وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
بعد أن شعر الأستاذ بأن فراغ الحماس قد تم ملأه ذهب لملء فراغ الفكر فأصدر السفر الأول وقل هذه سبيلي والمنشور باللغة الإنجليزية أسمعه يقول عام ١٩٥١ لتلميذه الأكبر الأستاذ سعيد (ثم نظرت موضوع الدعوة إلى الإسلام، فإذا أنا لا أعرف عنها بعض ما أحب أن أعرف.. فإن قولك: (الإسلام) كلمة جامعة، قد أسيء فهم مدلولها الحقيقي، لأن الناس قد ألفوا، منذ زمن بعيد، أن تنصرف أذهانهم، عند سماعها، إلى ما عليه الأمم الإسلامية اليوم من تأخر منكر.. وما علموا أن المسلمين اليوم ليسوا على شيء. فأنت، إذا أردت أن تدعو إلى الإسلام، فإن عليك لأن ترده إلى المعين المصفى الذي منه استقى محمد، و أبوبكر، وعمر.. وإلا فإن الدعوة جعجعة لا طائل تحتها.. ولم تطب نفسي بأن أجعجع
وبينما أنا في حيرة من أمري إذ قيض الله (مسألة فتاة رفاعة)، تلك المسألة التي سجنت فيها عامين إثنين، ولقد شعرت، حين استقر بي المقام في السجن، أني قد جئت على قدر من ربي، فخلوت إليه ثم لم ألبث، وأنا في طريقي إلى رفاعة، أن أحسست بأن على لأن أعتكف مدة أخرى، لاستيفاء ما قد بدأ.. وكذلك فعلت... ثم خرج الأستاذ من اعتكافه وقد تبلورت لديه تفاصيل الفكرة الجمهورية، فعرضها على الناس، وهي الفكرة التي نعرف جزء من تفاصيلها. الشاهد في الامر ان الجمهوريين ظلوا منذ عهد الاستعمار، وفي مختلف عهود الحكم الوطني، ذوي رؤية واضحة، وأصحاب مذهبية ثابتة، تدور حولها حركتهم، وتنبثق منها مواقفهم.. وتلك هي المذهبية الاسلامية التي قوامها الحرية الفردية المطلقة، والعدالة الاجتماعية الشاملة.
فهذه المحطة رسالةٌ للناس، أو دعوةٌ تقول لهم: إذا كان الإنسان صاحبَ فكرة، ويريد أن يدعوَ لها الناس، فيجب أولًا أن يبدأ بنفسه؛ فإذا استجابت له نفسه، أمكنه بعد ذلك دعوةُ الآخرين. وكذلك في مجال الحكم، فإن الحكم بلا مذهبيةٍ واضحة ضربٌ من العمى السياسي، وإن ما نشهده من تخبّطٍ وفوضى منذ الاستقلال إنما هو ثمرةٌ مباشرة لغياب الرؤية والمذهب.