وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
واصل الأستاذ محمود صيامه حتى اليوم الثامن، وكانت الجرائد المحلية متورعة من الخوض في أمر هذا الصيام المتواصل، ظانة أن الأمر من نوع الدعاية فقط!! فلم تصدقه إلى أن قامت جريدة "سودان استار" بفضل الأخ بشير محمد سعيد، بالاتصال بحكمدار السجن والتحقيق من صحة الخبر ونشره..
بعد تأييد الخبر انهالت برقيات الاحتجاج على الحكومة، ونشطت الصحف والهيئات، ونشط أعضاء الحزب الجمهوري في إلهاب الشعور العام، ثم بدا لهم أن يقوموا بحملة جريئة تحقر الحكومة وتهون أمرها في أعين الناس، وتلهب حماس الشباب.. ففكروا في إذاعة بيان الجراثيم من استديو الإذاعة قهرا، فكلفوا الأخ منير صالح عبد القادر بإحصاء عدد العاملين بالإذاعة في المساء بقصد أن يرصدوا لهم من الشباب ما يشل حركتهم حتى أتمكن من إذاعة البيان..
تحمس بعض الشبان من غير أعضاء الحزب الجمهوري، وأبدوا رغبة صادقة في المشاركة، واقترح أحدهم أن يتصل بأحد أصدقائه ممن لهم خبرة فنية رجاء المساعدة إذا ما فكرت الحكومة في وقف الإذاعة من مكان ما..
ولكن هذا الشاب، عفا الله عنه، اتصل بالسلطات وأفشى سر هذا التدبير فشددت الحكومة الحراسة على محطة الإذاعة..
كنت اشترطت في بياني بتاريخ 3/7/1946م على الحكومة أن تكون لجنة من المواطنين يشترك فيها اتحاد الصحافة، إذا كانت واثقة من عدم صحة الحقائق التي أوردتها في ذلك البيان.. ولقد تلكأت الحكومة بعض الشيء، ولكنها تحت ضغط الرأي العام رأت أن تستجيب بعد أن غيرت الموقف قبل ذهاب اللجنة بساعات..
بعث لي الأخ الأستاذ الدرديري محمد عثمان القاضي برسالة مع سائق عربته في ساعة متأخرة من الليل بالخرطوم بحري.. وطلب مني مقابلته في منزله بأم درمان، وللأستاذ محمود عند الأستاذ الدرديري مكانة خاصة، وهو لم يألو جهدا منذ أن دخل محمود السجن في المشاركة الفعالة للقيام بدوره على خير الوجوه..
ذهبت وقابلت الأستاذ درديري فأخبرني أنه انزعج فعلا عند قراءة البيانات التي تحكي عن تعرض حياة الأستاذ محمود للخطر، فقابله بالسجن وقد رأى بعينه التغيير الذي حصل.. فقد أخلي له مكتب ضابط السجن وفرش له به سرير، وفرشت الغرفة بإكليم، ووضع له طقم شاي خاص.. الخ.. وأنه يرى ألا داعي لذهاب لجنة التحقيق بعد هذا التغيير، وأن هذه المعاملة سوف تستمر..
عرفت الأخ درديري أنني من جانبي، سوف لا أطلب من اللجنة عدم الذهاب، فإذا كانت الحكومة ترى هذا فلها رأيها..
ذهبت اللجنة صباح اليوم التالي وتحققت من صحة ما نشر ببيان الحزب الجمهوري، وأعلن الأخ أحمد يوسف هاشم الحقائق على الرأي العام بجرأته المعهودة..
في صباح أحد الأيام، اتصل بي قاضي جنايات الخرطوم تلفونيا وطلب مقابلتي، ولما قابلته أخرج من درج مكتبه جوابا نصه:
(شفقة بالأستاذ محمود محمد طه فقد أفرج الحاكم العام عنه)
ثم ترجاني أن أذهب لمقابلة الأستاذ محمود ولم ينس أن يبدي النصح بأن نكون معقولين بعض الشيء.. فذهبت أنا والأخ شريف أحمد عمر وقابلناه في السجن وسرنا سويا إلى منزل الأخ شريف بأم درمان..
وكان يوما مشهودا، شعر كل سوداني بأنه يومه هو، وأصبح منزل الأخ شريف كعبة الزوار ليومين أو ثلاث، وانهالت علينا تلغرافات التهنئة بالنصر..
هذا، وقد أمضى الأستاذ في السجن خمسين يوما..
1/ تلغراف من كوستي
أهنئكم بإفراج الرئيس وأعجبت بموقفه الشجاع..
عبد الله لطفي
2/ تلغراف من القضارف
سكرتير الحزب الجمهوري – أم درمان
كان سجن الرئيس درساً قيماً لشباب الجيل في قوة الإيمان والروح، وقد سررنا لخروجه لا شفقة عليه، ولكن ليواصل الجهاد الوطني..
حسن بابكر - القضارف
24/7/1946م
3/ تلغراف من أبو حمد
محمود محمد طه – الخرطوم
الحمد لله الذي أخرجك من الأسر وجعل من بعد عسر يسرا..
أبو القاسم
4/ تلغراف من عطبرة
محمود محمد طه – أم درمان
أهنئكم قلبيا
شهيد
5/ تلغراف من عطبرة
محمود محمد طه – الحزب الجمهوري – أم درمان
تأكل النار الصدأ واللمما * وبها يسمو كريم الذهب
ويرى الحر العذاب المؤلما * لذة في الحق يا للعجب!!
ياسجيناً قدره قد عظما * وسما حتى جثا في السحب
أحمد محمد عثمان
عطبرة 29/7/1946م
6/ تلغراف من الأبيض
الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري – أم درمان
أعضاء جبهة المؤتمر الوطني بالأبيض، يرون في خروجك من السجن، آية واضحة للإيمان بالوطنية الصادقة..
ويعدون جهادكم رمزاً للكرامة السودانية، فبقلوب مفعمة بالغبطة يشاركون إخوانهم الجمهوريين السرور بعودتكم لميدان الجهاد..
السكرتارية 24/7/1946م
7/ تلغراف من الأبيض
الأستاذ محمود رئيس الحزب الجمهوري – أم درمان
لئن أسروك بين الجدران فلن يستطيعوا أن يأسروا روحك المتغلغل في النفوس، ولما أيقنوا بخسران ما يكيدون، أطلقوا سراحك..
فامض بسبيلك موفور الكرامة، مرفوع الرأس، وإنا بجنبك سائرون وعلى العهد باقون، وعلى الله معتمدون حتى نصل إلى تحرير الوطن أو نهلك دونه.. وها أنت قد خطيت لك في صفحات المجد ذكرا، وسجلت بثباتك ورجولتك لنا فخرا، وأريت الناس كيف يتسلط الحق على الباطل فيمحقه وكيف يتولى الرجال أعمال الرجال..
أعضاء الحزب الجمهوري بالأبيض
8/ تلغراف من الأبيض
أمين صديق - البوستة للرئيس - الخرطوم
دخلته رجلاً وغادرته بطلاً وضربته مثلاً
علي عبد الرحمن
الأبيض 27/7/1946م
9/ تلغراف من سنجة
* سكرتير الحزب الجمهوري – الخرطوم
إن جميع أعضاء الجبهة الوطنية بسنجة مستبشرون بالإفراج عن رئيس حزبكم العظيم، وهم جميعاً يبتهلون إلى الله أن يسدد خطاكم، ويتمنون للرئيس العافية وحسن الجهاد..
سكرتير عام الجبهة الوطنية
سنجة 2/8/1946م
10/ تلغراف من عطبرة
الخرطوم – رئيس الحزب الجمهوري
نيابة عن أعضاء الحزب بنادي تومي، أهنئكم بسلامة الخروج والموقف الوطني المشرف..
السكرتير
11/ تلغراف من كوستي
* محمود محمد طه أم درمان
عرفنا فيك المثل الأعلى منذ عهد الطلب، فسرنا أن يعرف القاصي والداني هذا القلب الكبير..
صديق الشيخ
كوستي 30/7/1946م
12/ تلغراف من كسلا
محمود محمد طه – أم درمان
أهنئكم ونفسي وأتمنى لكم السعادة..
محمود
13/ تلغراف من عطبرة
محمود محمد طه – أم درمان
ابتهاجي فوق العبارات..
على حسن
15/ تلغراف من عطبرة
أم درمان - محمود محمد طه
لقد سجلت بعزمك القوي وإيمانك الصادق فخرا للأجيال، فلتعش مرفوع الرأس..
لك مني التهاني
الطيب حسن
16/ تلغراف من عطبرة
مكانك في الحياة السجن أو المشنقة، وبينهما أمجاد حققت بالمكاره، وأنت عليها القوي الأمين..
محمد عمر
17/ تلغراف من عطبرة
محمود محمد طه – أم درمان
وبشر الصابرين..
الطيب عباس
18/ تلغراف من الأبيض
محمود محمد طه – امدرمان
أوفيت كرامة السودان وإبائه حقهما، فلتعش رمزاً صادقاً للوطنية الخالصة..
لك تقديرنا وإعجابنا..
اتحاد طلبة كردفان
الأبيض 23/7/1946م
19/ تلغراف من الدويم
شريف أفندي – الزراعة الخرطوم .. لمحمود
نهنئكم جميعا وفقكم الله لصالح البلاد..
عثمان
20/ تلغراف من الدويم
الخرطوم – الزراعة شريف .. لمحمود
أهنئكم بالخروج لتواصل نشاطك الخصب وجهادك الرفيع..
أحمد حامد
21/ تلغراف من عطبرة
محمود محمد طه – أم درمان
أهنئكم ونفسي بالنصر المبين..
فضل
22/ تلغراف من عطبرة
أم درمان - محمود محمد طه
إن بعد العسر يسرا..
حسن رحمي
23/ تلغراف من ود مدني
أم درمان - محمود محمد طه
رأيت عز الجمهوريين، وسررت مع الأهل بخروجك..
التوم حمزة