ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب الثالث: القرآن والتسيير - التسيير ما هو؟


القرآن والتسيير


(( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا )) ومن الظالمين من يعتمد على العقل ، في فهم حقائق الدين ، كل الاعتماد .
والقرآن قد جعل وكده تركيز فهم التسيير في العقول ، بالطائفة المستفيضة من آياته ، فإذا استقرت مدركات العقول في طـوايا الصدور ، ظهـر أن ليـس في القـرآن حـرف لا يـدعو إلى وحدة الفاعل .. فوحدة الفاعل هي أصل التوحيد ، وقاعدته ، وبتجويد وحدة الفاعل تتبع كل مستويات التوحيد الأخرى . وأمر التسيير هو وحدة الفاعل هذه . فلنستمع إلى طائفة من هذه الآيات (( هو الذي يسيركم في البر ، والبحر ، حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ، وفرحوا بها ، جاءتها ريح عاصف ، وجاءهم الموج من كل مكان ، وظنوا أنهم أحيط بهم ، دعوا الله ، مخلصين له الدين ، لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ، يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ، متاع الحياة الدنيا ، ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون . ))
هذا أوضح كلام في التسيير الإلهي للناس ، وقد أشار إشارة لطيفة إلى علة الغفلة ، وهي سعة الحيلة ، فإننا إذا احتلنا في أمورنا ، ونجعت حيلتنا في حل مشاكلنا ، مد لنا هذا النجاح في أسباب الغفلة ، فتوهمنا أنا أصحاب إرادة مختارة . والحيلة في البر أوسع منها في البحر ، ولذلك قال (( هو الذي يسيركم في البر ، والبحر )) ثم ذهب يفصل أهوال البحر التي تظهر أمامها قلة حيلتنا وعندها (( دعوا الله ، مخلصين له الدين ، لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين )) فلما جاءت دعوتهم بلسان حالهم أنجاهم ، تبارك وتعالى ، ثم قـص علينـا ما كان من أمـرهم فقال (( فلمـا أنجاهـم إذا هـم يبغـون في الأرض بغير الحق )) يعني لما خرجوا من أهوال البحر ، ووطئوا البر ، واستشعروا القدرة على الحيلة ، رجعت إليهم غفلتهم ، وادعوا إرادة واختيارا . وهو هنا يذكرنا بأن الذي يسيرنا في البر هو الذي يسيرنا في البحر ، فيجب ألا نكون من الغافلين .
وقوله تعالى (( إني توكلت على الله ، ربي وربكم ، ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ، إن ربي على سراط مستقيم )) وقوله تعالى (( أفغير دين الله يبغون ، وله أسلم من في السموات والأرض ، طوعا وكرها ، وإليه يرجعون ؟ )) وقوله تعالى (( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ؟ قل الله خالق كل شئ ، وهو الواحد القهار )) وقوله تعالى (( تسبح له السموات السبع ، والأرض ، ومن فيهن ، وإن من شئ إلا يسبـح بحمـده ولكن لا تفقهـون تسبيحهـم ، إنه كان حليمـا غفورا )) وقولـه تعالى (( والله خلقكم وما تعملون )) أي خلقكم وخلق أعمالكم . وقوله تعالى (( ما أصاب من مصيبـة في الأرض ، ولا في أنفسكم ، إلا في كتاب ، من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكـم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور * الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخـل ، ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد )) وفي جميع هذه الآيات حكمة تربوية بالغة ، يستفيد منها من يستيقن أمر التسيير .

التسيير ما هو؟


أول ما يجب توكيده هو أن الله لا يسير الناس إلى الخطيئة ، وإنما يسيرهم إلى الصواب ، قال تعالى عن لسان هود (( إني توكلت على الله ، ربي وربكم ، ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ، ان ربي على سراط مستقيم . )) ومعنى هذا أن الله مسير كل دابة على السراط المستقيم ، وكل دابـة مهتدية ، حالا ، ومآلا، ما دامت في طاعة الله ، وليس شئ في الوجود بمفلت عن هذه الطاعة ، ولكن الله تبارك وتعالى يريد أن يكون المطيع مدركا لهذه الطاعة ، وبهذا وضع خطا فاصلا بين الهدى والضلال ، ما دونه ضال ، ومن فوقه مهتد ، وهنا دخل اعتبار الإيمان والكفر . وليس الاختلاف بين الإيمان والكفر اختلاف نوع ، وإنما هو اختلاف مقدار ، فالمؤمن علمه أكثر من الكافر .. أو قل أن المؤمن يطيع الله وهو عالم بذلك ، والكافر يطيع الله وهو جاهل بذلك ، والله تعالى يقول (( إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ، وهو العزيز الحكيم )) هو يعلم ذلك ولكنهم لا يعلمون ، وهو يريد لهم أن يعلموا . و (( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ )) .
إن إرادة الله لا تعصى ، ولكن الله يريد أن ينقل الخلائق من طاعة ما يـريد ، إلى طاعة ما يرضى ، فإنه سبحانه وتعالى أراد شيئا لم يرضه . فهو تعالى يقول (( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ، ولا يرضى لعباده الكفر ، وإن تشكروا يرضه لكم . )) فكأنه يقول ، إن تكفروا فإنكم لم تكفروا مغالبة لله ، وإنما كفرتم بإرادته ، ولكنه لا يرضى منكم ما أراده لكم . والرضا هو الطرف الرفيع من الإرادة . أو هو قمة هرم قاعدته الإرادة ، فالإرادة في مرتبة (( الثنائية )) ، والرضا في مرتبة (( الفردانية )) ، ففي الإرادة يدخل الكفر والإيمان ، ولكن بالرضا لا يدخل إلا الإيمان .
والأمر التكويني أعلى من الإرادة . فقمته رضا وقاعدته إرادة فهو هرم مكتمل ، وتفصيل ذلك يجيء في آخر يس حيث يقول جل من قائل (( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون )) . والأمر التشريعي يمثل قمة هرم الأمر التكويني ، حين تكون قاعدته إرادة ، والله تعالى حين قال (( وإذا أردنا أن نهلك قرية، أمرنا مترفيها ، ففسقوا فيها ، فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )) إنما أراد بالأمر هنا الأمر التكويني في مستوى قاعدة هرمه ، وهو إرادة . وحين قال (( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ، والله أمرنا بها ، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ، أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ )) إنما أراد الأمر التشريعي ومعنى (( إن الله لا يأمر بالفحشاء )) إن الله لا يرسل رسلا ، ويؤيدهم بالمعجزات ، ثم تكون شرائعهم داعية إلى الفحشاء (( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ، والنبوة ، ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ، وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ؟ )) .
فالأمر التشريعي دعوة لإخراج الناس من إرادة الله إلى رضاه تعالى ، ومن اجل ذلك أرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، وقال فيها (( ان الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون )) ..
ومع أن الأمر التشريعي وحدة ، إذا ما قورن بالإرادة ، فإنه ، لدى النظر الدقيق ، ذو شكل هرمي أيضا ، قاعدته الشريعة الجماعية ، وقمته الشريعة الفردية ، وقمة هرم الأمر التشريعي هذه ، تكون لقمة هرم الأمر التكويني قاعدة ، وهذا الأخير قمته عند الله ، حيث لا حيث . وإلى هذه القمة الدقيقة ، الممعنة في الدقة ، الإشارة بقوله تعالى (( إنا كل شئ خلقناه بقدر ، وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر )) وهكذا يظهر بوضوح هرم الكائنات ، قمته التنزل الأول إلى مرتبة الاسم ، وهو مرتبة الشريعة الفردية وقاعدته التنزل الأخير إلى مرتبة الفعل ، وهو مرتبة التعدد ، في الأحياء والعناصر ، وأسفل السافلين فيها هو الدخان ، وهو بخار الماء ومنه خلقت الأشياء ، والأحياء . قال تعالى: (( ثم استـوى إلى السماء وهي دخان ، فقال لها وللأرض إئتيا طوعا أو كرها ، قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سموات في يومين ، وأوحى في كل سماء أمرها ، وزينا السماء الدنيا بمصابيح ، وحفظا ، ذلك تقدير العزيز العليم )) وأدنى من ذلك إلى قاعدة هرم الخليقة قوله تعالى عن هذا الدخان (( أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ، وجعلنا من الماء كل شئ حي ، أفلا يؤمنون ؟ )) وحين كانت قمة هذا الهرم عند الله فقد كانت القاعدة بعيدة عنه ، وليس البعد هنا بعد مسافة ، وإنما هو بعد درجة . فقمة هرم الخليقة ، وهي مرتبة الشريعة الفردية ، في عالم الملكوت . وقاعدة الهرم في عالم الملك ، وعالم الملكوت مهيمن على عالم الملك ، حتى أن عالم الملك بمثابة الظلال لعالم الملكوت ، فعالم الملك هو عالم الظاهر ، وعالم الملكوت هو عالم الباطن ، أو قل عالم الملك هو العالم المحسوس ، حيث التعدد ، وعالم الملكوت هو عالم المعاني ، حيث الوحدة ، وليس معنى هذا أن ليس في عالم الملكوت محسوس ، ولكن معناه أن محسوسه هو من اللطف بحيث لا يحس إلا بالحاسة السابعة .. وسلطان العاشقين ، ابن الفارض إنما عنى هذا اللطف اللطيف حين قال :
ولطف الأواني في الحقيقة تابع للطف المعاني والمعاني بها تنمو
ذلك بأن لكل معنى حسا ، ولكل حقيقة شريعة ، فكل معنى من المعاني ، أو حقيقة من الحقائق هي ذات شكل هرمي ، له قمة وله قاعدة ، وكلما دقت القمة دقت القاعدة تبعا لذلك ، أو قل ، إن شئت ، كلما دق المعنى دق الحس .
قال تبارك وتعالى (( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ، وإليه ترجعون )) فملكوت كل شئ هو فرديته . وإليه ترجعون توكيد لهذا الفهم ، لأن الرجوع إلى الله إنما يكون بتقريب صفات العبد من صفات الرب . فكأن الخلائق مسيرة إلى فردياتها بجمعيتها ، من التعدد في الوحدة ، بفضل التوحيد .
قوله تعالى (( والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فلهم أجر غير ممنون * فما يكذبك بعد بالدين * أليس الله بأحكم الحاكمين )) .. لقد ذكرنا أن ظاهر القرآن عنى بآيات الآفاق ، وباطنه عنى بآيات النفس البشرية . والكرامة عند الله للبشر ، وليست للسموات ولا للأرض ، بل إن النملة عند الله أكرم من الشمس ، لأن النملة دخلت في سلسلة من الحياة والموت ، لم تتشرف بها الشمس ، وهي تتطلع إليها ، وترجوها بشق النفس . ومن أجل ذلك فإنا لن نتحدث عن تفسير الظاهر في هذه الآيات ، ومن أراده فليلتمسه في أي من كتب التفاسير ، فهو مبذول .
أقسم الله بنفسه حين أقسم بقوى النفس البشرية (( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به ، والأرحام ، إن الله كان عليكم رقيبا )) وهذه النفس الواحدة التي خلقنا منها إنما هي نفسه تبارك وتعالى . و (( التين )) النفس ، و (( الزيتون )) الروح ، و (( طور سينين )) العقل ، و (( هذا البلد الأمين )) القلب ، . وقد أسلفنا القول بأن العقل هو نتيجة لقاح النفس والروح ، ونقول هنا أن العقل هو طليعة القلب ، ورائده إلى المعرفة ، وهو له بمثابة عكاز الأعمى ، يتحسس به الطريق ، أو قل ، إن شئت ، أن العقل يقوم من القلب مقام الحواس منه هو . وهو حين يقوى ، ويستحصد ، ويصبح يتلقى مداركه عن الحواس جميعها في كل لحظة ، يصير الحاسة السادسة المرتقبة ، ذلك بأن الحياة إنما بدأت بحاسة واحدة ثم تقدمت ، في سحيق الآماد ، إلى الحاسة الثانية ، فالثالثة ، فالرابعة ، فالخامسة ، وهي منطلقة في طريقها إلى الحاسة السادسة ، ثم الحاسة السابعة ، وتلك نهاية المطاف . ولا يكون الترقي بعدها إلا بتطوير هذه الحواس السبع نفسها ، لا بزيادة في العدد عليها. فالحاسة السادسة إذن هي العقل ، حين يستحصد ، ويصبح قادرا على أن يذوق ،ويشم ، ويلمس ، ويرى ، ويسمع ، كل شئ ، وفي لحظة واحدة . فإذا بلـغ العقل هذا المبلغ ، فإنه يعرف قدر نفسه ، ويعلم أن مكانه خلف القلب لا أمامه ، ويسمع ، ويحاول أن يطيع ، قول العارف الجنيد : (( وقدم إماما كنت أنت أمامه )) . ولكن طاعة هذا الأمر هي أشق الأشياء عليه ، وهي لا تتحقق إلا الفينة بعد الفينة ، وفي قمة السلوك المجود . ولا يطول المكث فيها ، إذ فيها يرد الخطاب من خضر القلب ، على موسى العقل (( إنك لن تستطيع معي صبرا )) ولكن هذه اللحظة القصيرة ، التي يطيقها موسى كل فرد مع خضره هي زنة الدهر الدهير ، لأنها خارج الدهر .. وهي مقام (( ما زاغ البصر، وما طغى )) وعندها يشاهد السالك من ليس يحويه الدهر .. هذا مقام الشهود الذاتي بسقوط كل الوسائط ، في تلك اللحظة يبلغ القلب مبلغ الحاسة السابعة وفيها يكون السالك وترا .
ثم لن يلبث العقل أن يدركه ضعفه ، فيجهل قدر نفسه ، ويتقدم على القلب ، وعندها يصبح العابد شفعا ، ويحجب بأنوار العقل عن شهود الذات ، ولا يشهد إلا تجلياتها في مرتبة الاسم ، أو في مرتبة الصفة ، أو في مرتبة الفعل ، وأدناها مرتبة وحدة الفاعل ، والسالك في مراتب حجب النور صاحب شرك خفي ، وهو صاحب شريعة فردية ، ومن ثم فهو في ملكوته .
قوله تعالى من الآيات السوالف (( لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم )) إشارة إلى خلقه في عالم الملكوت ، وهو قمة هرم الخليقة ، وذلك في عالم الأمر ، وقوله (( ثم رددناه أسفل سافلين )) إشارة إلى خلقه في عالم الملك ، وهو قاعدة هرم الخليقة ، وذلك عالم الخلق (( ألا له الخلق والأمر )) وعالم الخلق هو أيضا الذي أشار إليه بقوله (( إنا كل شئ خلقناه بقدر * وما أمرنا الا واحدة كلمح بالبصر )) وقصة الخلق في أحسن تقويم ، ثم الرد إلى أسفل سافلين ، تحكيها هذه الآيات (( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ، ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ، ونقدس لك ؟ قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ، ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالـوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ، انك انت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ، ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات ، والأرض وأعلم ما تبدون ، وما كنتم تكتمون ؟ * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فسجدوا إلا إبليس ، أبى واستكبر، وكان من الكافرين * وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، وكلا منها رغدا حيث شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرة ، فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها ، فأخرجهما مما كانا فيه ، وقلنا اهبطوا ، بعضكم لبعض عدو ، ولكم في الأرض مستقر ، ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي ، فلا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون * والذين كفروا ، وكذبوا بآياتنا ، أولئك أصحاب النار ، هم فيها خالدون )) .
خلق آدم في عالم الأمر كاملا ، وعالما ، وحرا ، وكانت حريته منحة لم يدفع ثمنها ، فامتحنه الله ليرى كيف يصنع فيها ، فقال (( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، وكلا منها رغدا حيث شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرة ، فتكونا من الظالمين )) وكانت الشجرة التي نهي عنها هي نفسه ، في الباطن ، وزوجه في الظاهر ، فلم يحسن التصرف في حريته فيؤثر أمر الله على أمر نفسه ، وإنما اختار نفسه عن ربه ، وفسق عن أمره ، واتصل بزوجه ، فصودرت حريته ، إذ عجز عن حسن التصرف فيها ، وهبط إلى حيث يلقى عقوبة المخالفة ، وحيث يبدأ باسترداد حريته بدفع ثمنها ، حتى تكون عزيزة عنده ، فلا يفرط فيها مرة أخرى ، لأن الحرية التي لا يدفع ثمنها لا تعرف قيمتها ، ولا يدافع عنها . قال تبارك وتعالى يحذر حبيبه محمدا من حالة آدم (( فتعالى الله الملك الحق ، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ، وقل رب زدني علما * ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ، ولم نجد له عزما )) .. (( ولقد عهدنا إلى آدم )) يعني أخذنا عليه عهداً بأن يحسن التصرف في حريته فيختار الله دائما . (( فنسي ولم نجد له عزما )) نسي عهدنا ، وضعف عزمه عن التزام واجب الحرية ، فتهالك أمام إغـراء زوجه ، ورغبة نفسه ، فأساء استعمال حريته فصادرناها . و (( كذلك نفعل بالمجرمين )) .
وحين عصى آدم ربه عن نسيان ، وعن ضعف عن مراغمة النفس ، عصاه إبليس عن قصد مبيت ، وعن استكبار ، ولقد قص الله علينا من خبره فقال (( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ، ونفخت فيه من روحي ، فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم ، أجمعون * إلا إبليس ، استكبر ، وكان من الكافرين * قال يا إبليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي ، استكبرت أم كنت من العالين ؟ قال أنا خير منه ، خلقتني من نار ، وخلقته من طين ! * قال فاخرج منها ، فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك ، وممن تبعك منهم أجمعين )) وقد كان إبليس عابدا ، ولكنـه كان متكبرا، فحجب بنفسه ، عن ربه ، ولم تنفعه عبادته ، وكان إبليس عالما ، ولكن علمه كان علم ظاهر ، ولم يصحب بعلم باطن ، ولذلك لم يكن تقيا ، ولا كان ذكيا ، فهو يقسم بعـزة الله ، (( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين )) ثم يستكبر عن طاعة الله .. وهو اذ فاتته التقوى لم يفكر في الاستغفار ، عند المعصية ، وإنما فكر في الإصرار عليها ، وطلب الإمهال ليجد الفرصة الى الإغراء بها ، (( قال ربي فانظرني الى يوم يبعثون )) ولما قال تعالى (( فانك من المنظرين* الى يوم الوقت المعلوم )) قال هو (( فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين )) والآية الأخيرة من دلائل علمه ، إذ علم أن عباد الله المخلصين لا طاقة له بهم ، ولكن علمه كما قلنا علم ظاهر بلا تقوى في الباطن . وأما آدم وحواء فقد قالا (( ربنا ظلما أنفسنا ، وإن لم تغفر لنا وترحمنا ، لنكونن من الخاسرين )) .
ومهما يكن من الأمر فإنهم جميعا قد عصوا أمر ربهم ، وصاروا بالمعصية غلاظا ، كثافا غير منسجمين مع تلك البيئة اللطيفة ، فهبط بهم وزنهم الكثيف ، من سلم الترقي إلى الدرك ، وهو ما سمي في آيات (( والتين )) أسفل سافلين ، وكان ترتيبهم في الهبوط إبليس أولا ، متبوعا بحواء ، ثم آدم ، وفي بيئتهم الجديدة احتوشتهم الشرور ، من كل جانب ، ولكنهم ما لبثوا أن تأقلموا ، ونسوا ما كانوا فيه من كمال إلا قليلا ، واستجاب الله دعاء إبليس ، فأنظره إلى يوم يبعثون ، فلبث في أسفل سافلين ، من غير ترق منه ، لأنه لم يطلب الترقي ، وإنما طلب الإنظار . واستجاب الله دعاء آدم وحواء ، فلم يلبثا في أسفل سافلين إلا ريثما أدركتهما المغفرة والرحمة التي طلباها في ساعة مخالفتهما أمر ربهما (( إن رحمة الله قريب من المحسنين .))
وقد يظن ظان حين يقرأ في الآيات السوالف من سورة (( والتين )) قوله تعالى (( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فلهم أجر غير ممنون )) أن الاستثناء هنا يعني أنهم لم يردوا إلى أسفل سافلين ، وهذا خطأ . والحق أن هذه الآية وسابقتها تؤديان المعنى المؤدى بقوله تعالى (( وإن منكم إلا واردها ، كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ، ونذر الظالمين فيها جثيا )) فنجى ، من أسفل سافلين ، آدم وحواء وبدأ ترقيهما ، بفعل المغفرة والرحمة ، وترك إبليس ، حيث لم يفكر في التغيير .
قوله (( فما يكذبك بعد بالدين ؟ )) الدين الجزاء ، وهو المعاوضة ، وهو القصاص ، وفيه إشارة إلى قانون القصاص ، الذي قلنا أن الإسلام بني عليه حقيقتـه ، وشريعتـه ، والإشارة تـرمي إلى إرشادنا إلى أن الإنسان ، إنمـا رد مـن مقـام أحسـن تقـويم ، إلى درك أسفـل سافلين ، بحكـم قانـون المعاوضة ، جزاء وفاقا .
قوله (( أليس الله بأحكم الحاكمين )) تزكية لقانون المعاوضة ، وتذكير لنا بالحكمة المودعة فيه .