وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
الوفد الذي بالقاهرة اليوم، وفد مخلص ما في ذلك أدنى ريب، ولكن الله تباركت أسماؤه قد حرمهم صحة الفهم وقوة الشخصية.. فماذا نملك لهم نحن اليوم من الله؟
حدثنا الأستاذ محمود الفكي قال: "قال صدقي باشا للوفد السوداني":
" تفتكروا أنا جلست في كم معاهدة، وتحدثت إلى كم سياسي أجنبي، وترأست كم وفد مفاوضات؟"..
فقالوا: " كثير يا سعادة الباشا .. كثير.. ربنا يخليك"..
فقال لهم: " لم أسمع قط مثل كلامكم هذا الذي أقبلتم به وأسميتموه "وثيقة الأحزاب" فإنه يذكرني بقول الشاعر:
خبز وأرز وتكرمة قتلتم الشيخ عثمان بن عفان"..
فاستضحك الوفد المحترم حتى استغرق في الضحك، وتعالت قهقهة "الزعيم الجليل" أزهري حتى سمع لها شهيق.. ثم أقبل على الباشا العظيم ينشط لبقية كلامه وأقبل باقي الوفد.. فاستطرد سعادة الباشا في حزم:
" كلا، أنتم لا تريدون هذا أو يجب ألا تريدوه، وإنما أنتم تريدون أو يجب أن تريدوا ربط قضيتكم بقضية وادي النيل.. فإنكم بوصفكم عاجزين عن الدفاع عن قضيتكم وتريدون الزعماء المصريين أن يدافعوا عنها، يجب عليكم أن تربطوها بالقضية المصرية ربطا يمكن الزعماء المصريين من كسبها لمصر، أقصد لكم، ولن يكون هذا إلا إذا تركتم كل هذا العبث، وقلتم معنا إنكم تؤيدون الجلاء ووحدة وادي النيل "..
فقال "الزعيم الجليل" أزهري: نحن يا سعادة الباشا، ربنا يخليك، بطبيعة الحال ليست لنا تجارب في هذه المواضيع، والحقيقة إننا نريد حل قضيتنا بأي حال من الأحوال.. وسنؤيد وننادي بحل قضية مصر " الجلاء ووحدة وادي النيل " وقد كان.. انتهى حديث الأستاذ محمود الفكي..
وعندنا نحن، أن موقف الوفد هذا ليس بغريب، فإنه وجد نفسه في مقاصير عالية، ودور فخمة، يحف بها أناس يتطلع إلى مقامهم، ويتيه بصحبتهم، فطغت شخصياتهم على شخصيته، وأملوا عليه ما أرادوا وهو لا يعرف ما يريد.. فماذا يصنع المسكين!؟
كنت أتحدث مع أصدقاء في هذا المعنى، فقال أحدهم ليس موقف الوفد بغريب، فقد كنا نتوقعه منهم، وإنما الغريب حقا هو موقف المؤيدين له هنا.. إن هذا التأييد الأعمى يدل على شيء واحد هو أن الناس لا يقدرون خطورة الأعمال السياسية، حق قدرها، ولست أشك لحظة واحدة، أنه لو كانت لدى المؤيدين للوفد شركة مساهمة برأسمال نصف مليون جنيه مثلا، تشتغل بين مصر والسودان، وذهب هذا الوفد بقضه وقضيضه لينظر في أسواق القاهرة فيشتري للشركة سلعا ومصنوعات بأعيانها، ثم أخذ يساوم ويداول ويلين وينصاع على نحو ما يفعل اليوم بقضية البلاد، لشعر المساهمون بما يتهدد أموالهم من جهل هؤلاء النفر بالتجارة، فضربوا على أيديهم فأعادوهم..
قلت ذلك خبث منك، ولكنه حق..
فيا أيها الذين أيدتم هذا الوفد الجاهل الهزيل، ثم انصرفتم تهتمون بأعمال أقواتكم اليومية، وتركتموه يعبث بالبلاد، أو يعبث به وبالبلاد المصريون.. إنكم بعملكم هذا إنما تسيئون لحاضركم أنتم، ولمستقبل أولادكم وأحفادكم..
يا هؤلاء، قولوا معنا: يجب أن يعود هذا الوفد الهزيل منذ اليوم، حتى ننقذ ما يمكن إنقاذه من كرامة قضية البلاد، ومن سمعة السياسي السوداني.. وحتى ينصرف الناس إلى توجيه القضية توجيها يتسم بميسم الحذق والفهم الدقيق..
الحزب الجمهوري