وجهوها لأئمة المساجد على نطاق القطر.. وكنا نحت قد نشرنا نصيهما على شعبنا الذكي في كتابينا: "علماء بزعمهم" الأول والثاني وفي كتابنا "التهافت". فليرجع إليهما من شاء..
إن المذكرتين المشار إليهما قد أعطيتا الدليل على جهل من يسمون بـ "رجال الدين"، بالدين، وبالثقافة العامة، إلى الحد الذي أصبح يشكل خطورة واضحة على مستقبل هذا الشعب، إذ كيف نأمن أمثال هؤلاء على إرشاد المواطنين وعلى تعليم أبنائنا بالمدارس؟؟ ثم كيف نأمنهم على رسالة المسجد؟؟ وها هم فعلا قد دنسوها، ومسخوها، بسخائم عقولهم، وبكدورات نفوسهم، حتى فاحت منها سموم التعصب، والهوس..
إن مسئولية المساجد هي مسئولية "الشئون الدينية".. و"الشئون الدينية" مؤسسة حكومية في دولة علمانية واجبها الأول حماية المساجد، وتوجيه رسالتها فيما يعود للشعب بالحب، والأمن، والخير.. أما أن تستغل "الشئون الدينية"، وضعيتها كمؤسسة حكومية، فتعمل على عكس وظيفتها، فأمر مؤسف ويدعو للعجب!! ونحن لا نلقى هذا القول جزافا، إذ عندنا أكثر من دليل على تواطؤ "الشئون الدينية" في هذه المؤامرة، ومع هذا الجهل، المقنّع المسمى "علماء السودان"! ونحن في هذا الكتاب، لا نحب أن نقف عند الشئون الدينية كثيرا، إذ هي آخر من يفهم، ولكنا نرفع هذا الفساد للسلطة الحاكمة، لترى إلى أي حد يمكنها أن تتجاوز عن مؤسسة حكومية، تعمل ضد دستور البلاد، وضد أمن الشعب، وذلك بما تسمح لأئمتها الذين يقبضون رواتبهم من الخزينة العامة أن ينطلقوا من منابر المساجد، داعين، إلى الفتنة، وإلى تقتيل الأبرياء، ومنفذين لأوامر تصدر إليهم من خارج إداراتهم، ومن من يسمون "علماء السودان"!؟
أين وزير الحكومة للشئون الدينية؟ وماذا يعمل؟ إننا من هذا المنبر نطالب، بإقالته فورا، لأنه فرط في مسئوليته، وقصّر في واجبه، تقصيرا مزريا، لا يرضاه أقل الناس دينا، أو علما..
ونحن من ناحيتنا، وفي سبيل تصحيح الموقف، ووضع الأمور في نصابها، قد بذلنا إمكانياتنا المتاحة، من أجل مواجهة ذلك الفساد الديني المقنع بأقنعة القداسة الزائفة، وكما بذلنا هممنا متوجهين لله العلى القدير أن يبارك سعينا، وأن يوفق مجهوداتنا.. وقد فعل، فله الحمد في الأولى، والآخرة..
إن أصالة دعوتنا، وأصالة شعبنا، هما، بعد فضل الله، المرتكز الأساسي، الذي نعوّل عليه، في القضاء على أباطيل أولئك المشايخ وأكاذيبهم، فلينتظروا!! "إن موعدهم الصبح!! أليس الصبح بقريب؟؟"
وستكون وجهتنا في هذا الكتاب إلى كشف الإفلاس الروحي، والإفلاس الفكري، الذي يتمتع به الشيخان: مجذوب مدثر الحجاز، شيخ الطريقة التيجانية بالسودان، ومحمد الفاتح قريب الله، شيخ الطريقة السمانية بالسودان، وهما، بالإضافة إلى إنهما فقيهان، فإنهما يتربعان، كما سبقت الإشارة في كتابنا: "علماء بزعمهم" الثاني، على قمة طريقتين دينيتين، كان لهما فضل كبير في إرشاد الناس بهذا البلد، إلى نقاء الدين، وصفاء النفوس.. ولكن أين الماضي الذي ذهب بعلمه، وبرجاله، بعد أن ترك من ورائه هؤلاء الخلف الذين وظفوا أنفسهم، ومراكزهم الدينية، للفتنة، والتحريض على قتل الأبرياء، تصريحا لا تلميحا، وجهارا، نهارا، من غير أن يخشوا على دينهم، من مكر الله!؟ فنعوذ بالله من الغرة بالله!!
إن فجاءة ظهور هذين الشيخين في مجال العمل العام، غريبة، إذ لم نسمع لهما قبلا بسابقة عمل في الجهاد الوطني، ولا بسابقة غيرها، استأسدا فيها، من أجل الدين، كما رأيناهما اليوم، إن صحّ أن هذه من أجل الدين!! فلماذا؟!
أفلظنهم، يا ترى، بأننا قلة، وانهم كثرة؟؟ أم ماذا هناك؟!
نترك لهما تقدير الإجابة، بعد أن نهمس في أذنيهما – وهما ممن يفترض فيهما معرفة التوحيد – أعلما – رد الله بعدكما – أن قوة الله العزيز القدير دائما مع الحق – هي مع القلة على الحق، أو قولا: هي مع الواحد على الحق، وليست، على التحقيق، مع الكثرة على الباطل!! فإن أفادكما هذا المعنى شيئا، فانتظرا!! حتى تكون كلمة الله، وحتى تكون مشيئته!!
قلنا، فيما سبق من الحديث، أننا سنخصص هذا الكتاب في مواجهة الشيخين: مجذوب مدثر الحجاز، ومحمد الفاتح قريب الله، وذلك لما لهما، حتى الآن، من مكانة في نفوس البعض، من مواطنينا الطيبين، الذين خبروا، على مر الأيام، جهل، وطمع، من يسمون "بالعلماء".. ولكنهم لم يعرفوا عن مشايخة الطرق الصوفية، المتأخرين، ما يضعهم في مصاف هؤلاء الفقهاء، وذلك بسبب من بعدهم عن مواطن الحركة، وبسبب من تسترهم خلف أقنعة القداسة الزائفة!! والآن!! فقد شاء الله لهما أن يخرجا للوضح، والفرصة أمامنا سانحة لتعرية باطلهما المقنع، وجهلهما المستتر بالدين..
إن دعوتنا لمشايخ الطرق بأن يخرجوا أنفسهم من بين الناس والنبي، صلى الله عليه وسلم، لم تجد دلالتها كما وجدتها اليوم في شخصيهما من مفارقة للدين، وتعمد للكذب الصراح الذي اجترحاه في مذكرتيهما، آنفتي الذكر..
ونتساءل: ماذا بقي لهما، بعد مفارقة الصدق، والسعي بين الناس بالكذب، وبالإثم، وبالعدوان؟؟ ثم ماذا بقي لأتباعهما، ولملتمسي فضلهما، بعد عذا الضياع، وهذا الهوان؟؟ اللهم لا شيء!!
هذا وبحسبنا أن نعلم جميعا أن التصوف – أقرأ الإسلام – والكذب ضدان لا يجتمعان!! فمن خلال تقرير هذه الحقيقة، ومن بعد تقريرها، فإن هذا الكتاب يذهب نذيرا اليهما، وإلى كل من باءوا معهما بالإفك، حتى يفيئوا جميعا إلى الحق، فلا يوردوا أنفسهم وأتباعهم موارد الهلكة، وهذا الضياع..
أما "مشايخة الفقه" فإنهم لا يعنوننا ها هنا كثيرا، وإنما يعيننا أن نقرر: أنهم قد سبقوا، في المفارقة للدين، والبعد عن قيمه، والحرص على دنيا الناس، "مشايخة الطرق"، وبوقت طويل، حتى اشتهروا بذلك بين الخاص والعام.. وعليه، كما سبق أن قررنا، فسوف لا نقيم لهم وزنا خاصا في هذا الكتاب، الاّ بالقدر الذي قد نضطر اليه اضطرارا..
ثم إن هذا الكتاب إنما عنى بمفارقة شيخي الطريقة التيجانية، والطريقة السمانية، لأنه يقوم على دعوة الناس بوجه عام، والمسلمين منهم بوجه خاص، ومشائح الطرق، والمتطرقين، بوجه أخص، إلى "طريق محمد"، صلى الله عليه وسلم، بعد أن انبهمت اليوم، كل الطرق، التي كانت فيما مضى، واسلة إلى الله، وموصلة إليه، الاّ طريق محمد!! إذ لم تعد الطرق، الطرق، ولا الملل، ملل.. وقد جاءت تلك الدعوة كأبصر، وأفصح، ما تكون على لسان الأستاذ محمود محمد طه في يوم الثلاثاء 25 ذو الحجة 1384 هـ، الموافق 7/4/1965، حيث قال:
"إلى الراغبين في الله، السالكين إليه، من جميع الطرق ومن جميع الملل.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد فإن الزمان قد استدار كهيئته يوم بعث الله محمدا داعيا إليه ومرشدا ومسلكا في طريقه. وقد انغلقت اليوم بتلك الاستدارة الزمانية جميع الطرق التي كانت فيما مضى واسلة إلى الله، وموصلة إليه، إلا طريق محمد.. فلم تعد الطرق الطرق ولا الملل الملل منذ اليوم.
ونحن نسوق الحديث هنا إلى الناس بوجه عام، وإلى المسلمين بوجه خاص، وإلى أصحاب الطرق والمتطرقين من المسلمين بوجه أخص.
إن أفضل العبادة على الإطلاق قراءة القرآن، وأفضله ما كان منه في الصلاة، وطريق محمد الصلاة بالقرآن في المكتوبة وفي الثلث الأخير من الليل.. كان يصلي ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة لا يزيد عليها.. وكان يطيل القيام بقراءة طوال السور، أو بتكرار قصارها، أو بتكرار الآية الواحدة حتى تورمت قدماه.
إن محمدا هو الوسيلة إلى الله وليس غيره وسيلة منذ اليوم - فمن كان يبتغي الوسيلة التي توسله وتوصله إليه، ولا تحجبه عنه أو تنقطع به دونه، فليترك كل عبادة هو عليها اليوم وليقلد محمدا، في أسلوب عبادته وفيما يطيق من أسلوب عادته، تقليدا واعيا، وليطمئن حين يفعل ذلك، أنه أسلم نفسه لقيادة نفس هادية ومهتدية..
إن على مشايخ الطرق منذ اليوم، أن يخرجوا أنفسهم من بين الناس ومحمد، وأن يكون عملهم إرشاد الناس إلى حياة محمد بالعمل وبالقول. فإن حياة محمد هي مفتاح الدين.. هي مفتاح القرآن، وهي مفتاح ((لا إله إلا الله)) التي هي غاية القرآن، وهذا هو السر في القرن في الشهادة بين الله ومحمد ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)).."

وجاء في هذا المعنى أيضا عن الأستاذ محمود وفي كتابه "طريق محمد"، ما نصه: "وقد آن للمسلمين أن يكرموا أنفسهم ويحترموا عقولهم ويتحرروا من رق الطائفية ومن الوسائل القواصر بالرجوع إلى الوسيلة الواسلة.. الرؤوف الرحيم.. فيلزموا سيرته وعبادته التي هي الصلاة بالقرآن، في المكتوبة وفي الثلث الأخير من الليل، وهي أمثل طريقة تغني عما يسمى بالبدع الحسنة، وعن المبالغات في مقادير العبادة، وعن استعمال السبح، وعن كل ما لم يفعله النبي"..
ولقد ظل الأستاذ محمود محمد طه، يدعو بهذه الدعوة وقتا ليس بالقصير، في عديد من مؤلفاته، وفي عديد من محاضراته، وندواته، كما أعطى اعتبارا خاصا في عرضها على "مشايخ الطرق"، ومن إليهم من وجوه الدين في هذا البلد.. وهذه الدعوة إلى طريقة الطرق، فقد تفرد لها الأستاذ محمود محمد طه على مدى قرون الدعوة الإسلامية، وظل وحيدا في ميدانها، ألاّ من أبنائه الذين اجتبوا إليها، فالتفتوا إليها، مبهورين بسطوتها، وبيانها وبسيرة داعيها، وكلفه الشديد بها، وحرصه على تنشئة جيل جديد على نهجها، حتى تأذّن الله، فكان له ما أراد، وأنّ أول الغيث طل..
فهل يعقل، بعد هذا، عند عاقل، وقف على رؤية هذه الحقائق على ما هي عليه، أن يستمع إلى ما قاله، وردده، هذان الشيخان من الأكاذيب، والأراجيف؟؟
من يخبر عنا هذين الشيخين، ومن باءوا معهما بالإفك، أن أمرنا هذا يعمل لتأييده، ونصرته، الذين يؤمنون به، والذين يكفرون به.. والذين يصدقونه، والذين يكذبونه.. والذين ينتظرونه، والذين لا يرجونه، لأنه أمر الله.. وتعالى الله عن ند يشاركه، أو معوق يعترضه، إذ أنه، تعالت قدرته، كما سخّر جبريل للهداية، قد سخّر إبليس للغواية، حتى يقع للناس التمييز الدقيق بين وجه الحق، ووجه الباطل.. وإلاّ فقد كان ممكنا إيجاد عالم خال من الشر!! بلى قد كان!! ولكنّ لذلك وقتا في حساب العليم، يتنسم شميمه أهل القلوب، الذين عبر عنهم مصطفاهم، عليه أفضل الصلاة، وأتمّ التسليم، بقوله: (كيف أنتم إذا نزل عليكم ابن مريم حكما عدلا، مقسطا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويملأ الأرض عدلا، كما ملئت جورا، وظلما، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحد؟؟) أو كما قال..
وفى ختام هذه المقدمة نقترح على الشيخين: مجذوب مدثر الحجاز، ومحمد الفاتح قريب الله، أن يتفكرا، وأن يتبينا سر الغرابة، من الحديث الشريف الذي يقول: (بدأ الاسلام غريبا، وسيعود غريبا، كما بدأ.. فطوبي للغرباء!! قالوا من الغرباء، يا رسول الله؟؟ قال الذين يحيون سنتي بعد اندثارها!!) ثم هل هما يجزمان بأننا لسنا الغرباء المقصودين في الحديث الشريف؟؟ أكثر من ذلك!! أنهما لا بد يعلمان عمّا بلغ الأمة من خبر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، حيث أكد تفرق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، الاّ واحدة!! فهل بحثا عن هذه الفرقة الناجية، وهل توصلا إلى يقين أنها ليست إيانا؟! أما نحن، في هذا المقام، فلا نزيد أكثر من تذكيرهما بأن كل الفرق الإسلامية قائمة على الفهم السلفي، وعلى مفارقة، بل ومعارضة ما عليه الجمهوريون، الذين يقفون وحدهم على مفاوز الحق، مع الطريق النبوي – لا يضرهم في ذلك، من خالفهم، حتى يجئ أمر الله.. فإن أكسبكما التأمل في هذا الذي سقناه إليكما شيئا من الموضوعية، وحسن الظن، تراجعان به مواقفكما، من الدعوة للفتنة، والتحريض على قتل الأبرياء، فحسن!! وإلاّ فتذكرا ما نسيتما من قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا، وأن الكافرين لا مولى لهم!!) صدق الله العظيم