وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
الأحزاب والطائفية تتجه بالحركة الوطنية نحو مصر وبريطانيا
نزلت الطائفية الميدان فأشعلت حرباً شعواء بين طبقات الشعب المختلفة، ولجأت لأنواع من السباب والخصومة وأساليب من الرعونة، لم يعرفها الخلق السوداني من قبل.. وانقسم السودانيون – جميع طبقاتهم – انقساما لم يعرفوه في تاريخهم الطويل، فاغتنم الانجليز والمصريون هذه الفرصة, وتدفقت الأموال المصرية وامتلأت منها جيوب قادة أحزاب الوحدة, وبذل الإنجليز نفوذهم لقادة حزب الأمة وأتباعه، وأوعزوا لزعماء القبائل بمساندته، والانضمام إليه، كما قامت كل أجهزة الحكومة بشد أزره وممالأته على أحزاب الوحدة .. وانحرفت الصحافة السودانية ولم تفرط في نصيبها من الرشاوى، التي كانت تقدم لبعض رؤساء التحرير وأصحاب الامتياز من مصر، وللبعض الآخر من الإنجليز.. فأصبح رؤساء التحرير وأصحاب الامتياز أبواقاً يعددون حسنات السادة المصريين والإنجليز!!
في هذا الجو الخانق، انبرى الحزب الجمهوري يحذر مغبة الشحناء، ويدعو قومه في لين وفي شدة، إلى الجادة، ويصدر النشرات لتوعية الشعب وكشف أساليب قادة الأحزاب المضللين..
فأصدر المنشور أدناه :
منشور ((1))
((يا جماعة الأشقاء .. ويا جماعة الأمة))
يا جماعة الأشقاء .. ويا جماعة الأمة.. أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية.. أيها القادحون قادحات الإحن فيما بين أبناء الأمة.. أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة.. إنكم لتوقرون أمتكم وقراً يؤدها!!
يا هؤلاء وهؤلاء: أنتم تتمسحون بأعتاب المصريين لأنكم لا تقوون على أعمال الرجال الأشداء.. وأنتم تتمسحون بأعتاب الإنجليز لأنكم صورتم المجد في أخلادكم صوراً شوهاء.. أنتم تريدون السلامة، وأنتم تريدون الملك.. أنتم تستغلون سيداً لا يعرف ما تريدون وانتم يستغلكم سيد يعرف ما يريد، والبلاد بينكم أنتم وأنتم على شفا مهواة ومهانة!!
فليلطف الله ببلاد لا يخدم نهضتها إلا صغار الموظفين أو كبار الموظفين، وليتدارك الله ديناً باسمه يحيا أناس في برد العيش، وقرار النعمة، ورخاء الدعة، وباسمه هم لأبنائه يكيدون!!
يا هؤلاء وهؤلاء: إن الله لواحد وان الدين لواحد و إن الوطن لواحد، ففيم تتقسمون على هذا النحو المزري!!
يا هؤلاء وهؤلاء: لأنتم أشأم على هذه البلاد من كل شؤم وشؤم!!
يا هؤلاء وهؤلاء: كونوا ليوثاً غضاباً، أو فكونوا قردة خاسئين، وارحموا شباب هذا الوادي المسكين فقد أوسعتموهم غثاثة وحقاراً وهواناً!!
أيها السادرون من هؤلاء وهؤلاء: لا تحسبن أن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب.. كلا.. فلتشهدن يوماً تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن – يوماً يرجف كل قلب ويرعب كل فريصة..
الحزب الجمهوري