لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

من محن الوطن .. أشياخ التكفير .. أساتذة جامعات؟!

د. عمر القراى


(إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم)
صدق الله العظيم

اطلعت مؤخراً، على كتيب بعنوان ( فتاوي العقيدة والمذاهب)، مؤلفه هو د. عبد الحي يوسف. ولقد لفت نظري في البداية، ان كاتبه مشار إليه بلقب (الدكتور) بدلاً من (الشيخ)!! كما ان الكتاب ليس فيه اسم الجهة التي أصدرته، أو دار النشر التي طبعته، ووزعته، الأمر المخالف لكل نظم المسؤولية، في التوثيق العلمي.. وحين اطلعت على الكتيب، وجدت انه ملئ بالفتاوي المتطرفة، التي تجنح للتكفير، والإثارة، والتحريض، والاستعداء على فئات مختلفة من الشعب السوداني.. مما يعد جهلاً بحقائق الدين، واستهتاراً بالدستور، وباتفاقية السلام، التي ارتضت التباين الديني، والفكري، والثقافي، والسياسي.. وأقرت مبدأ الحق في العيش الكريم، لأبناء الوطن الواحد، رغم اختلاف أديانهم، ومعتقداتهم..
ولقد افتتح الكتاب، بكلمة للناشر- الذي لم يورد اسمه - جاء فيها (وهذه المجموعة تمثل نماذج منتقاه لبعض الأسئلة التي وردت إلى موقع شبكة المشكاة الإسلامية وأجاب عليها فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم)!! ولم يوضح لنا الكتيب، لماذا قدمت هذه الأسئلة لذلك الموقع بالذات، ولا عن اي جماعة إسلامية، يعبر ذلك الموقع، الذي يفخر بنشر فتاوي التكفير، ولماذا قدم الموقع الأسئلة للشيخ عبد الحي، دون سائر الفقهاء والوعاظ، الذين درجوا على إصدار الفتاوي قبله..
ولقد كان من الممكن ان نتجاوز عن هذه الفتاوي الجاهلة، الحاقدة، البعيدة عن واقع العصر، لو انها صدرت من شيخ عادي، بسيط، لا يتجاوز علمه "متن العشماوية"، أو "ألفية ابن مالك"، وما شابهها من الحواشي والمتون.. ولكن ان تأتي الفتاوي المتطرفة، من شيخ بلقب (دكتور) في جامعة الخرطوم، ثم هو، رغم هذه العقلية، المسؤول عن الثقافة الإسلامية، في هذه المؤسسة العريقة، فأمر لابد من الوقوف عنده.. ذلك ان هذه الظاهرة الغريبة، انما تشير الى أمرين خطيرين: أولهما انتشار التيارات الدينية المتطرفة، التي تسيء إلى الإسلام أبلغ الإساءة، بما تعكسه من ممارسات إرهابية، تخالف جوهر الدين، وتشوه صورته، في نظر العالم.. ثم هي منسوبة بصورة أو أخرى، لحكومة الإنقاذ، التي سمحت بها، رغم أن الحكومة تحاول جاهدة، تبرئة ساحتها، من تهم الإرهاب، وتصرح مراراً، بانها تسعى لإقرار السلام، في دارفور، كما أقرته في الجنوب، علها بذلك تمحو تهمة الإرهاب، وتدفع شبح تدخل القوات الدولية، الذي لا يبرره شئ مثل الإرهاب والعنف..
أما الأمر الآخر فهو تسرب هذه الاتجاهات الارهابية، التكفيرية، الى مؤسسات التعليم العالي، دون كفاءة علمية، ودون اعتبار للوائح، والنظم، ومعاييرالتعيين، في هذه المؤسسات.. مما أسقط هيبة الجامعات، وحد من قدرتها على المنافسة، في التقييم العالمي، وأثر سلباً على تربية، وتأهيل النشئ وأكد ما ظلت المنظمات الدولية لحقوق الانسان تردده، من ان ما حدث للتعليم العالي، في السودان، يرقى الى حد الانتهاك لحقوق الانسان..

داعية الفتنة.. كيف يفكر؟


والشيخ عبد الحي يوسف، لم يبدأ الفتنة بهذه الفتاوي العجيبة، وانما درج على تصدر كافة المناسبات العامة، التي تتعلق بأي موقف سياسي، أو فكري، ليحولها الى مأساة، بزرع بذور الفتنة، والفوضى، وتهديد أمن المواطنين.. فقد قاد مجموعة من الشبان، تهتف (الحد الحد للمرتد) أمام قاعة المحكمة، التي برأت المرحوم محمد طه محمد أحمد، من تهمة الردّة، التي حاول جاهداً أن يلصقها به!! وسبق أن هاجم معرض الأخوة المسيحيين، بجامعة الخرطوم، وحرض عليه، واستنكر وجوده، مما اثارسخط المتطرفين، فقاموا بحرقه، واهدروا بذلك، حق اولئك المواطنين، في التعبير عن معتقداتهم، وعرضوا ارواحهم للخطر، واتلفوا ممتلكاتهم!! ولقد كانت تلك الفتوى الجاهلة، مخالفة واضحة، لقوله تبارك وتعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين)، ولقوله تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن).. ثم إنها مخالفة للدستور، واخذ للقانون في اليد، وكل ذلك لا يليق بالطالب الجامعي، فأعجب ان يقوم به الاستاذ الجامعي، داخل الحرم الجامعي!! ثم لا يساءل عما اقترف من جريمة التحريض!! لقد كان أجدر بالشيخ عبد الحي ان يعرض للافكار التي يختلف معها فيبين حقها من باطلها، ويمكن ان يحاور اصحابها فيهدي الله لنوره من يشاء ، ولكن اسلوب التكفير والاثارة وتحريض البسطاء، ليقوموا هم نيابة عنه، بما يدعي انه واجب ديني، حتى يكون هو بمعزل عن المساءلة القانونية، انما هو عمل ينقصه الصدق، وتنقصه المروءة!!
ولم يكن سبب تحريض عبد الحي، ضد المسيحيين، غضب مفاجئ، لم يستطع تمالكه، وانما يرجع الى ايمانه الراسخ، بعدم التقارب بين الاديان المختلفة!! فقد سأله أحدهم (كثر الحديث هذه الأيام عن التقارب بين الأديان فما صحة هذا القول؟) فاجاب عبد الحي (... فان الدعوة الى التقارب بين الاديان يراد من ورائها التسوية بين الحق والباطل والهدى والضلال والكفر والايمان..... فالتقارب بين الاديان بدعة ضلالة تولى كبرها الماسون ومن خدع بهم أو باع آخرته بدنياه) (فتاوي العقيدة والمذاهب - الجزء الأول صفحة 20).. ولو كان الشيخ عبد الحي، يعرف اقل القليل، عن الاديان، لعرف انها متقاربة لأن مصدرها واحد، وأصلها واحد، وغايتها واحدة.. أما مصدرها فهو الله سبحانه وتعالى، واما أصلها فهو كلمة التوحيد " لا اله الا الله "، واما غايتها فهي تجسيد كلمة التوحيد، في الخلق.. قال تعالى عن وحدة الأديان ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب)، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (خير ما جئت به انا والنبيون من قبلي لا اله الا الله).. ولو كان الشيخ عبد الحي يعرف، لعرف ان من اسباب التقارب بين الاديان، ان ما جاء به القرآن، هو ما ورد في الكتب المقدسة قبله، قال تعالى (ان هذا لفي الصحف الأولى صحف ابراهيم وموسى).. وان الاختلاف وقع في الشرائع، قال تعالى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) لاختلاف الزمان، وحاجة كل زمان لما يناسبه من التشريع.. فالتقارب إذاً هو الاساس، والاختلاف فرعي، وهو لا يبرر التباعد، الذي افتعله الجهلاء، من اتباع الأديان، وليس ادل على ذلك من هذه الفتوى!!
ومن نماذج الفتاوي، التي تنطوي على النفاق، تحريم الشيخ عبد الحي، العمل في الأمم المتحدة!! فقد سألته إحدى النساء (بحكم عملي أخالط كثيراً من النصارى، نتناول الطعام سوياً أثناء العمل، اشاركهم في بعض الدعوات والحفلات في منازلهم وبعض الاماكن العامة فما مدى حرمة ذلك؟ مع العلم بأني التزم بالزي الاسلامي حتى في هذه الحفلات) فكانت اجابة عبد الحي ( فالحكم على عمل ما بالحل أو الحرمة يتوقف على معرفة ماهية ذلك العمل، وهل يندرج تحت التعاون على البر والتقوى أم التعاون على الإثم والعدوان؟ وها هنا أسئلة تستطيعين من خلال الجواب عنها معرفة حكم عملك في تلك الهيئة: هل الأمم المتحدة تنتصر لقضايا المسلمين أم العكس؟ هل هي في احكامها ونظمها تخضع لما انزل الله أم العكس؟...... أما مخالطتك لهم وانت أنثى فما ينبغي لك ذلك بل المطلوب من المسلمة أن تلزم حدود الاسلام بالا تخالط الرجال الا لضرورة أو حاجة، وحسبك ان تعلمي ان النبي صلى الله عليه وسلم منع اختلاط الرجال بالنساء حتى في المسجد وفي الصلاة، فاتقي الله في نفسك ودينك) (المصدر السابق ص 22-23) فهل كان الشيخ عبد الحي، صادقاً في هذه الفتوى، وهل هو مطبق لها في الجامعة، حيث الطلاب والطالبات في المعمل، وفي المكتبة، وفي الفصل، وفي فناء الجامعة، في حالة اختلاط؟ وهل يطلب الشيخ عبد الحي، من أي طالبة تسأله في الجامعة سؤالاً، أن تخاطبه من وراء حجاب؟! وهل ركب عبد الحي، يوماً، المواصلات العامة، أو ركب الطائرة، وجلست بقربه امرأة، فترك المركبة في الحال؟! واذا كانت الأمم المتحدة، لا تخضع في أحكامها، ونظمها، لما انزل الله، فمن أولى بان يقال له ذلك، موظفة بسيطة، أم حكومة السودان، التي تتعامل، وتتعاون، وتستلم المعونات من الأمم المتحدة؟