لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

تنظيمات الهوس الديني
ونموذج الأخوان المسلمين (١)

د. أحمد المصطفى دالي


انعدام المذهبية والمرجعية الأخلاقية


ولقد قلنا فيما مضى، ونقول اليوم، أن ليس لتنظيم الأخوان المسلمين، ولا لهذه التنظيمات المتسمية باسم الدين، المتفرعة منه، فكرة مبوبة ومحددة عن بعث الإسلام، فهم لا يطرحون فكرة مفصله تعالج قضايا النفس البشرية المركبة والمعقدة، وقضايا الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وإنما هم دعوات جوفاء فارغة من أي محتوى ظلت تردد الشعارات مثل "الإسلام هو الحل" و"نحكم التنزيل" و"هي لله لا للسلطة ولا للجاه" كما أسلفنا..
وفيما يخص تنظيم الأخوان المسلمين، التنظيم الأم لهذه التفريعات، قال هنداوي دوير، أحد قادة تنظيم الأخوان المسلمين المصري، متحدثا عن مؤسس حركة الأخوان المسلمين في مصر، حسن البنا، ما يلي:
"فكان رأيه أن محاولة صياغة رأي الأخوان في القضايا التفصيلية، وكيفية تطبيق الشريعة الإسلامية على حياة المجتمع المعاصر هي محاولة، ضررها أكثر من نفعها، فلذا كانت صياغة مثل هذه قادرة على مواجهة الخصوم السياسيين الذين أخذوا على الأخوان دائما أنهم يطرحون شعارات عامة ولا يقدمون حلولا تفصيلية للمشاكل، فإنها تفتح الباب في نفس الوقت لشقاق كبير بين المسلمين أنفسهم لتعدّد المذاهب والاجتهادات" ((الأخوان المسلمون)) لريتشارد ب متشيل.
كما عبر سيد قطب، أشهر منظري حركة الأخوان المسلمين، عن هذا الفراغ بعبارته التالية:
"إن الجاهلية التي حولنا، كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية فتجعلهم يتعجلون خطوات المنهج الإسلامي، هي كذلك تتعمد أحياناً أن تحرجهم. فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ودراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة! كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية والبحوث الفقهية الأسلامية. وكأنما هم مستسلمون لحاكمية الله راضون بأن تحكمهم شريعته، ولكنهم لا يجدون من (المجتهدين) فقها مقنعا بالطريقة الحديثة!.. وهي سخرية هازلة يجب أن يرتفع عليها كل ذي قلب يحس لهذا الدين بحرمة" (معالم في الطريق) صفحة 58 – طبعة دار دمشق..
ولقد جاء هذا المعنى أيضا على لسان الدكتور بهاء الدين حنفي أحد قادة الأخوان المسلمين المعاصرين ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية في السودان، سابقا، في حوار أجراه معه مالك طه ونشر في جريدة الرأي العام بتاريخ 17 يوليو 2011 و24 يوليو 2011. قال دكتور بهاء الدين: "أفتكر أن الترابي رفع شعارات إسلامية كثيرة براقة، الا أنه لم يقدم أفعالاً حقيقية ملموسة تنعكس في برامج ومشاريع. الكل يعرف أني أفنيت جزءاً كبيراً من شبابي في البحث والتنقيب عن آراء وأفكار وخطب وكتابات الدكتور الترابي" وأردف قائلا "ولا أرى بصراحة شديدة جداً، فروقات جوهرية بيننا والأحزاب الأخرى. يمكن نحن أقوى وهم الأضعف من ناحية تنظيمية وادارية". وواصل دكتور بهاء الدين قائلا: "أيه الفرق بين المؤتمر الوطني، والاتحادي الديمقراطي، والمؤتمر الشعبي وأذهب أكثر من ذلك وأقول حتى الحزب الشيوعي؟ (أنا ما شايف فرق)". وخلاصة أقوال دكتور بهاء الدين حنفي في نظري أنها كلها أحزاب بلا مذهبية.
على خلفية هذا الفراغ المذهبي وهذه الدعوة الجوفاء كما جاء على لسان العديد من قادتها ومنظريها قامت حركة الأخوان المسلمين في السودان بانقلابها العسكري في يونيو 1989. جاءت حركة الأخوان المسلمين للحكم، وهي قد كانت قبل الانقلاب ممثلة داخل البرلمان بثالث أكبر كتلة من النواب، لتقضي على النظام الديمقراطي وتحل البرلمان المنتخب وتعيث في الأرض فسادا.