لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول


"الجامعة" تنفــرد بآخر حديــث صحفي
للأســتاذ محمود محمد طه قبيـــل اغتياله

"الجامعة" تنفــرد بآخر حديــث صحفي للأســتاذ محمود محمد طه قبيـــل إغتياله
محمود: كنا أمام خيارين مايو أو الطائفية والهوس الديني .. فارتضينا أخف الضررين

أجـــرى الحوار: عمر السيد ، هاشم بلول ، عمر إبراهيم - ٤ يناير ١٩٨٥


في الرابع من يناير ١٩٨٥م وعلى موعد مسبق ، كانت أسرة تحرير المجلة في الثورة الحارة الأولي ، الساعة تقترب من العاشرة وعشر دقائق ، فتح مصراع الباب قبل قرعه ، إنتحينا يمينا ، وفي حجرة صغيرة بها سريران و تختنق بالكتب و المجلات ، جلسنا .. وعلي شفاه ضيفنا إبتسامة هادئة .. ارتشفنا كوب الحلومر ، و تناولنا حبات من التمر ، وبعدها حملنا أدواتنا و دلفنا جميعا إلي الصالون بمساحته الرحبة حيث جلس أكثر من أربعين من الأتباع نساء و رجال .. كانت الحجرة تعج بمريديه و أصحابه حيث صادف اليوم الجمعة و إحتفالهم بالإستقلال المجيد.
جلس ضيفنا الأستاذ محمود محمد طه وعليه الثوب الأبيض وعلي رأسه قلنسوة بيضاء .. و كان ذلك بعد خروجه من المعتقل و الذي بقي فيه أكثر من ١٠ أشهر حيث أفرج عليه في أواخر شهر ديسمبر ١٩٨٤م ، الأسئلة التي نحملها له في أذهاننا ، جاءت معبره عن طرحنا لحرية الفكر الذي يحمله الأستاذ محمود محمد طه حيث عاصر المراحل الوطنية التي مر بها السودان و الحكومات المتعاقبة. سألناه عن مفهوم الاستقلال و وجوده الحقيقي ووقفنا معه في موقفه من نظام مايو و طبيعة الحكم و علاقة النظام الخارجية بالمؤسسات المالية الدولية ، إستطلعناه عن سياسة الدولة و النهج الذي تسير عليه. استمر لقاؤنا حوالي الساعة و الثلث حيث ودعناه منصرفين.
و بعد يوم واحد من هذا اللقاء تم القبض علي الأستاذ/ محمود محمد طه لينفذ حكم الإعدام عليه بعد اسبوعين أي في يوم الجمعة ١٨ يناير ١٩٨٥ ليكون هذا اللقاء هو آخر الكلمات التي أدلى بها الأستاذ محمود محمد طه و نقدمها اليوم كجزء من واجبنا الذي نؤديه إنطلاقا من مبادئنا الراسخة في حرية منابرنا.

س : الأستاذ محمود من الذين عاصروا فترة النضال الوطني و استقلال البلاد. فأين نقف نحن اليوم من تحقيق مفهوم الإستقلال الحقيقي ؟.

ج : بسم الله الرحمن الرحيم .. يسرني في هذا اليوم أن ألتقي بأبنائي من طلبة جامعة الخرطوم، أعضاء هيئة تحرير مجلة الجامعة. و سأواجه أسئلتهم بالقدر الكافي من التفصيل.
أما بخصوص السؤال فنحن اليوم في أبعد موقع عن تحقيق الإستقلال في جميع عصورنا. و الناس لو كانوا يتعمقوا في الأمور بيلاحظو مافي استقلال حقيقي و ما بتحقق إلا إذا كان قائم علي مذهبية و فكر. و حركتنا الوطنية تهمل المذهبية و تهتم بالإغلبية الميكانيكية و لذلك من البداية ما حققنا الإستقلال ، وقد نجلوا الإستعمار اليوم أو غدا ولا نكون أحرارا أو مستقلين، و إنما متخبطين في فوضى لا قرار لها و الفوضى التي نشاهدها اليوم علي عهد مايو في أخريات أيامه. و نحن إن نلاحظ أن عهد مايو عندما قام في ١٩٦٩م جاء في ساعة حرج ، في ساعة الصفر ممكن تقول والبلاد كانت ستتورط علي يد الطائفية في ما يسمى ظلما وجورا و بهتانا بالدستور الإسلامي ، و أنقذت مايو البلد من الهوس الديني و الطائفية من تقنينها لوجودها و للشريعة الإسلامية و الدستور الإسلامي ولا هي دستور إسلامي و لا تشريع إسلامي و الدستور الإسلامي بصورة خاصة تزييف للإسلام. وسلطة مايو في أول عهدها أوقفت هذا العمل ، و لكن في آخر أيامها تورطت فيه هي بنفسها بسنها قوانين سبتمبر ١٩٨٣م نحن كنا مؤيدين لمايو بننصحها لأنو نحن بنعرف إنو ما عندها بديل غير الهوس الديني و الطائفية و نحن كنا مناهضين للطائفية و الهوس الديني. و معروف إنو الطائفية حاربتنا سياسيا بقيام محكمة الردة لكن واجهناها بالصورة الكافية ، قبل أن تنجح في مؤامراتها جاءت مايو و كانت مايو ثورة علمانية و لن تستطيع أن تكون ثورة دينية و لكن علي علمانيتها و دستورها العلماني في الوقت الحاضر كانت أحسن مرحلة من مراحل الحكم الوطني و لكن تورطت في الهوس الديني و انحرفت و أتت بقوانين سبتمبر ١٩٨٣م لا هي إسلامية و لا هي شرعية و لا علمانية و كانت الفوضى و اختلطت الأمور و انحدرت البلد وهنا برزنا نحن لمناهضتها و خاصة معارضة قوانين سبتمبر ٨٣.

س: قلت أن الإستقلال يبني على مذهبية وفكر ؟ أو بمعني آخر تأييدكم لهذا النظام علي أي أسس كان؟

ج : نحن ما عندنا فرص لنجد المستوى اللي نحن عايزنو للدعوة للفكرة و كان علينا إختيار أخف الضررين: الطائفيــة أو مــايو.

س: قلن نحن اليوم أبعد ما نكون عن الإستقلال. هل في العودة للتجربة البرلمانية معالجة لما يمر به السودان من أزمات ؟

ج : هو في الحقيقة ما في تجربة برلمانية ولم نمر بها في أي وقت و لن نمر بها إذا تقوض نظام مايو الحالي علي سوءه فالأحزاب الطائفية كانت تضم المثقفين و كانوا علي قيادة الأحزاب وبيجروا وراء قيادات الأحزاب لأنو السند الشعبي و النواب كانوا بيرشحوا من زعيم الطائفة فأم كدادة مثلا يودوا ليها سياسي من هنا ما معروف ولاؤه للزعيم الطائفي و القيادة الطائفية يتحرك بإشارة و بالأغلبية الميكانيكية بيحملوا القرارت و هذا ما حصل في تجربتنا حتى تم تعديل الدستور و حل الحزب الشيوعي و إخراج نوابه من البرلمان و هم من خيرة النواب و المثقفين و أخرجوهم الناس اللي ما عندهم وزن ولا قيمة إلا بإشارة زعيم الطائفية للتخلص من الشيوعيين و نحن قدمنا لمحكمة الردة لمعارضتنا حل الحزب الشيوعي. و هذا ما يحدث من داخل البرلمان حيث عدلت المادة ٢١٥ من الدستور والتي كانت تعطي المواطن حق التنظيم و حرية الرأي فأصبح ذلك محرما ، فلا يمكن أن تكون تلك هي حياة برلمانية بل خديعة موجودة و سقوط مايو بعدم وجود بديل يجعلنا في وضع أسوأ مما فيه نحن الآن.

س: لو الأستاذ محمود خير بين النظام الرئاسي و البرلماني فأيهما يفضل ؟

ج : أفضل الرئاسي لأنو حسم الأمور بسرعة بالرغم من أنه أقل ديمقراطية ، لكن دا موش الموضوع ، إنما الموضوع ما هو الفكر تحت النظام البرلماني أو الرئاسي ، فكم أنخدعنا بالشكول و الإنتخابات و الوزراء و هكذا ، و الأسوأ هو التضليل بإسم الديمقراطية مثل ما حدث في حل الحزب الشيوعي و طرد النواب. المشكلة هي هل الشعب واع ليستحق الديمقراطية وهل القادة القلة اللي بيروا قيادة شعبهم عندهم من النزاهة والعلم وحب الخير لشعبهم حتى تتمكن من إقامة نظام برلماني.

س: في الفترة الأخيرة تم إطلاق سراحكم و السيد الصادق المهدى في آن واحد هل يتمشى ذلك مع لعبة الموازنات السياسية التي ينتهجها النظام في تثبيت أركانه ، علما بأن الأخوان قد فقدوا أداة ضغطهم على السلطة عن طريق الإتحادات الطلابية و اهتز موقفهم بممارسات البنوك الإسلامية ؟.

ج : ما أفتكر ان النظام ينطلق من تفكير حتى ولو تفكير معوج بل من تخبط ، فاعتقلنا بغير سبب و اخرجنا بغير سبب ما أفتكر النظام دا بمتلك التخطيط والتفكير في انو بلعب بالناس ضد بعض كموازنات سياسية ، يفرق بين الناس ليحكم و يرسخ مواضيعه كلها سايرة في تخبط منذ تشريعات سنة ١٩٨٣م في المشاريع الاقتصاد السياسية و الادارة و من ضمن التخبط اعتقلنا ومن ضمنه افرج عنا.

س : قبل فترة سمعنا بإمكانية إخراجكم من المعتقل وكان في رفض بالخروج. ما هو السبب؟

ج : في أوائل مارس ١٩٨٤م عرض علي الإفراج و قلت ليهم الأمر ليس بهذه البساطة و أنا اللى أدخلت أولادي في السجن و أنا اللي برسلهم لقيادة الأركان ، والمنطق يقول انو تخرجوهم و تتركوني أنا و مكثت حوالي عشرة شهور وجاء الإفراج الشامل دون قيد أو شرط.

س: الشي اللي بتقال من الرأي العام انو كان في طلب منكم بتقديكم للمحاكمة أو عدم الخروج من المعتقل ؟

ج : في الحقيقة نحن رفعنا قضية جنائية ضد عمر محمد الطيب لأنو اعتقلنا بدون سبب و الكتاب اللي صدر كتاب أمني و عمر دفاعا عن نفسه إعتقلنا لأغراض شخصية ، و لا زالت القضية موجودة لكن ما استمرت. و قدمنا ثلاث قضايا دستورية أخيرا وشطبت لعدم وجود ضرر للناس اللي رفعوها. وما في سبب تاني لرفض الخروج من المعتقل.

س : هل يتفق معنا الأستاذ بأن سلطة مايو إتسمت بفردية القرار ! وهل للتخبط السياسي الذي يحدث في الساحة علاقة بذلك ؟

ج : لا دا مش السبب ، السبب الأساسي هو قوانين سبتمبر ١٩٨٣م لا هي قوانين شرعية ولا دينية ولا علمانية ، والتخبط جاء من هنا. إنقلاب مايو العسكري قراراته تكاد تكون سلبية من بدايته لكن كان بيعاون من السياسيين و بيقولوا رأيهم و بيأخذ رأي معتدل وما كان دور نميري بارز لأنو ما كان مستبد لغاية ما جاءت حكاية الإمامة شرع الله والهوس الديني فلخموه كدى شوية ، والناس ما كان بيفهموا وما بنصحوه وحدثت بينهم مناقشة ومشادة ومسابقة .. وما بفتكر لما جاء الإنقلاب العسكري كان غير كده لأنو أساسا جاء بشكل فردي و بتحدث الصرعات والواحد بتخلص من زملائه و ينفرد هو بالعمل. فالوضع الطائفي كان من السوء بحيث أنو يبرر ديكتاتورية النظام و يبرر الإنقلاب العسكري. و لا يوجد شعب محترم يحكم بالجيش في العالم لكن الضرورات بتملي حاجة زي دي. و انحرفت مايو أخيرا لمن وقفت تحت تضليل الهوس الديني بعد تشريعات سنة ١٩٨٣م.

س : بتقصد أنو التخبط مرتبط بفردية القرار لكن ما هو السبب الأساسي ؟

ج : فردية القرار ما ظهرت بصورة كبيرة إلا بعد الهوس الديني.

س : يرتبط النظام بالعقد الاجتماعي بينه وبين القاعدة ما هو رأيك في البيعة كشكل من أشكال العقود الاجتماعية التي حاولت السلطة الحاكمة إيجادها ؟

ج : البيعة التي تمت ما عندها أي أسس تسندها من الدين و لأنو الشعب دوخ بالحكم الفردي و بالإرهاب المشهر عليه مشوا في طريق البيعة ما بإعتبار إنو مقتنعين ، وما في في الإسلام بيعة بالطريقة دي ، فالبيعة بتكون لأتقي الناس و أعلم الناس.
و كانت في العهد الأول، عهد الخلفاء الراشدين الأربعة ثم عهد معاوية و كان بيرهب الناس وبيقودهم في الطريق اللي عايزو ، وبعد الخلفاء ما في بيعة إسلامية ممكن تكون ملزمة لإنسان ، وما بيدخلها إنسان هو عاقل ولا بيطلبها إنسان هو على جانب الحق من الدين و المسألة اللي حصلت كلها ما عندها سند.

س : النظام لم يشهر سلاح البيعة و ما فيش معيار محدد للتقى والتفضيل يملكه الناس فماذا حددت عدم وجود سند لتلك البيعة من الدين ؟

ج : الإسلام غائب عن صدور الناس ، والبيعة دي قامت وما كان في حوجة لشهر السلاح أو حمل السيف لأن الناس جهلة ويكفي الإدعاء بإسم الدين ، وشعبنا حمل على البيعة والتضليل يعني عن الإرهاب.

س : رأس مال الأسرة السعودي المالكه و البنوك الإسلامية ما أثرهما على الوضع السياسي الراهن وما صاحبته من أزمان ؟

ج : أكثر شيء يتمثل فيه رأس المال السعودي هو بنك فيصل الإسلامي ، و بنك فيصل ما هو إسلامي ، ما في إقتصاد إسلامي بالمناسبة دي ، الإقتصاد أما ربوي يعني رأسمالي ، أو إشتراكي متخلص من الربا فالربا و الراسمالية ماشات مع بعض. وحتى الإسلام لما ركز علي تهويل أمر الربا "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. فالإقتصاد الإسلامي إقتصاد أشتراكي فعلى الناس التخلص من الربا بالإشتراكية ، فالبنك دا قايم على تحويل للسير في ركاب النظم الحديثة للبنوك و يأخذ الربا بأسماء أخرى ، و مشاكله أن الحكومة قالت : تسبب في المجاعة ، ونحن قبل ثلاث سنوات قلنا إنو بتحايل وما هو إسلامي و يأخذ الربا وده أخطر لأنو بيأخذ الربا بإسم الدين. و ربا البنوك الغربية أفضل لأنو واضح.

س: إلى أي شيء يعزى التخبط في أسعار السلع كشكل من أشكال التخبط الإقتصادي و القرارات الإقتصادية الأخيرة والتغير المستمر في الوزراء والتراجع المستمر في القرارات ؟

ج : زي ما دار الكلام قبيل إنو البلد محتاج ، غلاء الأسعار اللي إنتو شايفنو السبب فيه التضخم. ففيه مستوى عالمي أثر علينا نحن. نحن بنستهلك ما بننتج ، جنيهنا نازل ، الدولار يساوي أكثر من ٣ جنيهات في الوقت الحاضر. القيمة النقدية ماشة نازلة لخلل في الميزان التجاري.
نحن ما بننتج دا اساسها الداخلي انت تكون محتاج بطبيعة الحال بتتأثر بالنصيحة اللي بتجيك من الناس اللي بعاونوك وما في حد بيفكر انو البلد متأثر بنصائح الناس اللي يمدوه بالقروض واللي بيصبروا على تسديدها و يمدوا لينا يد العون و لكن ده مش السبب في إنو بعض الوزراء بيطردوا وبعد شوية بيرجعوا ، جائز يكون في نصائح من البيوت التجارية في اولئك الناس من الموظفين وغيره يكون في مناصب معينة ، والنصيحة بيأخذ بيها أما المسائل الأخلاقية و سحب الأوسمة ، والطرد ، و الإعادة اجزاء من التخبط اللي نحن بنقوله ، فمثلا إلغاء رسوم الإنتاج ، ظن انو الزكاة بتكفينا وأمين صندوق الزكاة السابق قال : عائدنا من الزكاة ٦٠٠ مليون جنيه في الوقت اللي ما فيش حاجة بالمرة و الشعب جائع و محتاج و المسألة ترجع كلها للتخبط اللي سببه الهوس الديني المتمثل في قوانين ٨٣ و الإتجاه الجديد نحو الدين بلا دين ولا فهم.

يوجد تسجيل صوتي كامل لهذا اللقاء على هذه الوصلة (نعتذر لعدم وضوح التسجيل)