((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




السفر الأول

السفر الأول

بسم الله الرحمن الرحيم
((الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ، فأخشوهم ، فزادهم إيماناٌ ، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل))


حسبنا الله ونعم الوكيل..
"أ ما بعد ـ فعندما قيض الله للبلاد فكرة المؤتمر إستجابت لها ، و إلتفت حولها ، فخرح المؤتمر مرعياٌ مرموقٌاٌ .. و إنخرط الخريجون بزمامه في حماس باد ، و أمل عريض .. فدعا إلي إصلاحات جمة ، فأصاب كثيراً من النجاح ، ووفق ، بوجه خاص ، في يوم التعليم .. فقد جمع الأموال ، وأفتتح المدارس في شتي أنحاء القطر ، أو ، إن أردت الدقة ، إنه ساعد العاملين من أبناء مدن القطر علي إنشاء المدارس الوسطى التي أرادوها ، وقد كان ، كلما أنشأ مدرسة ، أو ساعد علي إنشاء مدرسة ، تخلى عنها لمصلحة المعارف تسيرها وفق مناهجها ، وأولاها ظهره ، وتطلع إلي غيرها .. فقد جعل وكده إنشاء المدارس ، ولاشيء بعد ذلك ـ ثم أن المؤتمر كان له رأى ونشاط في الميدان الإقتصادى وفي إصلاح القرية ، و إصلاح الفرد ، و محاربة الأمية ، وتحسين الصحة العامة ، إلي آخر ما إلي ذلك .. مما جعل المؤتمر مرجواً ـ ثم ولدت الحركة السياسية في المؤتمر ، و ذلك يوم بعث بمذكرة للحكومة يطالب فيها إلى جانب حقوق أخرى بحق تقريرالمصير .. و قد أحاط المؤتمر هذه المذكرة بتكتم رصين ، عاشت فيه ، حتى اللجان الفرعية ، في ظلام دامس .. ثم أخذ يتداول مع الحكومة الردود بهذا الشأن بدون أن يعني بأن يقول للجان الفرعية ، بله الشعب ، كيف يريد أن يكون هذا المصير الذي يطلب أن يمنح حق تقريره .. ثم إنقضت فترة ، و مشت في المؤتمر روح شعبت أتباعه ، شيعاً ، على أساس الصداقات ، و تجانس الميول ، بادئ الرأي ، ثم إتخذ كل فريق إسماً سياسياً ، و جلس يبحث مبادئه ، و دساتيره .. فمنهم من يريد للبلاد إندماجاً مع مصر ، و منهم من يريد لها إتحاداً ، ومنهم من يريد لها شيئاً لا هو بهذا ، و لا هو بذاك ، و إنما هو يختلف عنها إختلافاً ، هو على أقل تقدير ، في أخلاد أصحابه ، كاف ليجعل لهم لوناً يميزهم عن هؤلاء ، و أولئك .. أنبثت هذه الأحزاب ، و تعددت ، و إختلفت ، فيما يوجب الإختلاف ، و فيما لا يوجب الإختلاف .. و لكنها كلها متفقة على الإحتراب على كراسي المؤتمر ، و على الإستمرار في حرب المذكرات هذه ، مع الحكومة .. و إن الحال لكذلك ، و إذا بالخبر يتناقل بقرب مولد حزب جديد . ثم ولد حزب الأمة بالغاً ، مكتملاً .. و جاء بمبادئ يغاير المعروف منها مبادئ الأحزاب الأخرى مغايرة تامة ، و يكشف المجهول منها غموض يثير الريب .. و المؤتمر في دورته هذه بيد الأشقاء ، و هم قد كان مبدؤهم الإندماج ، أول أمرهم ، و لكنهم ، عندما قدموا مذكرتهم للحكومة ـ حسب العادة المتبعة ـ ظهر أنهم إعتدلوا ، و جنحوا إلى الإتحاد ، و لكن الحكومة ردت عليهم رداً لا يسر صديقاً .. فعكفوا عليه يتدارسونه حسب العادة أيضاً ، و لكن هذه مساعي التوفيق تسعى ، بين الأحزاب ، لتتحد ، و تقدم مذكرة جديدة للحكومة .. فكانت مساومات ، و كانت ترضيات .. بين من يريدون الإنجليز ، و بين من يريدون المصريين ، و ظهرت الوثيقة ـ هكذا أسموها هذه المرة ـ الوثيقة التي تنص على حكومة ديمقراطية حرة ، في إتحاد مع مصر ، و تحالف مع بريطانيا 1 ..
هذه صورة سريعة جداً ، مقتضبة جداً ، لنشاط المؤتمر في السياسة ، و في الإصلاح .. ولسائل أن يسأل لماذا لم يسر المؤتمر في التعليم الأهلي على هدى سياسة تعليمية موضوعة ، منظور فيها إلى حاجة البلاد كلها، في المستقبل القريب ، و البعيد ؟ و لماذا لم يعن المؤتمر بمناهج الدراسة كما عنى بإنشاء المدارس؟ و له أن يسأل لماذا ، عندما ولدت الحركة السياسية في المؤتمر ، إتجهت إلى الحكومة تقدم لها المذكرات تلو المذكرات و لم تتجه إلى الشعب ، تجمعه ، و تنيره ، و تثيره لقضيته ؟؟ و لماذا قامت عندنا الأحزاب أولاً ، ثم جاءت مبادؤها أخيراً ؟؟ و لماذا جاءت هذه المبادئ ، حين جاءت مختلفة في الوسائل مختلفة في الغايات ؟؟ و لماذا يحدث تحور ، و تطور ، في مبادئ بعض هذه الأحزاب ، بكل هذه السرعة ؟ ثم لماذا تقبل هذه الأحزاب المساومة ، في مبادئها ، مساومة جعلت أمراً كالوثيقة عملاً محتملاً ، و قد وقع وإستبشر به بعض الناس ؟

نعم لسائل أن يسأل عن منشأ كل هذا ـ والجواب قريب: هو إنعدام الذهن الحر ، المفكر ، تفكيراً دقيقاً ، في كل هذه الأمور ، فلو كان المؤتمر موجهاً توجيهاً فاهماً لعلم أن ترك العناية بنوع التعليم خطأ موبق ، لا يدانيه إلا ترك العناية بالتعليم نفسه .. و لأيقن أن سياسة (سر كما تشاء) هذه المتبعة في التعليم الأهلي سيكون لها سود العواقب في مستقبل هذه البلاد . فإن نوع التعليم الذي نراه اليوم لن يفلح إلا في خلق البطالة ، و تنفير النشء من الأرياف ، و تحقير العمل الشاق في نفوسهم .. و إنعدام الذهن المفكر تفكيراً حراً دقيقاً هو الذي طوع للمؤتمر يوم ولدت فيه الحركة السياسية ـ وهي قد ولدت ميته ـ أن يعتقد أن كتابة مذكرة للحكومة تكفي لكسب الحرية ، حتى لكأن الحرية بضاعة تطلب من الخارج ، و يعلن بها الزبائن بعد وصولها ، حتى تكون مفاجأة ، و دهشة .. و لو أن جميع الأحزاب القائمة الآن إستطاعت أن تفكر تفكيراً دقيقاً لأقلعت عن هذه الألاعيب الصبيانية التي جعلت الجهاد في سبيل الحرية ضرباً من العبث المزري..

و آية العجز عن التفكير الدقيق عند قوم أن تراهم يخلطون تخليطاً مشيناً بين الوسائل و الغايات ، أو بين الوسائل التي تفضي عن قريب إلى الغاية ، و الوسائل البعيدة الإفضاء ـ فتراهم ينفقون جهداً جهيداً فيما لا يستحق أن يعنى الرجل الرشيد طرفة عين ـ و قديماً طوع العجز عن التمييز بين الوسائل و الغايات لبعضهم أن يقول (الغاية تبرر الوسيلة) و هو قول خطأ من أصله .. فإن الغاية لا تبرر الوسيلة ، و إنما تعينها ، أو تعين حظها من مراقي الرفعة .. فالغايات الرفيعة ، كالحرية مثلاً ، لا يمكن أن يتوسل إلى منازلها بغير وسائل التضحية ، و وسائل النبل ، و وسائل القصد الصريح ـ ذلك بأن الوسائل بسبيل من الغابات .. و هي ، في سبحاتها العليا ، تلتقي بها ، و تتواشج معها ، حتى لقد يصبح التمييز بينهما رياضة تستعصي حتى على فحول العقول ـ و المقدرة على التمييز الدقيق بين الوسائل و الغايات هي أول ، و ألزم ما يجب أن تتحلى به العقول التي تتصدى لتوجيه مصيرنا ، نحن ، لأنا ضعفاء ، ننشد القوة ، فما نقوى على إنفاق الجهد في غير غناء ، و لأنا قلال ، نبغي الكثرة فما نطيق أن نذهب شيعاً ، وأهواء !!
نحن اليوم بسبيل حركة وطنية تسير بالبلاد في شحوب أصيل حياة العالم هذه المدبرة ، إلى فجر حياة جديد ، على هدى من الدين الإسلامي ، و برشد من الفحولة العربية ، و بسبب من التكوين الشرقي .. و لسنا ندعو ، أول ما ندعو ، إلى شئ ، أكثر و لا أقل ، من إعمال الفكر الحر فيما نأتي ، و ماندع من أمورنا ـ الفكر الحر الذي يضيق بكل قيد ، و يسأل عن قيمة كل شئ ، و في قيمة كل شئ .. فليس شئ عنده بمفلت عن البحث ، وليس شئ عنده بمفلت عن التشكيك .. فلا يظنن أحد أن النهضة الدينية ممكنة بغير الفكر الحر .. و لا يظنن أحد أن النهضة الإقتصادية ممكنة بغير الفكر الحر .. و لا يظنن أحد أن الحياة نفسها يمكن أن تكون منتجة ممتعة بغير الفكر الحر .
إن الحزب الجمهوري لا يسعى إلى الإستقلال كغاية في ذاته ، و إنما يطلبه لأنه وسيلة إلى الحرية .. و هي التي ستكفل للفرد الجو الحر الذي يساعده عل إظهار المواهب الكمينة في صدره و راسه . و يؤمن الحزب الجمهوري ، إيماناً لا حد له ، بالسودان .. و يعتقد أنه سيصبح من الروافد التي تضيف إلى ذخر الإنسانية ألواناً شهية من غذاء الروح ، و غذاء الفكر ، إذا آمن به أبناؤه ، فلم يضيعوا خصائصه الأصيلة ، و مقوماته ، بالإهطاع نحو الغرب ، و نحو المدنية الغربية ، في غير روية ، و لا تفكير .. و رأي هذا الحزب في المدنية الغربية ، هو أنها محاولة إنسانية نحو الكمال .. و هي ككل عمل إنساني خطير ، مزاج بين الهدى و الضلال .. و هي لهذا ، جمة الخير ، جمة الشر .. و شرها أكبر من خيرها .. و هي كذلك بوجه خاص على الشرقي الذي يصرفه بهرجها ، و بريقها ، و زيفها ، عن مجال الخير فيها ، و مظان الرشد منها .. ويرى هذا الحزب : أننا ما ينبغي أن نتقي هذه المدنية ، بكل سبيل ، كما يريد المتزمتون من أبناء الشرق .. و لا ينبغي أن نروج لها ، بكل سبيل ، و نعتنقها ، كما يريد بعض المفتونين ، المتطرفين ، من أبناء الشرق .. و إنما ينبغي أن نتدبرها ، و أن ندرسها ، وأن نتمثل الصالح منها .. هذه المدنية تضل و تخطئ ، من حيث تنعدم فيها معايير القيم ، وتنحط فيها إعتبارات الأفكار المجردة .. فليس شئ لديها ببالغ فتيلاً إذا لم يكن ذا نفع مادي ، يخضع لنظام العدد ، والرصد .. فهي مدنية مادية ، صناعية ، آلية ، وقد أعلنت إفلاسها ، وعجزها ، عن إسعاد الإنسان ، لأنها كفرت بالله ، و بالإنسان .. و يعتقد الحزب الجمهوري أن الشرق ، عامة ، و السودان ، خاصة ، يمكنهما أن يضيفا عنصراً إلى المدنية الغربية هي في أمس الحاجة إليه ، و ذلك هو العنصر الروحي .

_____

1. ثم كانت بعد ذلك الاتفاقات على قيام الوفد السوداني الى مصر على اساس وثيقة الاحزاب..و رجوع اعضاء حزب الامة منه، و نداؤه بوحدة وادي النيل!