في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search
لقاء الأستاذ محمود محمد طه
بمندوب مجلة الوادي

أجرى اللقاء جمال الدين حسين
العدد 47 - مارس 1983م

الجزء الثاني

حوار مجلة الوادي مع الأستاذ محمود محمد طه

الوادي : هل التشريع الذي جاء به القرآن في القرن السابع لا يناسب مجتمع العصر الحالي؟.. ولماذا ؟

محمود محمد طه: مش بكل صوره .. في العبادات يناسب .. في الحدود يناسب .. في القصاص يناسب .. و لكن فيما يخص السياسة و الإجتماع و الإقتصاد فهو لا يناسب.

المساواة بين الرجال والنســاء
الوادي : إن الإسلام جاء لينظم حياة المسلمين في مختلف نواحيها .. القرآن فيه تفصيل لأمور في حياتنا كمسلمين لا مجال للإجتهاد فيها كالميراث و الزواج و الطلاق والصوم والصلاة .. و هناك أمور جاءت في القرآن و السنة كمبادئ عامة دون تفصيلات مثل "وشاورهم في الأمر" .. "وأمرهم شورى بينهم" .. هذه دعوة للديمقراطية و للحرية و لكنها لا تحدد لنا شكل النظام الذي نحقق به الحرية و الديمقراطية هل هو التنظيم السياسي الواحد أم الأحزاب المتعددة أم ترك الأمور وفق إحتياجات المجتمع و درجة تطوره ؟

محمود محمد طه: القرآن فيه أصول وفيه فروع .. القرآن المكي أصول .. والقرآن المدني فروع .. الشريعة قامت علي القرآن المدني .. "و شاورهم في الأمر" ليست ديمقراطية .. الشورى يمارسها الرشيد علي القاصرين ليدربهم و بالممارسة على أن يحلوا مشاكلهم و ينهضوا بأمر أنفسهم .. و لكن الشورى ليست ملزمة للرشيد .. ما يشير به القاصر غير ملزم للرشيد ومن هنا جاءت "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله" .. فإذا كان رأيهم رأيك فنفذه وتوكل على الله .. أما إذا كان رأي الجماعة يخالف رأي الرشيد فلينفذ الرشيد رأيه و يتوكل علي الله أن رأيهم رأي قصر لا يلزم الرشيد ..
فالشورى إذن ليست ديمقراطية .. نحن نريد ديمقراطية .. الديمقراطية آياتها منسوخة .. "فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر" هذه الآية منسوخة ..
المثال الثاني هو الإقتصاد .. الذي في أصول القرآن منسوخ بالإقتصاد الذي جاء في الفروع .. "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها. وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" .. هذه الآية جاءت منها الزكاة ذات المقادير المعنية في الأعيان المعينة .. هذا هو النظام المالي .. للفقير حق في مال الغني .. تأخذ من أموال الغني لنعود بها علي الفقير.
أما إذا إرتفعنا عن عمل الشريعة "خذ من أموالهم صدقة" إلي السنة التي هي عمل الرسول "ويسألونك ماذا ينفقون ، قل العفو". ستجد أننا نتطور من قاعدة الأخذ إلي مستوى آخر أرفع .. وهو ما يمكن أن نسميه قاعدة الإشتراكية .. الزكاة ذات المقادير كانت في ظل مجتمع ونظام رأسمالي .. وفي هذا المجتمع ليس هناك ما يمنع الفرد أو القلة من تملك وسائل الإنتاج .. الإشتراكية لم تقم و لن تقوم إلا لتمنع تملك و إحتكار وسائل الإنتاج.
و كما تري فإن هناك تطورا في الناحية المالية من آية في القرآن المدني إلي آية في القرآن المكي .. مثل موضوع الشورى .. الشورى ليست ديمقراطية كما قلنا .. "فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر" هذه الآية تنسخ "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل علي الله" .. هناك تطوير من مستوى الشورى إلي مستوى الديمقراطية حيث رأي الأغلبية ملزم وليس إستشاريا ..
أيضا فيما يتعلق بالرجال والنساء .. في القرآن المدني لا توجد مساواة بين الرجال والنساء "الرجال قوامون علي النساء بما فضل الله بعضهم علي بعض و بما أنفقوا من أموالهم" .. إلي "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع و اضربوهن".
هكذا مستوى مملك للرجل في القرآن المدني .. في القرآن المكي وكان منسوخا بالقرآن المدني "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" ..لهن من الحقوق مثل ما عليهن من واجبات هذه الآية تعطي النساء فرصة المساواة بالرجال ..

ديمقراطية التنويــر والتثويــر
الوادي : ما هي رؤيتكم للديمقراطية .. كيف نمنع تسلط الحاكم ونشؤ بؤر فساد و مراكز للقوى؟

محمود محمد طه: الديمقراطية الليبرالية القائمة علي تعدد الأحزاب و تباين الآراء لم تعد صالحة .. لم تعد صالحة لأنها أهملت جانب الاقتصاد .. هي فقط تعطي المواطن تذكرة إنتخاب .. و لكن ماذا عن الرأسمالي الذي يستطيع أن يسيطر علي وسائل الإعلام و أن يوجهها ليصنع الرأي العام ؟ .. الديمقراطية الليبرالية لم تعد تبحث عن الحق و مناصرة الحرية و المساواة .. الديمقراطية الليبرالية أصبحت مناصرة الحزب الذي ينتمي إليه الفرد فقط.
في المقابل و كرد فعل نشأت حركة تسمى نفسها ديمقراطية البروليتاريا وهي في حقيقتها تزييف للديمقراطية .. حقيقتها دكتاتورية أقلية هم الحزب الشيوعي أو قيادة الحزب الشيوعي .. الشيوعيون لا يعطون أي فرصة للحرية .
نحن نرى أن الشعوب لا تحصل على ديمقراطية بمجرد الحصول على دستور وحق الإنتخاب أو بمجرد إنشاء برلمان .. لا .. هذا في نظرنا لا يكفي لتحقيق الديمقراطية .. إن دعوتنا أساسا لبعث الدين وسط الناس لتنويرهم و تثويرهم بألا إله إلا الله .. ليكون الإنسان مسئولا أمام الله و أمام المجتمع .. إذا وصل الشعب إلي هذا المستوى يمكن لحظتها أن يكون هناك تنظيم واحد يجمع الناس ويبحث عن الحق ويقيمه .. في تلك اللحظة أمور الناس سوف تساس بالحق والصدق وليس بالغش.

الوادي : الله سبحانه و تعالي يخاطب رسوله "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" .. و في آية اخرى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" .. وفي آية أخرى "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" .. أنا أتصور أن الإسلام كان أسبق في حرية الفكر والعقدية من دعاوى فولتير و غيره من الفلاسفة .. في رأيك هل الحرية في ظل مجتمع الإسلام تستوعب وجود حزب أو تنظيم لمن ينكرون الله .. أقصد الشيوعيين ؟

محمود محمد طه: في الدستور الإسلامي لا يوجد حجر علي حرية المواطنين .. للمواطن الحق في أن يعتنق ما يشاء من أفكار .. و أن يدعو إليها بالوسائل الديمقراطية .. إذا كان ملحدا يطرح أفكاره و إلحاده لمصلحته و لمصلحة المجتمع و يواجه الآخرين في التلفزيون والإذاعة و علي صفحات الجرائد و المجلات .. المواطن اللي عنده فكر وغير مقتنع بالإسلام يكون من حقه أن يدعو بالوسائل الديمقراطية للفكر الذي يعتنقه .. والذين عندهم معرفة بالإسلام يواجهونه بالفكر والحجة و يردونه عن أفكاره .. في الدستور الإسلامي ليس هناك حجر علي الناس وعلي حرية الفكر و العقيدة ، والقاعدة "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" .. "و لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" ..