لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول


لقاء الأستاذ محمود محمد طه
بمندوبي معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية

لقاء الأستاذ محمود بمندوبي معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية (جامعة الخرطوم)
السبت ٢٢ نوفمبر ١٩٧٥ يوافق ١٨ ذو القعدة ١٣٩٥
المهدية - الحارة الأولى


الأستاذ محمود: بسم الله الرحمن الرحيم
نبدأ هذه الجلسة الخاصة اليوم السبت الثاني والعشرين من نوفمبر عام ٧٥ يوافق الثامن عشر من ذو القعدة ٩٥ الساعة السابعة مساءا بمنزلنا بالمهدية، نستقبل ضيفين كريمين من مندوبي معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية.. أنا علمت الغرض من زيارتهم أن يسألوا الناس اللي كانت عنده م مشاركة في التاريخ الحديث ليحدثوهم بعض الشيء عما يرووهُ مما يستحق التسجيل في تاريخ الحركة الأخير.. وأنا بطبيعة الحال يسرني جدا أن أساهم في هذا المجهود المقدر.. السؤال اللي يحبو أن يكون الحديث مبتدي بيهو هو نبذة عن تاريخ حياتي.. ما في شيء كتير يقال في الناحية دي.. أنا محمود محمد طه من مواليد ١٩١١ ويكون عمري الآن ٦٥ سنة.. ولدت برفاعة قرية الديم تحسب من رفاعة لأنها قريبة منها ووالدي محمد طه مالك من قبيلة الركابية وكان رجل بيزاول التجارة في حدود ضيقة في القرية - قرية الهجيليج، قريبة من رفاعة - والزراعة.. وتعليمي بدأ سنة ٢٤ بكتاب رفاعة واتصل للمدرسة الوسطى - كانت بتسمى زمان - مقابلة للثانوية العامة في الوقت الحاضر ثم كلية غردون وكانت دي في الوقت الماضي آخر المراحل - هي زي مرحلة ثانوية لكن بتختلف عن الثانويات العليا في الوقت الحاضر بسن الطلبة البيدخلوها ومستويات التعليم البياخدوها واتخرجت سنة ٣٦ من كلية غردون قسم الهندسة.. عملت ستة سنين في هندسة السكة حديد بعطبرة ببعض المناصب من مناصب مصلحة السكة الحديد.. استقلت سنة ٤١ وعملت بالعمل الحر من وقتها.. مشاركتي في الحركة الوطنية ما كانت مؤثرة بدور ظاهر لأنها كانت بتتخذ جانب الفكر أكثر من جانب التنظيم.. والأحزاب اللي كانت بتكون عنده ا فرصة في المشاركة هي الأحزاب اللي كانت بتعنى بالتنظيم والسند الشعبي..

س: نرجع كدا لنقاط صغيرة: صلتك بالركابية، طبعا أسرتك ركابية وكدة.. كان في أي دور ديني في الفترة دي؟ الصلات الدينية الكانت مؤثرة.. المناطق دي كانت مناطق بيوتات دينية؟

في ناحية النشأة الدينية، الركابية الغالب عليهم الطريق الختمي.. ونحن عندما وعينا وجدنا أهلنا في اتجاه الطريق الختمي لكن ما كان في حرص على إقامة الشعائر بتاعة الطريقة بمعنى الليالي والأذكار والمدائح.. لكن كان معلوم عندنا أنهم أهلنا ختمية.. في، هم الركابية بطبيعتهم متدينين فكنا بنرى والدنا شديد التدين شديد الوفاء في أعماله وصلاته بالناس، التجارية بصورة خاصة.. كنا من جدتنا برضو بنشوف حال من التدين كبيرة لاتزال راسخة في أذهاننا، لكن ما فيش بيت ديني كنا بنتلقي منه شيء من تعاليم الدين بصورة انتماء..

س: ذكرت إنك سنة ٤١ قدمت استقالتك من هندسة السكة حديد.. هل لنا أن نعرف الأسباب؟

لمن اشتغلت سنة ٣٦ في السكة الحديد كنت بقوم بأعمال في بداية الأمر في المكتب - مكتب الهندسة.. في سنة ٣٧ نقلت لأنه كان عندنا نشاط في نادي الخريجين في أتبرا "عطبرة".. ما كان اسمه نادي الخريجين كان اسمه نادي السكة الحديد - نادي موظفي السكة حديد السودانيين.. وفي الجانب الآخر في نادي السكة حديد للمصريين.. النادي كان كأنه تابع للمصلحة.. رئيس المصلحة - مدير مصلحة السكة الحديد كان رئيس الشرف ليهو.. وكان كبار الموظفين في حكم البيعينوا في مناصب النادي.. نحن أحدثنا فيهو سنة ٣٦ و٣٧ ثورة أدبية كبيرة جدا اقتضت أنه اللجنة تكون منتخبة وأنه السكة الحديد ما يكون عنده ا إشراف على النادي وقلبنا الأوضاع فيه.. الناس اللي كانت بتعينن السكة الحديد كضباط يشرفوا على إدارة النادي كأنه مصلحة من المصالح غيرناهم، فدا اقتضى أنه السكة حديد تنقلني من عطبرة الى كسلا.. والنقل كنت بشعر بأنه كيدي.. فيما بعد كانت الخلافات بتكون بيني وبين الموظفين الإنجليز كتيرة..
سنة ٤١ أنا آثرت أن أستقيل وكان عندي محاولات في النشاط السياسي وما كان بيستقيم لي أن أباشره وأنا موظف في السكة الحديد.. بخاصة بأنه السكة الحديد موظفيها بكون بعيدين من المدن.. وأنا فعلا لمن نقلوني من عطبرة لكسلا نقلوني لأكون في الخط في المحطات - محطات ميتة فقررت في الوقت داك أن أستقيل.. مشيت تلاتة أربعة سنين بعدها وفعلا كنت زي بشعر كأنه في محاولة إبعاد لي.. نقلوني لعطبرة لخلاف نشأ بيني وبين كبير المهندسين في كسلا بعدين ودوني لخط جديد لأمده مع الناس البمدوه لجهة تسني في أثناء الحرب ثم لما انتهيت منه انتدبت لأمد خط من حلفا لفرس ثم لما انتهيت منه انتدبت لأمد خط من ربك للجبلين وفي دا اعترضت وكان الخلاف ومنه استقلت..

س: ماهي طبيعة النشاط اللي انت استقلت بسبب التعبير عنه؟ كان عن شنو؟ ذكرت بأنك كان عندك نشاط سياسي، النشاط كان عن شنو؟ فكر معين، شيء معين كنت بتعملو؟

يلاحظ أنه الفكر السياسي في السودان اتبلور بعد نشأة مؤتمر الخريجين، ودا كان سنة ٣٨.. نحن نشاطنا في الثلاثينات - في منتصف الثلاثينات ٣٦ و٣٧ كان نشاط أدبي وطني زي ما كانت بتتسم الحالة في الوقت الماضي.. النشاط الأدبي دا كان قايم في المدن الكبيرة كلها.. في مدني وفي أمدرمان وفي الخرطوم وفي عطبرة وفي بورتسودان.. والنشاط الأدبي اتمخض عنه مؤتمر الخريجين سنة ٣٨ في نادي الخريجين بمدني وكنا بنتجه لأن نسمي الأندية كلها أندية الخريجين.. حتى في آخر الأمر استطعنا أن نغير اسم نادي عطبرة الى نادي الخريجين بعطبرة.. دا تمهيد لأن يكون الناس - الخريجين - كلهم يشتركوا في مؤتمر الخريجين العام النشأ سنة ٣٨.. ونشاطنا الأول كان نشاط أدبي للجمعيات الأدبية لكن بياخذ الإتجاه الوطني في إحياء الثورة بين المواطنين لمعارضة الاستعمار..

س: نحن دايما بنضع النشاط الأدبي أو جزء من المشروع النحن شغالين فيه عندنا جزء منه حيكون خاص بأدب الحركة الوطنية في فترة من الفترات.. بنعتبر أنو النشاط الأدبي ذاتو كان تعبير عن وعي وطني معين.. رأيك في الكلام دا شنو؟

صحيح.. النشاط الأدبي كان تعبير وخصوصا في الوقت دا من تطور المجتمع السوداني، يلاحظ أنه في الأزمة بتاعة سنة ٢٩ و٣٠ و٣١ نشأ أول إضراب معروف عندنا في السودان العاصرناه وهو إضراب كلية غردون.. لأنه الأزمة الاقتصادية اقتضت أنه الإنجليز يخفضوا مرتبات الخريجين ويخفضوا المدارس الى النصف.. يعني المدرسة الوسطى تأخد سنة وتغب سنة حتى بقى يكون عندك مثلا فصلين من الأربعة فصول مستمرات.. لمن حصل اضراب الطلبة في كلية غردون كان سنة ٣١، نحن جينا عقبه طوالي للكلية، فكان الإضراب دا أحيا روح وطنية كان وسيط تعبيرها الأدب، نثر ونص، ما كنت تكاد تلقى قطعة نثرية أو قصيدة الا وهي متجهة لإحياء الروح الوطني في الناس.. وكان فعلا الأدب وسيط للتعبير عن الروح الوطنية اللي هي منها نشأت الأحزاب السياسية فيما بعد، بعد نشأة مؤتمر الخريجين..
-
* التاريخ المعتمد لميلاد الأستاذ هو ١٩٠٩ ذلك بأن تصحيحا جاء من إحدى أقارب الأستاذ من النساء كانت قد أخبرته بمعلومة تفيد أن شخصا معينا مولود معه في نفس السنة وأن ذلك الشخص لديه شهادة ميلاد محددة بـ ١٩٠٩ ومنذ ذلك اليوم تم التصحيح، وهو أيضا تقريبي إذ أن اليوم والشهر غير محدد..