وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
عن جريدة الخبر المصرية الصادرة يوم 26/3/1946م
من مقال للأستاذ خليل قاسم
ورد في المقال: " ولا مزيد عندي عن تلك المؤامرات التي ذكرتموها في جريدتكم، ولكن الذي أريد أن أقرره هو أن الجانب المصري، شأنه في كل قضاياه، كان موقفه موقفا لا يحسد عليه.. فقد النوبيون كل ما يملكونه من أرض ونخيل ومساكن عامي 12 و1932م، فماذا فعلت الحكومات المصرية المتعاقبة لهم؟ لا شيء غير أصوات خافتة كانت تنبعث في البرلمان من حين لآخر.. "..
ثم قال: " وقد كان من المنتظر أن تتدخل الحكومات المصرية في هذا الأمر، ولكن حكومة صدقي باشا سنة 1933م، عفا الله عنها، سنت لنزع ملكيات النوبيين قانونا جائرا، هو قانون رقم 6 وأجرت التعلية الثانية لخزان أسوان، فقررت حكومة صدقي للفدان 8 جنيهات، وللنخلة 50 قرشا.. واستمرت الحكومات في ضلالها فوعدت النوبيين أن تبيعهم الأراضي الصالحة لهم في صعيد مصر تعويضا لهم.. ولكن بعض أثرياء مصر تسارعوا إلى أرمنت وكوم أمبو وأدفو، واشتروا بأبخس الأثمان جميع الأراضي التي كانت قد أعدت للنوبيين!! فاضطر النوبيون لشراء أراضي جرداء في أمكنة أخرى لا وسيلة للري فيها إلى اليوم!! والمضحك أن الحكومات استمرت تجبي الضرائب عن هذه الأراضي مع إنها جرداء لا تزرع!!"..
إلى أن قال " والحكومة المصرية، بل أقصد رأسماليي مصر، ما زالوا يتجاهلون مصالح النوبيين، ففي سنة 1940م بدأت نكبة الملاريا في بلاد النوبة وحصدت أهلها، فلم يحرك أحد ساكنا لمواساة هؤلاء المنكوبين.. ولما انتقلت الملاريا إلى صعيد مصر، إلى شركة كوم أمبو، إلى مشاريع العطواني بأوفو، لما كادت أن تصل إلى قنا ثم أسيوط حيث الإقطاعيات الكبرى، لما انتقلت هذه الملاريا لتأكل المزارعين المصريين المشتغلين في إقطاعيات الأثرياء لتقل الأيدي العاملة فترتفع أجورها وتقل أرباح أصحاب الإقطاعيات، حين ذلك فقط، انتقلت الرحمة من السماء إلى قلوب بعض الناس فراحوا يطوفون القرى لينقذوا منكوبي قنا وأسوان.. استغفر الله، بل لينقذوا شركة كوم أمبو والعطواني!! "..
فليعتبر من ينتفع بالعبر، وليتأمل من أعجلهم التأمل اجترار العواطف النواضب "نيل واحد!!" "شعب واح!!" "دين واحد!!" "لغة واحدة" "تاريخ واحد!!".."..
الحزب الجمهوري
قضية مزارعي الجزيرة (1)
طبقة المزارعين عامة ومزارعو الجزيرة خاصة، هم عتاد البلاد، ودعامة نهضتها، وسند استقلالها، وحريتها، فإن جاز لحكومة استعمارية وشركة أجنبية أن تستغلا طيبة نفوسهم، وجميل صبرهم على مكاره الاستغلال، وقوارص الجوع، وآلام المرضى فلا يجوز لنا أن نتخاذل عن نصرتهم، وعلينا أن نأخذ بأيديهم مهما كلفنا ذلك من مشقة وتعب.. وما ذلك إلا لأن في دفاعنا عن المزارع دفاعا عن القضية العامة، وعناية بمستقبل بلادنا التي لن تجيء تباشير نهضتها على يدي طبقة تتنازعها نوازع الجوع والعري والجهل والفقر والمرض.. ولأن قضية مزارعي الجزيرة قضية عادلة ظاهرة لا غموض فيها..
نحن لا نقول مع القائلين بتحميل المزارعين جزءا من مصروفاتهم، ولا نرى للحكومة في امتناعها عن الدفع لهم ما يبرر موقفها، إلا أننا نقول للمزارعين إن هذا المبلغ لم يستقطع برأيكم وعلمكم ورغبتكم ومشورتكم، ويجب أن يصرف لكم حسب رأيكم ورغبتكم ومشورتكم.. أما إذا كانت الحكومة لا تقر الدكتاتورية في الآراء فليس لها إلا أن تنزل عند حكم العقل والمنطق، والمنطق يقول:
1/ إن المزارعين لم يتفقوا مع الحكومة على الشيء الذي أسمته مال الشدة، ولم يخولوها استقطاعه من حصتهم وعليه، فليس هناك ما يرغمهم على المساهمة فيه وهو حق لهم مغتصب منهم، ويجب أن يرد إليهم..
2/ هذه الأموال تخص مزارعي الجزيرة وحدهم، أما المال العام فهو حصة الحكومة من مشروع الجزيرة..
3/ إن الناس يشكون الضنك والجوع وهل أنسب لعلاج الضنك والجوع مكن مال الشدة!!؟؟
4/ إن المزارعين قد قرروا عدم زراعة القطن ما لم تصرف لهم أموالهم، والحق معهم إذ أنهم لا يستطيعون العمل ببطون خالية وأجسام مريضة عارية!!
أيها السودانيون: قولوا معنا يجب أن تصرف للمزارعين أموالهم، وترفع ظلامتهم، ونحن نعلم رغم البيانات الرسمية أنهم بؤساء يشكون الجوع وأنهم سقماء يشكون المرض..
الحزب الجمهوري
قضية مزارعي الجزيرة (2)
أيها السودانيون:
لقد أوضحنا لكم في منشورنا السابق رأينا في موقف الحكومة الأخير من مزارعي الجزيرة.. وأكدنا لكم ولهم تأييدنا لقضيتهم، ومناصرتنا لهم ووقوفنا بجانبهم أمام ظلم الشركة الزراعية واستغلال الحكومة الاستعمارية..
ما زلنا نقول بأن مال الاحتياطي، حق للمزارعين مغتصب منهم يجب أن يرد إليهم، على أننا لا نعتقد أن مشكلة هذا المال هي أهم ما في قضية هؤلاء المزارعين، فإن لهم قضية كبرى تقوم برهانا قاطعا ودليلا واضحا على فشل الحكم الثنائي، وفداحة الاستغلال الاستعماري.. فمزارع الجزيرة: هذا الرجل الكادح الذي يعمل ليل نهار، ويصطلي بنار الشمس المحرقة طيلة هذه الساعات، من يصدق أنه يمر عليه اليوم من الأيام، ولا يجد فيه الطعام، وتمر أيام بل شهور لا يجد فيها الغطاء والكساء!!
من يصدق أن معيشته منخفضة انخفاضا يذري بكرامة السودان، ويحط بقيمة الإنسان إلى درك الحيوان!؟
هذا المزارع هو الذي يفلح الأرض، ويزرعها، ويسهر عليها، ويرعاها وهو الذي يحصدها عندما تؤتي أكلها و لكنه ويا للأسف، لا يجد من أكلها ما يقيم به أوده و يسد به رمقه.. فغيره: الشركة الزراعية، والحكومة الاستعمارية، والمتاجر البريطانية، هم اللذين ينعمون بثمارها، ويملأون الخزائن من أرباحها.. أما هو فحساباته مغطاة عليه، وأرباحه محدودة بنسبة مئوية ضئيلة لا تتفق ومجهوده الذي يقوم به، ولا تكفي لأدنى ما يتطلبه الإنسان من مأكل و مشرب و ملبس..
هذا المزارع الكادح.. من يصدق أنه مهمل كل الإهمال، في التعليم والصحة وهو أحق الناس بالتعليم وأولى الناس بالعناية الصحية، ولكننا، أيها السودانيون، لا نعرف نوايا الاستعمار ولا نستطيع تقدير ما يرمي إليه من وراء إرهاق هذه الفئة من المزارعين، وإبقائهم على الفقر والجهل والمرض، إلا أن يكون الفقر والجهل والمرض هم جنود الاستعمار الذين يريد أن يثبت بهم أقدامه في هذه البلاد، ويحملنا بسطوتها على الذل والاستعباد..
أيها السودانيون: إن حكومة ترتكب هذه المآسي القاسية، وتقدم على مثل هذه الأعمال المنكرة نحو من تسميهم رعاياها، يجب أن تقوض دعائمها وتهد أركانها..
إن حكومة كهذه يجب أن تزول، وهذه المهزلة الاستعمارية الكبرى يجب أن تنتهي..
المزارع يجب أن يطلع على حسابات هذه الشركة الاستعمارية لأنها حساباته هو أيضا، ويجب أن تبنى له الحكومة المدارس والمصحات من هذه الضرائب التي تجمعها منا، ومنه على حسابه الخاص، من مال الاحتياطي الذي اغتصبته منه اغتصابا.. ويجب أن تكون للمزارعين نقابة تجمعهم وتوحد صفوفهم، وتدافع عن حقوقهم وتراجع حسابات هذه الشركة وتضع حدا لهذه الألاعيب الاستعمارية الشنيعة..
أيها السودانيون: إننا نهيب بكم أن تناصروا مزارعي الجزيرة فتنصروهم على أعداء الله والوطن والإنسانية..
أيها المزارعون: وحدوا كلمتكم، واعرفوا حقكم، ولا تتنازعوا على مطالبكم، فإننا معكم و الله معنا، ولن يتبر أعمالنا، وسينصرنا على القوم الكافرين ..
أمين محمد صديق
الحزب الجمهوري