في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الثانى

الطائفية تُجهِزُ على ثورة أكتوبر


ولم تقع على الأرض، كلمات الجمهوريين غداة نجاح الثورة، فسرعان ما استشعرت الأحزاب الطائفية الخطر، فاستجمعت قواها، وتكاتفت، ودبّرت مؤامرتها التي أسقطت حكومة أكتوبر الأولى، وذلك بأن ضغطت على رئيسها فقدّم استقالته بليل، وكوّنت الأحزاب حكومة أخرى برئاسته!..
وقد كانت مراقبة الجمهوريين للموقف دقيقة وبياناتهم متوالية. ونقف هنا متأملين في كلمات بيانهم عن سقوط أكتوبر:-
(لسنا ندري بماذا يفتي رئيس القضاء، عن دستورية حكومة الأحزاب المتآمرة، ولكنا ندري ألاّ ضرورة لهذه الفتوى، فإن الأمر واضح، وجلي. حكومة وقف الشعب الثائر كله خلفها، وأيّدها، وعهد إليها بتنفيذ ميثاق قومي.. تآمرت عليها الأحزاب الثلاثة، وجلبت جماهير الطائفة الأنصارية، وضغطت على رئيسها، واسترهبته، واضطرته إلى الاستقالة بصورة مريبة، ثم كونت من نفسها حكومة بدأت تعنف بالمعارضين عنفاً يذكرنا بعهد العساكر الذي هبت البلاد كلها في مواجهته.. فدخل بوليسها على العمال وهم في ناديهم، وألقى قنابله على اللجنة وهي مجتمعة في قاعة اجتماعاتها.. هذا في الوقت الذي تتجمهر فيه عشرات الآلاف من الأنصار في كل دار من دور آل المهدي، وهم يحملون السلاح، ولم يجلبوا من ديارهم إلا بغرض الضغط والإرهاب، ثم لم تعترض عليهم الحكومة ببوليسها ـ فأي دستورية تنتظر لحكومة كهذه؟؟
ما هو عذر الأحزاب المتآمرة في كل ذلك؟؟
خطر النفوذ الشيوعي على البلاد؟! إن هذا قول لا يجوز إلا على صغار الأحلام.. إن من الشيوعية على هذه البلاد خطراً، ولكنه خطر بعيد.. وإن من الطائفية على هذه البلاد خطراً، ولكنه خطر ماثل.. والطائفية تشعر بأن الشيوعية تشكل خطراً ماثلاً ولكنه عليها هي، وليس على هذه البلاد. وقد نجحت الطائفية أن تخدع بعض الناس، وأن تضلل أتباعها، على مألوف عادتها دائماً، بأن خطر الشيوعية هو الخطر الذي يهدد البلاد.
إن الطائفية والإقطاعية هي التربة الصالحة دائماً، لإزدهار الشيوعية، ورعرعتها. وإن كانت الطائفية مخلصة في محاربة الشيوعية فلتقلع عن إستغلال الناس بإسم الدين، وتخديرهم بإسم الدين، ولتترك الناس ليتعلموا، ويترقوا، ويكونوا بشراً لهم من الكرامة ما لزعماء الطائفية أنفسهم.)