ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب الثالث: المغفرة لآدم وحواء - كيف غفر لآدم ؟

المغفرة لآدم وحواء


كيف غفر لآدم ؟ إن الله أمر الملائكة أن يسـجدوا لآدم فأطاعوا ، وأمر إبليس أن يسجد لآدم فعصا ، فأما الملائكة فقد أطاعوا الأمر التشريعي ، وهم (( لا يعصـون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمـرون )) وأما إبليس فقد عصا الأمر التشريعي ، ولكنه بالمعصية ، أطاع الأمر التكويني ، وليس له من ذلك بد . والسجود يعني تسخير الملائكة لآدم ، وتسخير إبليس ، على تفاوت في التسخيرين . فتسخير الملائكة إعانة على الخير ، وهداية إلى الحق ، وتسخير إبليس دلالة على الشر ، وإضلال عن الحق ، وآدم متنازع بين الخير من أعلى ، والشر من أسفل ، وهو في الحالتين ساير إلى الله . (( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة )) فالنعم الظاهرة هي العوافي ، والنعم الباطنة هي المصائب .. وكلها رحمة ، وإن كانت النفوس تنفر من المصائب ، وترتاح إلى العوافي ، ولكن الله تبارك وتعالى يقول (( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، والله يعلم ، وأنتم لا تعلمون )) ، وكل المصيبة في نقص العلم .
فإذا تصورت أول مخلوق بشري قائم على الخط الفاصل بين الحيوانية والإنسانية ، وتصورته رأس سهم التطور ، فقد تصورت آدم الخليفة في الأرض ، وهو في مرحلة من مراحل تطوره من بدايات سحيقة ، ولكنها مرحلة تحولية ، دخلها بقفزة فريدة ، نتجت عن استجماع فضائل شتى ، اختزنها أثناء تطوره الطويل ، المرير ، من تلك البدايات السحيقة ، وتلك القفزة هي المعبر عنها بقوله تعالى (( ثم أنشأناه خلقا آخر )) من الآيات الكريمات (( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين )) .
وهي بعينها المعبر عنها بقوله تعالى (( ونفخت فيه من روحي )) من الآيتين الكريمتين (( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ، ونفخت فيه من روحي ، فقعوا له ساجدين )) . (( فإذا سويته )) هذه ، تشير ، بإجمال معجز ، إلى سلسلة التطور التي بدأت من بخار الماء ، حيث كانت السموات والأرض سحابة واحدة ، والى أن استعد المكان لنفخ الروح الإلهي فيه . ولقد قلنا أن الروح الإلهي هو (( إرادة الحرية )) التي توجت (( إرادة الحياة )) فارتفع بها الإنسان فجأة فوق الحيوانات العليا . ولم توجد إرادة الحرية فجأة بعد عدم ، وإنما برزت بعد كمون طويل فهي بمثابة الزبدة التي مخضها العراك من لبن الحياة ، ولقد تحدثنا عنها آنفا وقلنا أنها دخلت في عراك مع إرادة الحياة ، وأن العقل نتيجة هذا اللقاء.
وإرادة الحياة نبتت من الأرض ، وعوامل السماء فيها موجودة ، ولكنها أضعف من عوامل الأرض . وإرادة الحرية نشـأت من الأرض ، ولكن عوامل السماء فيها قوية ، فبها القامة البشرية قامت على الرجلين ، وخصصتهما للمشي ، وفرغت بذلك اليدين لمزاولة أعمال ذات صلة بالعقل أكبر ، وكذلك استطاعت أن تدير رأسها ، بسهولة ، ويسر ، على ما حولها ، وما فوقها ، فترى الشمس والقمر والنجـوم ، وأن تمشي سوية ، تهتدي في مسالك الأرض ، وفي طرائق السماء (( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ، أم من يمشي سويا على سراط مستقيم ؟ ))
وآدم ، في الوجود ، متنازع بين الملائكة من أعلى ، والأبالسة من أسفل ، فهـو برزخ الوجود كله ، وهو في ذلك عقل الوجود أيضا ، والله تبارك وتعالى يعنيه حين قال ، جل من قائل (( مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان )) والبحران هنا هما : بحر الأرواح العلوية ، التي أشرقت بالطاعة ، وبحر الأرواح السفلية التي انكدرت بالمعصية .
وعقـل آدم ، فـي آدم ، متنـازع بـيـن (( إرادة الحيـاة )) وهـي النفـس ، من أسـفل ، و (( إرادة الحـرية )) ، وهي الروح ، من أعلى ، وهو أيضا برزخ ، والله تعالى يعنيه ، في الآيتين الكريمتين السالفتين ، وهو معناهما الباطن ، وآدم معناهما الظاهر .
والنفس قانونها ابتغاء اللذة بكل سبيل ، واجتناب الألم بكل سبيل أيضا . ولذلك فهي تطيع الأمر التكويني ، وتثقل عليها طاعة الأمر التشريعي ، لأنه يضع لها الحدود ، وهي في ذلك أشبهت إبليس .
والروح قانونها الحرام والحلال ، وهي تبتغي من النفس أن تستعصم عن اللذة العاجلة إذا كانت حراما ، وذلك ابتغاء اللذة الآجلة الحلال ، وفرارا من الألم المترتب على تعاطي اللذة الحرام ، سواء كان هذا الألم معجلا أو مؤجلا. ولذلك فهي ترتفع من طاعة الأمر التكويني ، إلى طاعة الأمر التشريعي . وهي في ذلك أشبهت الملائكة .
وآدم ، في هذه المرحلة البدائية من تطوره ، قيل له كل من هذا ، ولا تأكل من هذا .. أي قيل له هذا حرام وهذا حلال ، فإن هو قوي على مراغمة النفس ، وعصا أمرها بالسـوء ، واجتنب الحرام ، فقد أحسن التصرف في حريته ، واستحق أن يزاد له فيها ، والله تعالى يقول (( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ )) وجزاء الإحسان مضاعف ، وذلك محض فضل . اسمعه يقول ، (( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ، وهم لا يظلمون )) . وقد تضاعف أضعافا كثيرة ، وقد تضاعف بغير حساب .. اسمعه تبارك وتعالى يقول (( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ، في كل سنبلة مائة حبة ، والله يضاعف لمن يشاء ، والله واسع عليم )) فههنا الحبة أنبتت سبع سنابل ، في كل سنبلة مائة حبة ، فذلك سبعمائة ضعف ، ثم قال ، فوق ذلك ، (( والله يضاعف لمن يشاء )) كأن يكون سبعة آلاف ضعف ، أو سبعين ألف ضعف ، فإذا قال (( والله واسع عليم )) فقد خرج عن العدد ، إلى السعة المطلقة .
وإن هو لم يقو على مراغمتها ، وضعف أمام إغرائها ، واسترسل في تحصيل شهوتها الحرام ، فقد أساء التصرف في حريته ، وعرضها ، من ثم ، للمصادرة . فإن كان سوء تصرفه هذا فيه اعتداء على حق من حقوق الجماعة ، صودرت حريته وفق قانون المعاوضة في الشريعة ، وآيته من كتاب الله قوله تبارك وتعالى: (( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص ، فمن تصدق به فهو كفارة له ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )) .
وإن كان سوء تصرفه إنما يقع وباله على نفسه وحدها ، دون غيرها من الأنفس ، صودرت حريته وفق قانون المعاوضة في الحقيقة ، وآيتاه من كتاب الله قوله تبارك وتعالى (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )) . هذا ولا يظنن أحد ان قانون المعاوضة في الشريعة ، دائما ، كان في هذا الإحكام الذي وردت به التوراة ، ثم أقره الإنجيل من بعدها ، ثم جاء القرآن بتأييده وإقراره . ذلك بأنه قانون يتطور مع تطور المجتمع البشري ، ويتأثر بمستوى دقة العقل البشري ومقدرته على مضاهاة قانون الحقيقة الذي هو أصله ، والذي كان ، ولا يزال ، في منتهى الإحكام ، وهو لم يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها .
والدقة التي هي حظ قانون المعاوضة في الحقيقة ، والتي فاتت كثير من صورها على قانون المعاوضة في الشريعة ، تجد ضبطها في أن القانونين يعملان معا في مصادرة حرية من عجز عن الوفاء بحق الحرية ، من غير أن تكون هناك عقوبتان على خطيئة واحدة ، وفي مستوى واحد من مستويات العقاب . وأقرب قوانين المعاوضة في الشريعة دقة من قوانين المعاوضة في الحقيقة الحـدود ، وهي أربعة .. الزنا والقذف والسرقة وقطع الطريق .. وترجع إلى أصلين هما حفظ العرض ، وحفظ المال ، وهما أول قانونين نشآ في المجتمع البشري البدائي ، وإليهما يرجع الفضل في جعل المجتمع ممكنا . ويلي هذه الحدود حد السكر ، ثم تجئ قوانين القصاص الأخرى في النفس بالنفس ، والعين بالعين .
ومعاوضة فعل الشر إنما تكون بوضع الألم في مقابلة اللذة من النفس ، والمراد من ذلك وزن قواها حتى تعتدل ، ولا تحيف ، فتتهالك على اللذة بغير كتاب منير .

كيف غفر لآدم؟


الجواب غفر له بإعطائه حق الخطأ . وهذا يعني أن حريته لم تصادر مصادرة أبدية فيقام عليه وصي إلى نهاية ذلك الأبد ، كما فعل بإبليس ، وإنما أذن له في استردادها ، وبدأ بممارسة ما يطيق منها ، فهو يعمل في ذلك بين الخطأ والصواب ، فكلما أحسن التصرف في الحرية التي لديه أوتي مزيدا منها ، وإن بدرت منه إساءة في التصرف تحمل نتيجة سوء تصرفه بعقوبة معاوضة ، ومقابلة للخطيئة ، يراد بها إلى شحذ قوى نفسه ، حتى تتأهل ، أكثر من ذي قبل ، لتحمل واجب الحرية في ذلك المستوى الذي بدر منها العجز عنه .. ثم إن هذه العقوبة يتجلى فيها اللطف الإلهي كما يليق به ، فهو يجازي بالحسنة عشر أمثالها ، وقد يضاعفها حتى تخرج عن الحصر ، وهو لا يجازي بالسيئة إلا مثلها ، وقد يعفو عنها ، وقد يبدلها حسنة ، وقد يضاعفها ، بعد ذلك ، أضعافا لا حد لها ، فهو تبارك وتعالى يقول (( والذين لا يدعون مع الله الها آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا يزنون ، ومن يفعل ذلك يلق آثاما ، يضاعف له العذاب ، يوم القيامة ، ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب ، وآمن ، وعمل عملا صالحا ، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ، وكان الله غفورا رحيما )) ولقد ألهم آدم كلمات فتلهمها ، فكانت سببا إلى التوبة ، فالمغفرة ، (( فتلقى آدم من ربه كلمات ، فتاب عليه ، إنه هو التواب الرحيم )) ولقد كانت تلك الكلمات هي (( ربنا ظلمنا أنفسنا ، وإن لم تغفر لنا ، وترحمنا ، لنكونن من الخاسرين )) .
هذه هي المغفرة لآدم بعد أن أصبح بشرا عاقلا ، ولقد أنفق آدم دهرا دهيرا قبل أن يبلغ هذه المرتبة الرفيعة .. قال تعالى في ذلك ، (( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ، فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا )) يعني قد أتى على آدم عهد سحيق ، لم يكن فيه مكلفا ، ولا مسئولا ، لأنه لم يبلغ مبلغ العقل ، ولقد تحدثنا عن هذا آنفا ، وقلنا أن الله سير الحياة ، من لدن ظهورها بين الماء والطين ، والى أن بلغت مبلغ العقل ، تسييرا شبه مباشر ، وقانونها يومئذ هو قانون المعاوضة في الحقيقة ، وآيتاه من كتاب الله ، كما سبق بذلك التقرير ، هما الآيتان الكريمتان (( فمن يعمل مثـقال ذرة خيـرا يـره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يـره )) وهو قانون يعمل دائما على تنمية الخير ، ومحو الشر ، وذلك بسوق الحياة إلى كنف الله الرحيم.
هذا التسيير في مراقي القرب هو المغفرة لآدم ، من لدن النطفة الأمشاج ، وإلى أن أصبح بشرا مكلفا، فماذا كان آدم قبل هذا ؟ وكيف غفر له ؟ اسمع (( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين )) فقبل أن يصبح آدم نطفة مختلطة بالطين - نطفة أمشاجا - قد كان ذرة من بخار الماء ، الذي هو أصل الحياة ، كما يخبرنا تبارك وتعالى (( أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ، وجعلنا من الماء كل شئ حي، أفلا يؤمنون ؟ )) وهذه الذرة هي أصل سلالة الطين . وإنما غفر له في هذه المرحلة بهذا التسيير المباشر ، بالقهر الإرادي ، الذي حفز الحياة إلى الله وأزعجها إلى قربه ، فارتقت المراقي ، وبلغت المبالغ . وقانون هذه الإرادة الإلهية ، هو قانون المعاوضة في الحقيقة أيضا .
وهذه المغفرة لآدم في مستوياتها المختلفة هي بعينها التسيير ، فالناس مسيرون ، من مرتبة العناصر إلى مرتبة الحياة ومن مرتبة الحياة البدائية إلى مرتبة الحياة المتقدمة الراقية المعقدة ، ومن هذه إلى مرتبة الحرية الجماعية بدخول العقل في المسرح ، ومن مرتبة الحرية الجماعية ، إلى مرتبة الحرية الفردية المطلقة ، والتسيير يطرد في هذه إلى غير نهاية ، لأنه سير إلى الله في إطلاقه .