في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الثانى

الحكم العسكري ثمرة سوء حكم الطائفية


لقد كانت حصيلة ما ظل الجمهوريون يحذرون منه، من تخبط الأحزاب، وانعدام المذهبية، منذ فجر الحركة الوطنية، إلى ما بعد الاستقلال، كانت حصيلة ذلك انهيار الحياة السياسية، فقد بلغ التكالب أوجه على السلطة، وارتمى الحزب الوطني الاتحادي في أحضان مصر بصورة مخزية حيث كان في المعارضة، وأصابه اليأس من العودة للحكم، وكانت تلك الأيام تعم الجو نغمة الوحدة التي تمت بين مصر وسوريا فذهب وفد الوطني الإتحادي إلى مصر، وقابل جمال عبد الناصر بعد قطيعة وجفوة.. وصرّح بعدها رئيسه بأنه إذا عاد للحكم سيقيم وحدة إقتصادية وعسكرية مع مصر.. وإذا طلب الشعب الوحدة الشاملة معها فسينفذ رغبة الشعب.. وقد شجب الجمهوريون هذا التصرّف، ووصفوه بالخيانة، إذ ترتب عليه تدخل خارجي مكثف في شراء النواب لإسقاط حكومة الإئتلاف الذي لأول مرة يخرج من صفوفه بعض نوابه وينضمون للمعارضة.. وأصبح محتماً سقوط الحكومة عند افتتاح البرلمان يوم 17 نوفمبر وكان من الوشيك الوقوع أيضاً، والمدبر له أن تعلن الوحدة بين مصر والسودان، من داخل البرلمان، على غرار ما جرى بين مصر وسوريا في تلك الأيام..
في هذه الأحوال وفي يوم 17 نوفمبر 1958م وقع إنقلاب الجيش برئاسة الفريق عبود فكان جرعة مرة في الحلق ولكنها مرارة لا بد من تجرعها فقد أنقذ الإنقلاب البلاد من ضياع استقلالها وذهاب كيانها إلى أمد لا يعلمه إلا الله.. وقد مكث الحكم العسكري ست سنوات كان نشاط الجمهوريين خلالها مستمراً كما هو شأنهم وقد اتخذ شكل المحاضرات وقد انزعج لذلك السلفيون حتى بلغ بهم الأمر أن فصلوا الطلبة الجمهوريين من المعهد العلمي بأم درمان في عام 1960 وأصدروا فتوى من قاضي القضاة بخطورة أفكارنا على الأمن فاستجابت لهم السلطات ومنعت الأندية من إقامة المحاضرات. فحولنا المحاضرات إلى ندوات في البيوت، وكذلك منعت الصحف بخطاب سري من "وزارة الاستعلامات والعمل" من نشر مقالاتنا.. فأصدرنا كتاب "الإسلام" لتصحيح التشويه الذي نشره السلفيون عن فكرتنا، وحيث لم نجد فرصة التصحيح في الصحف.