وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
27/7/1946م
أخي أمين .. تحية
وصلت بخير غير أني متعب جدا، وقد اعتكفت فتحسنت ولله الحمد..
مزارعو الجزيرة عندما علموا أن لديهم من الاحتياطي مبلغ مليون وربع المليون، وقد كان مستورا عنهم، هبوا للمطالبة به هبة واحدة غير مزارعي الحلاوين، وهم قد لحقوا بالركب الآن، بعد أن كان مظنونا بهم التخلف، وعددهم نحو الثلاثة آلاف وعدد المعتصمين 22 ألف، فهم الآن 25 ألف، أي كل مزارعي الجزيرة..
وصلت لجنة الجزيرة من المجلس إياه، فاستقبلت شر استقبال، وعلت الهتافات بخيانتهم، وقد استهدف مكي عباس بأكبر سخط المعتصمين، وقد تحرشوا به ليضربوه فكان ينجو بأن يدافع عنه بعض الناس، ويهدأ الناس من حوله بجهد جهيد.. وقد برز له في مديرية مدني أحدهم فقال له أنا فلان بن فلان من حلة كذا وشياخة فلان ونظارة فلان، فاحفظ ذلك جيدا فإنك ستجد نفسك مقتولا في أي لحظة منذ الآن!!
حكى لي بعض من وفد علينا من الزراع بأن أربعة كانوا راكبين عربة لوري في طريقهم إلى مأتم يعزون صاحبه، فرأوا دورانا قد أصلح، والدوران هو أبو عشرين، ولم يأخذ الماء من الترعة للزراعة، فنزلوا ودفنوه وكان قد أصلحه مزارع بأن أجر له أربعة من العمال..
ولما علم المزارع ما حصل من الجماعة الأربعة شكاهم لمفتش الزراعة، فشكاهم هذا بدوره للإدارة، فأمرت بسجنهم بعد أن سألتهم لماذا يدفنون دورانا أنشأه مزارع يريد أن يرعى مصالحه ومصالح عياله..
فقالوا نحن قد تعاهدنا على الإضراب وعلى أن نقف معا "يحزمنا حبل ويقطعنا سيف" ولا يمكن أن نسمح لخائن أن يخذل الجماعة، ولو أنا قد وجدنا هذا المزارع أو عماله لقتلناهم فوق تلك الجداول..
ولما أدخلوا السجن وعلم بهم أصحابهم، أقبلوا فاقتحموا السجن وأحاطوا به وقد تسلقه البعض وقالوا إن كان هؤلاء الأربعة استحقوا السجن فإنا قد استحققناه جميعنا، ولا موجب لسجنهم وبقاؤنا طلقاء.. وقد اضطرت إدارة السجن لإطلاق سراح الأربعة وهي مستخذية!!
وحدثني نفس الرجل بأن حالة المزارع من البؤس لا يمكن أن توصف، وأنه عندما يذهب للمكتب للصرف لا يجد الملابس المناسبة التي يرضى أن يظهر بها أمام الناس، فيضطر إلى أن يستلف ملابس صديقه أو أن يستلف حتة من كل جهة، ليظهر بمظهر معقول.. وأن بعضهم يقطع الثوب ويلاقيه ويلبس هذا الثوب في المديرية والمحلات الرسمية، وأقسم أن أحدهم ليأكل من ضيق ذات يده في منزل أخيه، ثم يصبح فيبكّر على حواشته ليصلح من شأنها.. وهذا الرجل، نفسه، يستغرب ويستهجن جدا فكرة الترفيه التي تقوم بها الشركة من بناء نوادي لهم واستراحات بالطوب الأحمر، وأماكن عامة.. وقد قال إنهم يسمعون عنها ولا يعرفون عنها شيئا لأنهم ليسوا بحاجة إليها بطبيعة الحال، فإنهم جوعى بحاجة إلى الغذاء، وعراة بحاجة إلى اللباس فمالهم والاستراحات والطوب الأحمر ونوادي الطوب الأحمر، وقد حدثني بأنهم سمعوا عني وعن الحزب الجمهوري كثيرا..
يجتمع اليوم مندوبو المزارعين بمدني، فإن لم يصلوا إلى حل فإنهم سيسافرون إلى الخرطوم في نفس هذا اليوم.. والحل الذي يبغونه هو أن يعطوا 400 ألف جنيه فورا ثم يشرعوا في زراعة القطن، وتعمير الأرض على أن تصرف لهم 200 ألف جنيه في سبتمبر و200 ألف أخرى في ديسمبر، ويبقى باقي المبلغ رصيد والمندوبون كثيرو العدد فإن لكل قرية ممثلين وقد أرسلوا بالأمس الأول تلغرافات للخرطوم ولكل جهة، وللوفد بمصر كلفتهم عشرة جنيهات دفعت بطريقة فدائية جدا فإن كلا من أولئك الذين كانوا قريبين من كاتبي التلغرافات قد أفرغوا حافظات نقودهم حتى اجتمعت العشرة جنيهات في دقيقة واحدة!!
وقد أخذت بعض أسماء المندوبين وهم:
المبارك أحمد دفع الله *** من حلة الطلحة
الطريفي يوسف *** مهلة
أحمد دفع الله *** أبو سنينة
النعيم أحمد *** الوراق
محمد محمد على *** الشايقاب
والخمسة بواسطة ود مدني..
عبد الله قديم ... من حلة الرميتاب بواسطة بركات أو بواسطة عبد الله شقدي مدني – جزيرة الفيل..
فيمكنكم أن تبرقوهم بالتأييد فإن طلبهم عادل، وأنهم واقفون وقفة رجل واحد لا يترددون أبدا، وليس فيهم من يفكر في خذلانهم.. ولأن الظلم والبؤس قد وجد بينهم فلا تجد فيهم مدخلا للضعف والتفرقة..
ومما ذكر عنهم أن جماعة منهم رأوا عمالا يحرثون الأرض فتواثبوا عليهم أمامهم فطاحوا في البقر ضربا بالسيوف حتى عقروها عن آخرها فلم يسألوا عما عملوا!!
إن تأييد موضوع المزارعين أهم عمل تقومون به وهو مستعجل جدا، فأرجو أن يكون موضع اهتمامكم الأول.. وإن حضر هؤلاء المندوبون إلى العاصمة فمن الخير أن تكونوا معهم دائما وأمامهم، وأن تثيروا المسألة بالخطابة في كل مكان، حتى يرجعوا إلى أهلهم وهم لكم عارفون..
سلامي كثيرا
محمود محمد طه