((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب الثالث: المغفرة لآدم وحواء - كيف غفر لآدم ؟

المغفرة لآدم وحواء


كيف غفر لآدم ؟ إن الله أمر الملائكة أن يسـجدوا لآدم فأطاعوا ، وأمر إبليس أن يسجد لآدم فعصا ، فأما الملائكة فقد أطاعوا الأمر التشريعي ، وهم (( لا يعصـون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمـرون )) وأما إبليس فقد عصا الأمر التشريعي ، ولكنه بالمعصية ، أطاع الأمر التكويني ، وليس له من ذلك بد . والسجود يعني تسخير الملائكة لآدم ، وتسخير إبليس ، على تفاوت في التسخيرين . فتسخير الملائكة إعانة على الخير ، وهداية إلى الحق ، وتسخير إبليس دلالة على الشر ، وإضلال عن الحق ، وآدم متنازع بين الخير من أعلى ، والشر من أسفل ، وهو في الحالتين ساير إلى الله . (( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة )) فالنعم الظاهرة هي العوافي ، والنعم الباطنة هي المصائب .. وكلها رحمة ، وإن كانت النفوس تنفر من المصائب ، وترتاح إلى العوافي ، ولكن الله تبارك وتعالى يقول (( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، والله يعلم ، وأنتم لا تعلمون )) ، وكل المصيبة في نقص العلم .
فإذا تصورت أول مخلوق بشري قائم على الخط الفاصل بين الحيوانية والإنسانية ، وتصورته رأس سهم التطور ، فقد تصورت آدم الخليفة في الأرض ، وهو في مرحلة من مراحل تطوره من بدايات سحيقة ، ولكنها مرحلة تحولية ، دخلها بقفزة فريدة ، نتجت عن استجماع فضائل شتى ، اختزنها أثناء تطوره الطويل ، المرير ، من تلك البدايات السحيقة ، وتلك القفزة هي المعبر عنها بقوله تعالى (( ثم أنشأناه خلقا آخر )) من الآيات الكريمات (( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين )) .
وهي بعينها المعبر عنها بقوله تعالى (( ونفخت فيه من روحي )) من الآيتين الكريمتين (( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ، ونفخت فيه من روحي ، فقعوا له ساجدين )) . (( فإذا سويته )) هذه ، تشير ، بإجمال معجز ، إلى سلسلة التطور التي بدأت من بخار الماء ، حيث كانت السموات والأرض سحابة واحدة ، والى أن استعد المكان لنفخ الروح الإلهي فيه . ولقد قلنا أن الروح الإلهي هو (( إرادة الحرية )) التي توجت (( إرادة الحياة )) فارتفع بها الإنسان فجأة فوق الحيوانات العليا . ولم توجد إرادة الحرية فجأة بعد عدم ، وإنما برزت بعد كمون طويل فهي بمثابة الزبدة التي مخضها العراك من لبن الحياة ، ولقد تحدثنا عنها آنفا وقلنا أنها دخلت في عراك مع إرادة الحياة ، وأن العقل نتيجة هذا اللقاء.
وإرادة الحياة نبتت من الأرض ، وعوامل السماء فيها موجودة ، ولكنها أضعف من عوامل الأرض . وإرادة الحرية نشـأت من الأرض ، ولكن عوامل السماء فيها قوية ، فبها القامة البشرية قامت على الرجلين ، وخصصتهما للمشي ، وفرغت بذلك اليدين لمزاولة أعمال ذات صلة بالعقل أكبر ، وكذلك استطاعت أن تدير رأسها ، بسهولة ، ويسر ، على ما حولها ، وما فوقها ، فترى الشمس والقمر والنجـوم ، وأن تمشي سوية ، تهتدي في مسالك الأرض ، وفي طرائق السماء (( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ، أم من يمشي سويا على سراط مستقيم ؟ ))
وآدم ، في الوجود ، متنازع بين الملائكة من أعلى ، والأبالسة من أسفل ، فهـو برزخ الوجود كله ، وهو في ذلك عقل الوجود أيضا ، والله تبارك وتعالى يعنيه حين قال ، جل من قائل (( مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان )) والبحران هنا هما : بحر الأرواح العلوية ، التي أشرقت بالطاعة ، وبحر الأرواح السفلية التي انكدرت بالمعصية .
وعقـل آدم ، فـي آدم ، متنـازع بـيـن (( إرادة الحيـاة )) وهـي النفـس ، من أسـفل ، و (( إرادة الحـرية )) ، وهي الروح ، من أعلى ، وهو أيضا برزخ ، والله تعالى يعنيه ، في الآيتين الكريمتين السالفتين ، وهو معناهما الباطن ، وآدم معناهما الظاهر .
والنفس قانونها ابتغاء اللذة بكل سبيل ، واجتناب الألم بكل سبيل أيضا . ولذلك فهي تطيع الأمر التكويني ، وتثقل عليها طاعة الأمر التشريعي ، لأنه يضع لها الحدود ، وهي في ذلك أشبهت إبليس .
والروح قانونها الحرام والحلال ، وهي تبتغي من النفس أن تستعصم عن اللذة العاجلة إذا كانت حراما ، وذلك ابتغاء اللذة الآجلة الحلال ، وفرارا من الألم المترتب على تعاطي اللذة الحرام ، سواء كان هذا الألم معجلا أو مؤجلا. ولذلك فهي ترتفع من طاعة الأمر التكويني ، إلى طاعة الأمر التشريعي . وهي في ذلك أشبهت الملائكة .
وآدم ، في هذه المرحلة البدائية من تطوره ، قيل له كل من هذا ، ولا تأكل من هذا .. أي قيل له هذا حرام وهذا حلال ، فإن هو قوي على مراغمة النفس ، وعصا أمرها بالسـوء ، واجتنب الحرام ، فقد أحسن التصرف في حريته ، واستحق أن يزاد له فيها ، والله تعالى يقول (( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ )) وجزاء الإحسان مضاعف ، وذلك محض فضل . اسمعه يقول ، (( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ، وهم لا يظلمون )) . وقد تضاعف أضعافا كثيرة ، وقد تضاعف بغير حساب .. اسمعه تبارك وتعالى يقول (( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ، في كل سنبلة مائة حبة ، والله يضاعف لمن يشاء ، والله واسع عليم )) فههنا الحبة أنبتت سبع سنابل ، في كل سنبلة مائة حبة ، فذلك سبعمائة ضعف ، ثم قال ، فوق ذلك ، (( والله يضاعف لمن يشاء )) كأن يكون سبعة آلاف ضعف ، أو سبعين ألف ضعف ، فإذا قال (( والله واسع عليم )) فقد خرج عن العدد ، إلى السعة المطلقة .
وإن هو لم يقو على مراغمتها ، وضعف أمام إغرائها ، واسترسل في تحصيل شهوتها الحرام ، فقد أساء التصرف في حريته ، وعرضها ، من ثم ، للمصادرة . فإن كان سوء تصرفه هذا فيه اعتداء على حق من حقوق الجماعة ، صودرت حريته وفق قانون المعاوضة في الشريعة ، وآيته من كتاب الله قوله تبارك وتعالى: (( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص ، فمن تصدق به فهو كفارة له ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )) .
وإن كان سوء تصرفه إنما يقع وباله على نفسه وحدها ، دون غيرها من الأنفس ، صودرت حريته وفق قانون المعاوضة في الحقيقة ، وآيتاه من كتاب الله قوله تبارك وتعالى (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )) . هذا ولا يظنن أحد ان قانون المعاوضة في الشريعة ، دائما ، كان في هذا الإحكام الذي وردت به التوراة ، ثم أقره الإنجيل من بعدها ، ثم جاء القرآن بتأييده وإقراره . ذلك بأنه قانون يتطور مع تطور المجتمع البشري ، ويتأثر بمستوى دقة العقل البشري ومقدرته على مضاهاة قانون الحقيقة الذي هو أصله ، والذي كان ، ولا يزال ، في منتهى الإحكام ، وهو لم يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها .
والدقة التي هي حظ قانون المعاوضة في الحقيقة ، والتي فاتت كثير من صورها على قانون المعاوضة في الشريعة ، تجد ضبطها في أن القانونين يعملان معا في مصادرة حرية من عجز عن الوفاء بحق الحرية ، من غير أن تكون هناك عقوبتان على خطيئة واحدة ، وفي مستوى واحد من مستويات العقاب . وأقرب قوانين المعاوضة في الشريعة دقة من قوانين المعاوضة في الحقيقة الحـدود ، وهي أربعة .. الزنا والقذف والسرقة وقطع الطريق .. وترجع إلى أصلين هما حفظ العرض ، وحفظ المال ، وهما أول قانونين نشآ في المجتمع البشري البدائي ، وإليهما يرجع الفضل في جعل المجتمع ممكنا . ويلي هذه الحدود حد السكر ، ثم تجئ قوانين القصاص الأخرى في النفس بالنفس ، والعين بالعين .
ومعاوضة فعل الشر إنما تكون بوضع الألم في مقابلة اللذة من النفس ، والمراد من ذلك وزن قواها حتى تعتدل ، ولا تحيف ، فتتهالك على اللذة بغير كتاب منير .

كيف غفر لآدم؟


الجواب غفر له بإعطائه حق الخطأ . وهذا يعني أن حريته لم تصادر مصادرة أبدية فيقام عليه وصي إلى نهاية ذلك الأبد ، كما فعل بإبليس ، وإنما أذن له في استردادها ، وبدأ بممارسة ما يطيق منها ، فهو يعمل في ذلك بين الخطأ والصواب ، فكلما أحسن التصرف في الحرية التي لديه أوتي مزيدا منها ، وإن بدرت منه إساءة في التصرف تحمل نتيجة سوء تصرفه بعقوبة معاوضة ، ومقابلة للخطيئة ، يراد بها إلى شحذ قوى نفسه ، حتى تتأهل ، أكثر من ذي قبل ، لتحمل واجب الحرية في ذلك المستوى الذي بدر منها العجز عنه .. ثم إن هذه العقوبة يتجلى فيها اللطف الإلهي كما يليق به ، فهو يجازي بالحسنة عشر أمثالها ، وقد يضاعفها حتى تخرج عن الحصر ، وهو لا يجازي بالسيئة إلا مثلها ، وقد يعفو عنها ، وقد يبدلها حسنة ، وقد يضاعفها ، بعد ذلك ، أضعافا لا حد لها ، فهو تبارك وتعالى يقول (( والذين لا يدعون مع الله الها آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا يزنون ، ومن يفعل ذلك يلق آثاما ، يضاعف له العذاب ، يوم القيامة ، ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب ، وآمن ، وعمل عملا صالحا ، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ، وكان الله غفورا رحيما )) ولقد ألهم آدم كلمات فتلهمها ، فكانت سببا إلى التوبة ، فالمغفرة ، (( فتلقى آدم من ربه كلمات ، فتاب عليه ، إنه هو التواب الرحيم )) ولقد كانت تلك الكلمات هي (( ربنا ظلمنا أنفسنا ، وإن لم تغفر لنا ، وترحمنا ، لنكونن من الخاسرين )) .
هذه هي المغفرة لآدم بعد أن أصبح بشرا عاقلا ، ولقد أنفق آدم دهرا دهيرا قبل أن يبلغ هذه المرتبة الرفيعة .. قال تعالى في ذلك ، (( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ، فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا )) يعني قد أتى على آدم عهد سحيق ، لم يكن فيه مكلفا ، ولا مسئولا ، لأنه لم يبلغ مبلغ العقل ، ولقد تحدثنا عن هذا آنفا ، وقلنا أن الله سير الحياة ، من لدن ظهورها بين الماء والطين ، والى أن بلغت مبلغ العقل ، تسييرا شبه مباشر ، وقانونها يومئذ هو قانون المعاوضة في الحقيقة ، وآيتاه من كتاب الله ، كما سبق بذلك التقرير ، هما الآيتان الكريمتان (( فمن يعمل مثـقال ذرة خيـرا يـره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يـره )) وهو قانون يعمل دائما على تنمية الخير ، ومحو الشر ، وذلك بسوق الحياة إلى كنف الله الرحيم.
هذا التسيير في مراقي القرب هو المغفرة لآدم ، من لدن النطفة الأمشاج ، وإلى أن أصبح بشرا مكلفا، فماذا كان آدم قبل هذا ؟ وكيف غفر له ؟ اسمع (( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين )) فقبل أن يصبح آدم نطفة مختلطة بالطين - نطفة أمشاجا - قد كان ذرة من بخار الماء ، الذي هو أصل الحياة ، كما يخبرنا تبارك وتعالى (( أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ، وجعلنا من الماء كل شئ حي، أفلا يؤمنون ؟ )) وهذه الذرة هي أصل سلالة الطين . وإنما غفر له في هذه المرحلة بهذا التسيير المباشر ، بالقهر الإرادي ، الذي حفز الحياة إلى الله وأزعجها إلى قربه ، فارتقت المراقي ، وبلغت المبالغ . وقانون هذه الإرادة الإلهية ، هو قانون المعاوضة في الحقيقة أيضا .
وهذه المغفرة لآدم في مستوياتها المختلفة هي بعينها التسيير ، فالناس مسيرون ، من مرتبة العناصر إلى مرتبة الحياة ومن مرتبة الحياة البدائية إلى مرتبة الحياة المتقدمة الراقية المعقدة ، ومن هذه إلى مرتبة الحرية الجماعية بدخول العقل في المسرح ، ومن مرتبة الحرية الجماعية ، إلى مرتبة الحرية الفردية المطلقة ، والتسيير يطرد في هذه إلى غير نهاية ، لأنه سير إلى الله في إطلاقه .