((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




السفر الأول

أراء ومواقف الحزب الجمهوري

هذا هو إيمان الحزب الجمهوري بالشرق ، وبالسودان ، وذلك هو رأيه في المدنية الغربية ، وعلى هذا الإيمان ، وذلك الرأي ، اتخذ الحزب طريقه على النحو الآتي :

أ- المسألة السياسية :


أما هذه فالمبدأ فيها الجلاء التام .. والوسيلة الحكومة الجمهورية الديمقراطية .. والغاية إسعاد الفرد بإشاعة فرص الكسب حتى يعيش في مستوى يليق بكرامة الإنسان ، وبضمان الجو الحر الذي يساعد علي إظهار المواهب الكمينة في صدره ، ورأسه ، وقد جاء بياننا في الصحف كافياً عن إطالة الكلام في هذا .. ولكننا نريد أن نذكر هنا أن عتادنا في هذه المسألة هو الشعب السوداني الموحد المستنير .. ولخلق هذا فإن علينا أن نبث فيه روح الإعزاز ، وأن نوقظه ، وأن نثيره ، وأن نكتبه ، وأن نجمعه حولنا ـ وأن علينا أن نبعث في الأمة حياة نابضة ، شاعرة ، واصلة ، إلي جانب حياة كل فرد ، وكل طائفة ، وكل مجموعة ، حتى تضطرب الأمة في ميادين التجارة ، ومعامل الصناعة ، وحقول الزراعة ، ودورالعلم ، ومحافل السياسة ، وهى شاعرة بحياتها ، مأخوذة بروح مشبوب إلي الكمال ، موكل باقتحام السدود المضروبة دون الحرية والاستقلال .. فإن الأمة التي لا يعتلج صدرها بدواعي القلق ، ودوافع الحياة ، ليست خليقة بأن تعز ، ولا بأن تعلو ، بل هي لا يمكن أن تعز وأن تعلو ، فقد قضى ربك ألا تكون الحرية شيئاً مسفاً يناله المستلقي على هينته ، والجالس ـ ولو قد كانت ، لما طويت عن أخ الخنع اليراع.
والحزب الجمهوري هذا لن يتقاضانا أكثر من أن نؤمن بحقنا في الحياة الحرة الكريمة .. ولا أكثر من أن نستيقن من أنه من ألزم واجباتنا أن نهيء لأخلافنا حياة ترتفع عن حياة السوائم والأنعام فإن هذه الحياة التي نحياها نحن اليوم ـ هذه الحياة التي تستغرق مطالب المعدات والأجساد كل جهادها ، وكل كدها ، لهي حياة لا يغبط عليها حي حياً .. فإن نحن رضيناها لأخلافنا من بعدنا إنا إذن لخاسرون .. لن يطلب إلينا الحزب الجمهوري أكثر من هذا الإيمان ، ولا أكثر من ألا نجعل في حسابنا موضع إهاب للهمم الفواتر التي رمتها نوازع الشكوك ، واعتركت على مقعد يقينها غوائل الظنون ، وشعبتها مصارف الريب .. فإن تلك الهمم لهي بئس العتاد إذا احلولكت بهمة الظلام ، واستبهم طريق اليقين ، والتبست مسالك النجاة ..

ب ـ المسألة الاقتصادية :


كل الموارد الاقتصادية ستلقى عناية تامة ، والمورد البشري بوجه خاص .. فإنا أفقر إليه منا إلى أي شئ آخر عداه .. فإن عدد السكان يجب أن يزيد .. وصحة الفرد يجب أن تتحسن .. وذلك يقتضي العناية بغذاء الأطفال ، وسكنهم ، وتعليمهم في الهواء الطلق ، وتحبيب الرياضة البدنية إلى نفوسهم ، وبذلك يستطيع السودان أن يقوم على سند من شباب قوي الأسر ، قوي الأخلاق ، قوي العزم على القيام بمناصرة الحق ، في ثقة ، وثبات ، حتى لكأنه الطود الأشم .. أو لكأنه العيلم المسجور ـ والمكان الأول من هذه العناية سينصرف لمواطنينا سكان الجنوب الذين قضت عليهم مدنية القرن العشرين أن يعيشوا حفاة ، عراة ، جياعاً ، مراضاً ، جهلة بمعزل عنا .. فهؤلاء يجب أن نسلكهم فينا ، وأن نخلطهم بنا .. ويجب أن نستغل الأراضي النضرة الخصبة التي يقومون فيها ، ويجوسون خلالها كأنهم الظلال . ويجب أن نريهم كيف يستغلونها ليحيوا حياة الأناس .
إن الإنسان لا يمكن أن يحب بلاده ، وأن يفخر بها ، وأن يستقتل في سبيل الدفاع عنها ، وعن حريتها ، إذا كان إنما يحيا فيها بائساً ، جائعاً ، محروماً .. وإن الإنسان لا يمكن أن يصح رأيه في نفسه ، وأن يحترمها ، وأن يربأ بها عن مواقف الذل والهوان ، إلا إذا كان يشعر بأنه يحسن عملاً شريفاً يكسب منه قوتاً شريفاً .. وكذلك سيولي الحزب الصناعة المحلية ، والمقدرة الفردية ، عناية خاصة .. سيعنى الحزب بالصناعات التي تنتظم الإنتاج الزراعي ..

ج ـ مسألة التعليم :


يطمع الحزب الجمهوري بأن يسير بالحياة على هدى الدين الحنيف .. ويطمع في أن يرد الحياة إلى ما كانت عليه أيام عمر ـ عمر العظيم .. أيام كان فيها الناس آدميين كآدم ـ أيام كان الناس يخافون الله ولا يخافون شيئاً عداه ـ أيام كانوا ينشدون العزة ، فيطلبونها عند الله ، ويعلمون ان العزة لله جميعاً ـ نعم يطمع الحزب الجمهوري في أن يرد الحياة إلى ما كانت عليه في تلك الأيام الغر ، وسبيل الحزب الجمهوري إلى ذلك هو التعليم على أسلوب غير هذا الأسلوب المضلل الذي نسير عليه اليوم ..
فالتعليم لدى هذا الحزب إن هو إلا إعداد للرجل ليحيا حياة نافعة في مجموعة الرجال الذين سيعيش بينهم .. وإعداد للمرأة لتحيا حياة نافعة في مجموعة النساء اللائي ستعيش بينهن .. فهو إذاً تنمية للمواهب الطبيعية ، وحفز على استخدامها بطريقة تكفل للفرد السعادة ، وتعود على الجماعة التي يعيش فيها بأبر الخدمات .. وستشمل برامج التعليم الرياضة البدنية في الهواء الطلق ، وقواعد الصحة العامة .. وسنرمي بمزاولة الأعمال اليدوية إلى تحبيب العمل الشاق إلى نفوس النشء ، وإلى تثقيف اليد والعين .. وسيعمد إلى تحبيب الأرياف إلى النشء بتحبيب الطبيعة ، وبدرس حياة النبات ، والطيور والزهور ، وسنقصد إلى غرس أصول الأخلاق كالثقة بالنفس ، والصبر ، والمثابرة ، وقوة الابتكار ، والكلف بالدفاع عن الحق ، والتأذي من رؤية الظلم والفساد ـ وما يرى الحزب الجمهوري أن يكون هناك تعليم ديني ، وتعليم مدني ، كل في منطقة منعزلة عن الأخرى .. ولا يرى أن يكون للرجل أخلاق في المصلى ، وأخرى غيرها في الحانوت ، أو الشوارع ، وإنما يرى أن يتعلم كل الناس أمور دينهم ، وأمور معاشهم ، ثم يضطربون في ميدان الحياة بأجسام خفيفة ، وأرواح قوية ، وقلوب ترجو لله وقاراً ..
إن التعليم يجب أن يبدد السخافات التي رانت على جوهر الدين ، وأن يذهب القشور التي حجبت المعين ، وأن يرد بالشعب المناهل التي شرب منها عمر ، وأصحاب عمر ..

د ـ مسألة المرأة :


وهى مسألة تنذر بسود العواقب ، وتهدد بتدهور أخلاقي ما له من قرار .. وسيولي هذا الحزب هذه المسألة عناية ما عليها من مزيد .. وسنرى !! وأما عن تعليم المرأة عندنا فيرى الحزب أن سيره على هدى الغرب فاشل فشلا ذريعا .. فهم قد حاولوا أن يسيروا بها فى مراحل الرجل ، فلم يفلحوا إلا في جعلها شيئا لا هو بالرجل ، ولا هو بالمرأة . وإذا كان التعليم هو ، كما أسلفنا ، تنمية المواهب الطبيعية ، والحفز علي استعمالها بطريقة تكفل للفرد السعادة ، وتعود علي الجماعة التي يعيش فيها بأبر الخدمات ، كان من المحقق أن تعلم المرأة تعليما هو بسبيل من هذا ـ تعليما يسلكها في ميدانها الخاص ، لا في ميدان الرجل .. هذا من ناحية التعليم في التوفر علي أسباب المعاش .. وأما التعليم الديني فهو يخاطب المرأة ، كما يخاطب الرجل ، ويطلب من كليهما حسن السيرة ، وقوة الخلق ..
هذه هي أصول أهم الشعاب التي سينساب فيها نشاط الحزب الجمهوري ، منذ اليوم .. ولدى الحزب جمعيات اختصاص بكل مسألة من هذه المسائل تتوفر علي الدرس ، والاستقصاء ، والفهم المستقيم ، والتوجيه الصحيح ، والعمل النافع .. وإن علي التفكير الدقيق ، والفهم المستقيم ، ليتوقف كل النجاح ..
ورائد الحزب الجمهوري في اعتساف هذا الطريق هو الإيمان ـ الإيمان القوي الذي لا يتطرق إليه الوهن ، بالله ، وبأن الإسلام هو طريق النجاة للعالم أجمع ، وبأن الشعب السوداني يملك أكثر من غيره ، أسباب الرشد ، وأسباب الإنابة .. وشعار الحزب الجمهوري قول الذين قال عنهم الله تعالى :- "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم إيماناً ، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"
حسبنا الله ونعم الوكيل