وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

منشور رقم (18)
أما الآن، فلا .. إلى المؤتمر و الأحزاب


لقد أطلعناكم على رأينا في مبادئكم وأساليبكم قبل سفر مندوبيكم، ولم نرفع صوتنا بذلك الرأي، كما هو حقنا وواجب الأمة علينا، لأننا نكره أن يستغل الاستعمار صوتنا ضدكم.. أما الآن، وقد بدل أعضاء وفدكم قولاً غير الذي قيل لهم، واستجدوا أمرا غير الأمر الذي اتفقوا عليه بيننا، رضوخاً لسطوة الساسة المصريين، فانا نرى السكوت عقوقاً لهذه الأمة لا يدانيه عقوق..
إن للوفد خطة رسمها، ودستورا وضعه.. هذا الدستور هو المطلب الأساسي وهو جلاء شامل كامل من وادي النيل، ثم يأتي بعد ذلك مطلب آخر وهو تنظيم العلاقة بين الشمال والجنوب وفق وحدة تجمع ما بين الأخوين المقيمين على ضاف النيل..
أما بيان رئيس وفدكم الذي نشرته الصحف المحلية أمس واليوم، هو بعينه مطلب الساسة المصريين!!
وتدل القرائن كلها هنا على أنكم لا تستنكرون تصرف ممثليكم وضعفهم وانقيادهم، ولا تعترضون على هذا الوضع الجديد الذي انساقوا إليه انسياقاً، والذي سيجر البلاد إلى خراب محقق.. وهذا الجلاء التام مبدأ لا غبار عليه وهو مبدؤنا نحن، ولكنه جلاء المستعمر الانجليزي والمصري على السواء.. فليست قضيتنا تقوم على استبدال سيد بسيد..
وأما وحدة وادي النيل فمؤامرة خبيثة أملتها مطامع السياسة المصرية، لم يقو مندوبيكم على النهوض لها، ومواجهتها .. ونحن لاجئون لرفع صوتنا ضد هذه الألاعيب ما لم نستلم منكم في ظرف 48 ســاعة ما يفيد بأنكم اتصلتم بمندوبيكم هؤلاء، وأقنعتموهم بتعديل موقفهم هذا الأخير..
أمين محمد صديق
سكرتير الحزب الجمهوري
أم درمان في 10 جمادى الأولى 1365ه
12 أبريل 1946م
صورة لمكتب: المؤتمر بأم درمان..
صورة للأستاذ عبد الماجد أحمد سكرتير الأحزاب المؤتلفة..
صورة لسكرتير حزب الأمة..
صورة لكل الصحف المحلية..

هذا نص الخطاب الذي أرسلناه إلى الجهات المبينة به، وقد اتصل بنا من اتصل، وهم يحاولون أن يغمضوا أعينهم عن الحقائق.. ثم نشرت صوت السودان بتاريخ 13 أبريل تحت عنوان (آخر أنباء الوفد السوداني)، إن أعضاء الوفد أصدروا بالإجماع بيانا توخوا فيه المصلحة الوطنية الكبرى..
في الوقت الذي تلجأ إليه صحافتنا المأجورة لمثل هذه التعمية، ولا تقوم بنشر البيان الذي ذكرت بأنه نشر بالصحف المصرية، تصلنا الردود أدناه من الجهات المكونة للوفد الهزيل:

" السودان للسودانيين "
حزب الأمة
المركز الرئيسي _ أم درمان
ص ب...... تلفون........
العنوان التلغرافي " الأمة – أم درمان"
تحريرا في 12 أبريل 1946م
حضرة المحترم سكرتير الحزب الجمهوري بأم درمان
تسلمت خطابكم ونحن نشكركم على هذا الاهتمام بهذا الموقف الجديد.. وإن حزب الأمة لا يقر الإيضاح الجديد الذي صدر.. وإننا نخبركم أن مندوبي حزبنا لم يشتركوا في وضع هذا الإيضاح، ولم يقروه، وهم متمسكون بوثيقة الأحزاب، وأن هناك إجراءات لتعديل الموقف وسوف نخبركم بما يجد..
وتفضلوا بقبول وافر الاحترام
المخلص
عبد الله خليل
سكرتير عام حزب الأمة

مؤتمر الخريجين العام ... م خ ع/8/
المركز العام
ص ب 79 ... تلفون 145
أم درمان في 14 /4/ 1946م

الأستاذ الفاضل سكرتير الحزب الجمهوري
أحييكم تحية الوطنية الصادقة
وبعد
بالإشارة إلى خطابكم بتاريخ 10 جمادى الأولى 1365ه، نفيدكم بأنه ليس لدينا ما يثبت ما ذهبتم إليه، بل لدينا ما يناقضه تماما.. وهو ذهاب الوفد وإثبات المطالب لدى السكرتير الشرقي للسفارة البريطانية.. أما ما يتخذ الوفد من وسائل لتقوية مساعيه، لتحقيق القضية، فهذا لا يمكن أن يقوم على أساس تبديل أو تغيير..
وتقبلوا فائق الاحترام
المخلص
محمود الفضلي
سكرتير عام مؤتمر الخريجين

السودان للسودانيين
حزب الأمة
المركز الرئيسي – أم درمان
ص ب ..... تلفون ........
العنوان التلغرافي " الأمة – أم درمان"
التاريخ: تحريرا في 26/4/1946م

حضرة المحترم سكرتير الحزب الجمهوري بأم درمان
بعد التحية
بالإشارة لخطابنا لكم بتاريخ 12 أبريل 1946م، مرفق لكم صورة القرار الذي اتخذه حزب الأمة بصدد الظروف الأخيرة..
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
المخلص
زين العابدين العوض
عن سكرتير حزب الأمة

25 أبريل 1946م
قرر حزب الأمة في اجتماع هيئته المنعقد في يوم 24 أبريل 1946م على ضوء ما أدلى به مندوبو وفد السودان بمصر ألا يسمح للوفد السوداني بمصر بأن ينادي بغير المطلب الذي أجمعت عليه الأحزاب السودانية في وثيقتهم المسجلة، وهي إصدار تصريح مشترك على قيام حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا، والتفسير المتفق عليه..
عبد الله خليل
سكرتير عام حزب الأمة



على إثر بيانات الحزب الجمهوري، قام طلبة المدارس العليا وأعضاء الحزب الجمهوري وبعض الفئات الأخرى إلى دار مؤتمر الخريجين، وطالبوا برجوع الوفد السوداني.. وعلى الأثر عاد أفراد من الوفد على طائرات مصرية ليحصلوا على موافقة زعماء الأحزاب السودانية على المطلب المصري الجديد.. فاتصلوا بالسيد على الميرغني وطلبوا منه مباركة وحدة وادي النيل، فباركها، ثم اتصلوا بالسيد عبد الرحمن فلم يبارك، وأخبرهم أنه لم يوافق على وثيقة الأحزاب إلا حرصا منه على جمع الكلمة.. وقد نشطت في تلك الأيام الدعاية المصرية، وقامت الجرائد المأجورة، الصوت والرأي العام وجريدة المؤتمر، بتسميم الجو العام.. وظلت تمجد شباب حزب الأمة وتطلب إليهم الضغط على شيوخ الأمة، ليوافقوا على مطلب المصريين الجديد حفاظا على وحدة الأمة، فانحرف بعض الشبان وبقي الشيوخ، شيوخ الأمة، على ثباتهم..
في هذا الوقت رأى الحزب الجمهوري أن يقوم بتوزيع صور الخطابين اللذين بعث بهما إلى ممثلي دولتي الحكم الثنائي وسط جماهير الطلبة والمواطنين الذين أثارتهم صحافة الوحدويين ضد حزب الأمة، ودفعت بهم لمحاصرة داره حتى يستجيب للمبدأ الجديد..
ما إن وزع الحزب الجمهوري صور لكلٍ من الخطابين بين الجماهير الثائرة، حتى انقلب الوضع وانقلبت الجماهير تسخط على الذين بدلوا وثيقة الأحزاب، وتشجع حزب الأمة وأعلن عدم تأييده للمطلب الجديد، وبهذا دفن مبدأ وحدة وادي النيل..
وإليكم نص الخطابين:

صاحب الدولة رئيس الوزارة المصرية
صاحب الدولة رئيس وفد بريطانيا للمفاوضات المصرية
بواسطة سفير بريطانيا بمصر
بعد التحية
بالإشارة للمحادثات القائمة الآن بين دولتي بريطانيا ومصر لتعديل معاهدة سنة 1936م، يرى الحزب الجمهوري أن يسجل وجهة نظره أدناه:
1/ من الحقائق المقررة أن السودان غير مصر، وأن الشعب السوداني غير الشعب المصري، وأن لكل من الشعبين تاريخ وتقاليد تختلف تمام الاختلاف، فكل دعوة بخلاف هذه لا تستقيم عمليا، وفيها افتراء على الحقيقة والتاريخ، يعتبره الحزب الجمهوري مؤامرة خبيثة على كيان هذه الأمة، ولن يقف أمامها مكتوف الأيدي ..
2/ الحزب الجمهوري لن يتقيد بأي اتفاق يبرمه وفد الأحزاب السودانية الذي بالقاهرة الآن، مع أي جهة رسمية ..
3/ المطالب التي يؤيدها الحزب الجمهوري هي:
الاستقلال التام الناجز..
جلاء الانجليز والمصريين على السواء وقيام جمهورية ديمقراطية..
وتقبلوا فائق الاحترام
أمين محمد صديق
سكرتير الحزب الجمهوري
24/4/1946م

بعد هذا انفصل أعضاء حزب الأمة من الوفد، وعادوا للسودان، وظل الاتحاديون بمصر يرتعون في الكونتيننتال على حساب الحكومة المصرية يسبحون بوحدة وادي النيل، ويبشرون بسيادة مصر على السودان، وظللنا في إصدار المنشورات والبيانات المتلاحقة لتنبيه الغافلين..