وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
في عام 1955 صدر كتاب «أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية». ويقتضي تناول هذه المحطة النظر إليها من زاويتين
أولًا: الزاوية الأولى تتمثّل في فشل جميع حكوماتنا الوطنية في صياغة دستورٍ دائمٍ للسودان، دستورٍ بالمعنى الحقيقي للكلمة. فبعد الاستقلال حُكم السودان بدستور 1956 المؤقت، وهو في الأصل قانون الحكم الذاتي لعام 1953 عُدِّل ليناسب الحكم الوطني، ولم يصمد أكثر من عامين بسبب الصراع على السلطة بين الحزبين الكبيرين، وهو صراع كاد أن يهدد وحدة البلاد، فكان انقلاب عبود وتعليق الدستور
وقبل ذلك شُكِّلت لجنة قومية لوضع الدستور الدائم، ضمّت 46 عضوًا، كان من بينهم الأستاذ محمود، الذي تقدّم باقتراح يقضي باستقلال لجنة الدستور استقلالًا تامًا عن الحكومة، لكن الاقتراح رُفض، فأعلن انسحابه وبيّن في خطابٍ منشور أن اللجنة فقدت طابعها القومي وتحولت إلى أداة حكومية..
وبعد ثورة أكتوبر صدر دستور 1964 المؤقت، ثم توالت التعديلات الدستورية التي عكست الصراع الحزبي، بما في ذلك حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه، ثم محاولات لاحقة لتمديد عمر الجمعية التأسيسية وصياغة دستور إسلامي، وكلها انتهت إلى الفشل، مما يؤكد أن أزمة الدستور في السودان كانت – ولا تزال – أزمة رؤية ومذهب قبل أن تكون أزمة نصوص باستثناء ما عُرف بالدستور الدائم لسنة 1973، الذي صدر في عهد مايو، وهو — في تقديرنا — لا يُعد دستورًا بالمعنى الحقيقي، لأنه صدر عن حكومة عسكرية، ومعلوم أن الدستور من لوازم الحكم الديمقراطي، ولا يستقيم وجوده خارج إرادةٍ شعبيةٍ حرّة، لم يوفق السودان في وضع دستور دائم. ومع ذلك، لم يُعطِ السياسيون أي اعتبار لدستور السودان الدائم الذي أصدره الأستاذ محمود محمد طه، رغم أنه قدّم الأسس الفكرية والقانونية التي كان يمكن أن تقوم عليها صياغة دستورٍ حديث؛ إذ بدأ من الواقع السوداني كما هو، آخذًا في الاعتبار ظروف الزمان والمكان، ثم رسم الطريق نحو الغاية التي يتطلع إليها السودانيون. ولقد أكد على ضرورة العناية بالوحدة القومية بقوله (نرمي بذلك إلى خلق سودان يؤمن بذاتية متميزة ومصير واحد وذلك بإزالة الفوارق الوضعية من اجتماعية وسياسية، وربط أجزاء القطر شماله وجنوبه وشرقه وغربه حتى يصبح كتلة سياسية متحدة الأغراض متحدة المنافع متحدة الإحساس).
أمّا الزاويةُ الثانية، فهي أنّ ذلك الطرح قدّم الحكمَ الفيدرالي بوصفه نظامًا للحكم، وهو أمرٌ كان مُنكرًا أشدَّ الإنكار في ذلك الوقت، حتى إنّ بعضهم كان يصفه بأنّه ذريعةٌ استعمارية لتفتيت وحدة السودان، كما قال منصور خالد.
غير أنّه ما لبث أن أصبح موضعَ قبولٍ واسع، بوصفه النظامَ الأمثل لإدارة بلدٍ شاسعٍ مترامي الأطراف، متعدّدِ الثقافات والإثنيات مثل السودان. وهذا ما حدا بالسيد أتيم قرنق إلى القول إنّ الأستاذ محمود قد نادى باحترام التنوّع الإثني والديني وحُسن إدارته قبل أن تنادي بذلك الحركةُ الشعبية لتحرير السودان.
كما جاء على لسان الدكتور منصور خالد: «إنّ ما طرحه الأستاذ محمود في كتابه أسس دستور السودان، الذي نُشر عام 1955، قامت على جوهره اتفاقيةُ أديس أبابا عام 1972، ولم تخرج اتفاقيةُ السلام الشامل (2005) من روحه، وقد جاءت بعد نصف قرن من الزمان.»