وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

مغالطات زعماء الأحزاب


رأت بعض الأحزاب أن الوثيقة تتعارض مع قرار المؤتمر، وأصر السيد إسماعيل الأزهري، وجزم بأن الوثيقة لا تتعارض مع قرار المؤتمر بل تدعمه.. فتمسكت الأحزاب برأيها وتمسك السيد أزهري برأيه، وزعم حزب الأمة أن الوثيقة تعديل لقرار المؤتمر وطفحت الجرائد بالمغالطات.. فرأى الحزب الجمهوري إصدار هذا المنشور:


منشور رقم (14)
وفق الله الشعب الإندونيسي وهدى الشعب السوداني


(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)..

"الزعيم الجليل" والأستاذ الكبير أزهري، ضاق أشد الضيق، بعناد الأحزاب التي وقعت معه على وثيقة الأحزاب، فاشترطت أن تحتفظ "بالسادة الإنجليز" مقابل احتفاظه هو "بالسادة المصريين"..
لأن تلك الأحزاب تصر على اعتبار الوثيقة تعديلا لقرار المؤتمر، بينما يعتبرها "الزعيم الجليل" مدعمة لهذا القرار الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!! كما يقول الزعيم.. وقد بلغ هذا الضيق "بالزعيم الجليل" أن قال: "بصرف النظر عن تفسيرات الأحزاب للوثيقة فإن المؤتمر يعتبرها مدعمة لقراره".. ذلك قول الزعيم الجليل، وهو قول فصل وما هو بالهزل!!
وأما قرار المؤتمر فهو "قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر وتحت التاج المصري"!!
وقد اتفق للجرائد أن سألت المسئولين المصريين عن رأيهم في هذا القرار، فقالوا:
"إنه غريب في ذاته!! لأن بلدا من بلاد الله الطويلة العريضة لم يشترط في استقلاله، وحريته، أن يتحد مع جهة أو يتحالف مع جهة.. وإنما الاتحاد والحلف اتفاقات تدخل فيها الدولة بعد أن تملك أمر نفسها بمحض إرادتها، إذا رأت أنها تحقق لها مصلحة ما"..
ولكن ليس هذا بشيء، فإن "الزعيم الجليل" يقول: "إن القرار لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".. والقول ما قال "الزعيم الجليل"!!
هذا وقد وجه الزعيم الجليل، دعوة بأن يعين كل حزب مندوبا ليكون ضمن الوفد الذي سيسافر إلى مصر.. وذكر لجريدة سودان
استار أن الأحزاب إذا رفضت تعيين مندوبيها، فإن المؤتمر سيرسل من عنده، الوفد كله لإسماع مطالب البلاد، كما يراها، للمتفاوضين، وهي عبارة عن "قرار المؤتمر المدعم بوثيقة الأحزاب"..
وقد ودع "الزعيم الجليل" الشعب في آخر كلام له عندما سأله فوراوي عن وثيقة الأحزاب بقوله: "وإلى اللقاء في ظل السعادة، والرفاهية تحت حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر وتحت التاج المصري"!!
مسكين الشعب الإندونيسي!!
فها هي دماء أبنائه تسيل، وأرواحهم تزهق، وديارهم تخرب في سبيل الحرية، بينما الشعب السوداني المحظوظ قد قيض الله له "زعيما جليلا" لا كالزعماء.. فهو يتركه سالما، هادئا، موفورا، نائما، ويذهب للقاء الأعداء منفردا، ثم يعود بالاستقلال في حقيبته بعد أيام لينشر ظله على مضاجع قومه، وتبارك مقسم الأرزاق!!
هذا ما كان من أمر "الزعيم الجليل"..
وأما مندوبو الأحزاب فليسوا زعماء وإنما هم "سياسيون".. ولقد استطاعوا يفضل مرونتهم السياسية، أن يصرفوا النظر عن تهديد الزعيم، فيقبلوا فكرة تكوين وفدٍ ممثلٍ لجميع الأحزاب ليحمل مطالب البلاد للمتفاوضين على شرط أن تكون وثيقة الأحزاب هي أساس العمل، لأنها نالت تأييد البلاد والأحزاب.. وهذه الوثيقة هي الحل الوسط الذي تتجلى فيه مرونة السياسيين السودانيين لأنها أرضت أنصار الإنجليز وأنصار المصريين بما تنص عليه:
"قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا"..
وقد وفق مندوبو الأحزاب في اشتراطهم أن تكون هذه الوثيقة هي أساس العمل، لأنه ليس من الحذق السياسي ولا الكياسة الدبلوماسية أن يذهب "الوفد السوداني" للمتفاوضين وهم إنجليز ومصريين، ثم يقدم هديته للمفاوضين المصريين، ويهمل رصفائهم الإنجليز لما سيكون عليه الحال إذا كان قرار المؤتمر هو أساس العمل!!
وقد تساءل أناس من أدعياء السياسة المتحذلقين هنا: "أما كان أجدى للبلد أن يسافر هذا الوفد إلى الجنوب، ليطوف بأرجائه، ويتعرف عليه، ويدعو إلى فتحه واستثماره، ويشجع الشعب السوداني المغامر على الهجرة إليه، والاستيطان فيه والعمل به!؟"..
ولكن ردهم إلى صوابهم أحدهم وكان حاذقا لأساليب السياسة بأن قال: "إن السفر إلى الجنوب تعترضه عقبات شديدة من الحكومة الإنجليزية، لا يعترض مثلها السفر إلى مصر ولا إنجلترا حتى.. ومن حسن الفهم وسعة الحيلة في السياسة، وفي الجهاد لنيل الاستقلال أن نبدأ باليسير قبل العسير"!! فاقتنعوا ودعوا الله له بالرشاد..
مسكين الشعب الإندونيسي فقد أراق دماء أبنائه، وأزهق أرواحهم وخرب ديارهم في سبيل الحرية، لأنه لم يهتد إلى هذا الطريق السهل الذي اهتدى إليه الشعب السوداني!!
وفق الله الشعب الإندونيسي..
وهدى الشعب السوداني سبيل الجهاد..
محمود محمد طه
رئيس الحزب الجمهوري