((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب الرابع: الإســــلام - فما هو الإسلام؟ - الثالوث الإسلامي

الباب الرابع


الإســــلام


لقد تحدثنا عن الفرد والجماعة في التفكير الفلسفي ، وعن الفرد والكون في التفكير الفلسفي أيضا ، وأعقبنا ذلك بالحديث عن الفرد والجماعة في الإسلام ، والفرد والكون في الإسلام ، ننتجع في الإسلام من الحلول ما أعيانا ابتغاؤه في الفلسفة ، وقد أظفرنا الله من ذلك بما نريد ، فوجب أن نعرف الأرض التي نقف عليها !!

فما هو الإسلام؟


أسلم : إنقاد واستسلم . والإسلام ، في الحقيقة ، الإنقياد والإستسلام . ونعني بالحقيقة ما فطرت عليه الأشياء . والله تبارك وتعالى يعني هذا حين قال : (( أفغير دين الله يبغون ، وله أسلم من في السموات والأرض ، طوعا وكرها ، وإليه يرجعون ؟ )) والدين يعني هنا الشأن ، والسيرة ، والسنة . ودين الله يعني سنة الله في خلقه ، وهي ما فطرت عليه الأشياء . ولقد فطرت الأشياء منقادة لله ، (( وله أسلم من في السموات والأرض ، طوعا وكرها ، وإليه يرجعون )) والإسلام ، بهذا المعنى هو دين الخلائق جميعها ، في البداية ، وفي النهاية ، وفيما بين البداية والنهاية . ولا يستثنى من ذلك الإنسان . بيد أن الرحمة الإلهية لم ترض للخلائق الإنقياد بغـير إرادة ، فمدت ، بدقائق لطفها ، لطليعتها ، وهو الإنسان ، أن يتوهم أنه يختلف عن بقية المخلوقات ، وهذا الوهم هو مصدر شقائه في الحال ، وهو مصدر سعادته في المآل ، وإنما دخل عليه هذا الوهم بما أدخل الله عليه من إرادة الحرية ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : (( إنا عرضنا الأمانة على السموات ، والأرض ، والجبال ، فأبين أن يحملنها ، وأشفقن منها ، وحملها الإنسان ، إنه كان ظلوما جهولا )) و(( كان ظلوما جهولا )) مدح في قالب ذم . فإنه من أجل هذه الأمانة جاءت الكرامة لبني الإنسان ، والله تبارك وتعالى يقول (( ولقد كرمنا بني آدم ، وحملناهم في البر والبحر ، ورزقناهم من الطيبات ، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا . )) ..
وعن توهم الإنسان الشذوذ عن بقية الخلائق يحدثنا ، تبارك وتعالى ، فيقول (( ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض ، والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ، وكثير من الناس ، وكثير حق عليه العذاب ، ومن يهـن الله فما له من مكـرم ، إن الله يفعـل ما يشاء ؟ )) ولكلمة (( يسجد )) معان كثيرة ، منها مطاوعة القهر الإرادي . وهذه المطاوعة جارية من الإنسان ، كما هي جارية من العناصر الصماء . ومنها سجود العبادة ، وهو ما عناه حين قال (( وكثير من الناس )) . فإن هؤلاء سجدوا سجود الأجساد في محاريب العبادة ، الأمر الذي لم يقع من بعض الناس ، وإلى هؤلاء الإشارة بقوله تعالى (( وكثير حق عليه العذاب )) . فاستحقاق العذاب ليس لأنهم لم يسجدوا سجود القهر الإرادي ، فإنهم قد سجدوا هذا ، ولكنه لم يقبل منهم ، وإنما أريد منهم سجود العبادة ، فلم يفعلوه ، فحق عليهم العذاب . ومنها سجود العبودية ، وهو ما لم يحصل من أحد ، على تمامه ، ولن يحصل . ذلك بأن العبودية ، كالربوبية ، لا تتناهى ، ولكن طلائع البشرية ، من أنبياء الحقيقة ، حققوا منه حظوظا متفاوتة . وكون سجود العبودية لم يتم لأحد ، ولن يتم ، إنما يلتمس تقريره في صدر الآية التالية ، حيث يقول تعالى (( هذان خصمان اختصموا في ربهم )) فإنها تصح في حق كل عابد ، وهي إشارة إلى انقسام الشخصية البشرية ، إلى ظاهر ، وباطن ، وهي لن تنفك منقسمة ، لأن الثنائية حظها ، ولا تتم العبودية إلا لوتر ، وهيهات !! وسجود العبادة وسيلة إلى سجود العبودية ، إذ به يرفع عن الإنسان الوهم ، فيخرج من سجنه إلى سراحه ، ومن جهله إلى علمه ، ومن شقائه إلى سعادته ، وذلك حين يسجد سجود المطاوعة للقهر الإرادي ، ولكن عن وعي ، وفهم ، وإدراك به يختلف عن العناصر الصماء ، وإلى هذا السجود الرفيع الإشارة اللطيفة في قوله تعالى (( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ، وهو محسن ، واتبع ملة إبراهيم حنيفا ، واتخذ الله إبراهيم خليلا ؟ )) والإشارة اللطيفة هنا هي عبارة (( وهو محسن )) فإنها سر هـذه الآية ، وهي أيضا سر الآية الأخرى التي تقول (( ومن يسلم وجهه إلى الله ، وهو محسن ، فقد استمسك بالعروة الوثقى ، وإلى الله عاقبة الأمور )) وإنما كانت عبارة (( وهو محسن )) سر الآيتين لأن جميع العناصر الصماء مسلمة وجهها لله ولكنها غير محسنة - غير واعية ولا مدركة - فلا عبرة بإسلامها ، لأنها مسلمة في منطقة الإرادة ، ولم تبلغ أن تكون مسلمة في منطقة الرضا ، فذلك حظ البشر وحدهم ، وهو ما من أجله أرسل الله الرسل ، وقد سبقت إلى ذلك الإشارة .
والإسلام بهذا المعنى دين البشرية ، وغـرضه مجاراة الوهم البشري ، الذي أوحت به إرادة الحرية ، حتى يتم الخروج عنه ، على مكث ، وبحكمة متثبتة ، تكون ثمرتها الإسلام الواعي . والإسلام الذي هو دين البشرية ظهر بظهور العقل ، وظل يواكب نمو العقل في تطوره الطويل ، من بداية ساذجة ضعيفة إلى نهاية حكيمة مستحصدة .
والإسلام الذي هو دين البشرية ، هـو نفسه الإسلام الذي هو دين الله ، في الآية التي سلف ذكرها ، وهي قوله تعالى، (( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض ، طوعا وكرها ، وإليه يرجعون )) وعن الإسلام الذي هو دين البشرية وردت الآية (( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ، وهو في الآخرة من الخاسرين )) وقوله (( وهو في الآخرة من الخاسرين )) يعني أن محاولاته كلها تفشل ، فيرد في أخرياتها إلى الاستسلام بعد أن تعييه الحيلة . وفي نفس المعنى وردت الآية (( إن الدين عند الله الإسلام ، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ، بغيا بينهم ، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب )) قوله (( عند )) ليس للزمان ، ولا للمكان ، لأن الله لا يحويه الزمان ولا المكان ، وإنما هي لتناهي الكمال . فالإسلام الذي هو دين البشرية ، في قمته ، يسير مصاقبا للإسلام الذي هو دين العناصر ، ويطالب بانقياد كانقيادها ، مع الوعي وتمام الادراك لهذا الانقياد ، وهيهات !!
قوله (( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم )) يعني ما اختلفوا إلا في الشرائع ، هذا معنى من جملة معان ، وهو يستقيم مع كون الدين في أصله واحدا ، والشرائع متباينة. قال تعالى ((كان الناس أمة واحدة ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه )) كانوا أمة واحدة على الجهل البدائي ، (( وأنزل معهم الكتاب )) تعني (( لا إله إلا الله )) ، والشرائع المناسبة ، لجماعتهم ، ولعبادتهم ، وعندئذ ظهر الخلاف ، فجاء قوله تعالى (( ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه )) ، وفي وحدة الدين يحدثنا القرآن فيقول (( وَللّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً )) فقوله (( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، وإياكم أن اتقوا الله )) يعني أمرناهم ، كما أمرناكم ، أن تقولوا (( لا إله إلا الله )) فإن هـذه هي قمة التقوى ، (( وهي كلمة التقوى )) التي عنى بقوله تعالى (( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، حمية الجاهلية ، فأنزل الله سكينته على رسوله ، وعلى المؤمنين ، وألزمهم كلمة التقوى ، وكانوا أحق بها ، وأهلها ، وكان الله بكل شئ عليما )) فكلمة التقوى هي (( لا إله إلا الله )) ومن ههنا جاء حديث المعصوم (( خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي (( لا إله إلا الله )) ..
وإلى وحدة الدين الإشارة بقوله تعالى (( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذي أوحينا إليك ، وما وصينا به إبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، أن أقيموا الدين ، ولا تتفرقوا فيه ، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ، الله يجتبي إليه من يشاء ، ويهدي إليه من ينيب )) قوله (( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا )) يعني بين لكم من الدين ما فرض على نوح وهو أيضا ما فرض على آدم ، وهو حين بينه لكم إنما فرضه عليكم ، وهذا لا يعني الشريعة وإنما يعني التوحيد ، الذي عليه تقوم الشريعة ، بقرينة وحدة التوحيد ، واختلاف الشرائع ، وبقرينة قوله (( أن أقيموا الدين ، ولاتتفرقوا فيه ، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه )) وإنما يكبر على المشركين ، وهم المعددون ، أن يدعوا إلى التوحيد . وهو ما يحصل دائما ، وانعكاس التوحيد في التشريع هو الذي يعرض التشريع للمعارضة ، ذلك لأن النفوس لا حظ لها في التوحيد.
الإسلام كدين بدأ ظهوره بظهور الفرد البشري الأول ، وقد تحدثنا عن ذلك في الفصل الذي عقدناه عن علاقة الفرد بالمجتمع وهو ، يحاول في قمته أن يصاقب الإرادة الإلهية . وقد تحدثنا عن ذلك في الحديث عن الأمر التكويني والأمر التشريعي ، فهو إذن له بداية ، وليست له نهاية ، لأن نهايته عند الله ، (( إن الدين عند الله الإسلام )) .
بدأ ظهور هذه الفكرة الواحدة في الوثنيات البدائية المتفرقة ، ثم أخذت تتقلب في مراقي التطور حتى ظهرت الوثنيات المتقدمة ، واطرد بها التقدم حتى ظهرت صور ديانات التوحيد الكتابية ، بظهور اليهودية وظهور النصرانية ، ثم توج ذلك ببعث محمد ، وبإنزال القرآن الكريم . وهذه الفكرة الواحدة ذات شكل هرمي ، قاعدته أحط الوثنيات التعدديات ، وأكثرها تعديدا ، وقمته عند الله ، حيث الوحدة المطلقة ، والاختلاف ، كما هو واضح ، بين القاعدة والقمة اختلاف مقدار ، وليس اختلاف نوع .
وهذه الفكرة الواحدة نبتت في الأرض ، كما نبتت الحياة بين الماء والطين ، وظلت متجاذبة بين أسباب السماء وأسباب الأرض ، وكلما ألمت بها أسباب السماء رفعت قمتها إلى قمة ، ثم إذا ألمت بها أسباب الأرض أخذت قمتها تتطامن نحو القاعدة ، حتى تطمئن ، فتتسع القاعدة ، وتنحط القمة . واتساع القاعدة هذا ، إنما هو استعداد لارتفاع القمة ، إلى قمة جديدة ، أعلى من سابقتها ، عند إلمامة أسباب السماء المستأنفة . وإلمامة السماء في الأوج نسميها زمن بعثة ، وإلمامة الأرض في الحضيض نسميها زمن فترة . وهكذا ظلت هذه الفكرة الكبيرة تسير في مراقي الاكتمال كما تسير الموجة بين قمة وقاعدة ، وكل قمة أعلى من سابقتها ، وكل قاعدة أوسع من سابقتها ، إلى أن التحقت الأرض بأسباب السماء ، أو كادت . فاستقر وحي السماء إلى الأرض ، بين دفتي المصحف ، على الأرض ، ولكنه لا يزال ينتظر التطبيق .

الثالوث الإسلامي


بمجئ موسى ونزول التوراة على بني إسرائيل دخلت الفكرة الإسلامية في طور جديد ، وهو طور ما يسمى بالأديان الكتابية ، وهي اليهودية والنصرانية ، والإسلام - فالتوراة لليهود ، والإنجيل للنصارى ، والقرآن للمسلمين . وهذا الطور الجديد ، الذي دخلته الفكرة الإسلامية بمبعث موسى ، تميز بالتوسع في التشريع الديني بصورة لم يسبق لها مثيل ، وجميع التشاريع تنسب للرب عن طريق الوحي الملائكي لموسى ، وقد اتجه التشريع الديني ، الموحى به من الرب الواحد ، إلى تنظيم حياة المجتمع ، في كل كبيرة وصغيرة ، وبصورة جماعية واسعة . ولقد تعانقت عقيدة التوحيد مع شريعة التنظيم على هذا المدى الواسع لأول مرة في التاريخ. ثم جاء عيسى بالإنجيل ، ثم اكتمل الثالوث الإسلامي بمبعث خاتم النبيين ، والقرآن يحدثنا عن ذلك فيقول (( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ، يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، للذين هادوا ، والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله ، وكانوا عليه شهداء ، فلا تخشوا الناس ، واخشوني ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص ، فمن تصدق به فهو كفارة له ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون * وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم ، مصدقا لما بين يديه من التوراة ، وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون * وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ، مصدقا ، لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ، فاحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ، فاستبقوا الخيرات ، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون )) .
ولقد بعث موسى في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وكان المجتمع بدائيا غليظا ، وكان الفرد شكسا، سئ الخلق ، وكان قريب عهد بقانون الغابة ، فدعته التوراة إلى الإنصاف - إلى المعاملة بالمثل - النفس بالنفس ، والعين بالعين - لتكون شريعته ، وتلطفت فرغبته ، من بعيد ، في العفو . فقالت ، فيما حكاه عنها القرآن ، (( فمن تصدق به فهو كفارة له )) . من تصدق بالقصاص على المعتدي ، فلم يقتص منه ، فإن الله يعوضه من فضله عما أصابه . فذلك قول القرآن ، حين قال : (( فيها هدى ونور )) فإن الهدى الشريعة ، والنور الأخلاق .. والأخلاق هي الطرف الرفيع من الشريعة ، وهي تخرج عن إلزام الشريعة إلى تطوع كل فرد على حدة .
وإنما طالبت التوراة بالقصاص ، وكادت أن تقتصر عليه ، لأنه أقرب إلى طبيعة النفس البشرية البدائية ، التي مردت على الشكاسة ، والاعتداء ، فلا يرجى منها كثير في باب العدل ، بله العفو . ولقد كان بنو إسرائيل كلما دعوا إلى واضحـة نكصوا عنها . وإنهم لفي عنفوان دينهم ، وموسى بين ظهرانيهم ، ونصرة الله إياهم على عدوهم لا تزال ماثلة ، حين حنوا لعبادة العجل ، وهذا القرآن يقص علينا من أخبارهم (( فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ، فقالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه ، وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ؟ )) فسكتوا عن غير اقتناع ولا إيمان ، فلما ذهب موسى لميقات ربه ، وخلف على قومه هارون أخاه ، اتخذوا العجل ، وقالوا هذا إلهكم ، وإله موسى ، فقال تعالى عنهم في ذلك (( أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً ؟ * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى )) ..
والمشاهد كثيرة في القرآن التي تتحدث عن غلظة اليهود ، وعن كثافتهم ، وكيف أنهم كلما دعوا إلى رفعة أخلدوا إلى الأرض ، وهذا أمر طبيعي في ذلك الطور المتقدم من أطوار النشأة ، وهم ، على ما كانوا عليه ، قد كانوا صفـوة زمانهم .. (( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين )) وإنما هم آل إبراهيم ، وهم أيضا آل عمران .. (( ذرية بعضها من بعض ، والله سميع عليم )).
ومهما يكن من الأمر، فقد جاءت تشاريع التوراة في طرف البداية ، ولم يتخلص اليهود ، لدى التطبيق ، من الوثنيات التي عاصروها في مصر زمنا طويلا ، مما زادها إيغالا في البدائية .
ثم جاء المسيح بتشريع يشد الناس إلى طـرف النهاية حتى لكأنه رد فعل ، وهو من غير شك كذلك . وهذا أمر يدركه كل عابد مجود ، فإنك في بداية عبادتك تكون نفسك صماء ، لأن روحك تكون منكدرة بظلماتها ، فإذا ما أخذت بأساليب العبادة النبوية الأحمدية ، فصمت صياما صمديا لثلاثة أيام وليلتين ، أو لسبعة أيام وست ليال ، مع موالاة الصلاة ، وبخاصة صلاة الثلث الأخير من الليل ، فإنك تبدأ تشعر بأن نفسك أخذت تشد إلى الطرف الآخر ، فإذا ثابـرت على موالاة هذا النهج الأحمدي لمدة كافية ، فإن روحك ، بعد أن كانت مطوية تحت جناح نفس كثيفة مظلمة ، تنطلق ، في لطف وخفة ، إلى شاطئ الوادي الأيمن ، وتظل أنت ، كبندول الساعة ، تتأرجح بين أقصى الشمال ، وأقصى اليمين . ويكون مثلك الأعلى أن تثبت في الوسط ، وهيهات ! هيهات! فإن ذلك مقام (( ما زاغ البصر وما طغى)).
هذا الأمر الذي يجري للفرد العابد المجود ، من بروز ثالوثه ، هو ما حصل للإنسانية المجاهدة ، في هذا الأمد الطويل ، ببروز ثالوثها ، من الأديان الثلاثة .. اليهودية والنصرانية والإسلام .. ذلك بأن تاريخ الفرد البشري يحكي تاريخ المجتمع البشري برمته .. وهذا هو السر في أن المسيح جاء بروحانية مفرطة في مقابل مادية مفرطة (( الأولى من الافراط والثانية من التفريط )) - وجد عليها اليهود . ولقد قال المسيح لتلاميذه (( لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس ، أو الأنبياء .. ما جئت لأنقض بل لأكمل )) وهذا ما أشار إليه القرآن بقوله من الآيات السوالف (( وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم ، مصدقا لما بين يديه من التوراة ، وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وهدى وموعظة للمتقين )) فهو مصدق لما بين يديه من التوراة ، وإنجيله مصـدق لما بين يديه من التوراة ، فهو لا ينقض ، وإنما يكمل ، كما قال ، ومعنى يكمل أنه يطور ، ويمدد المعاني ، التي قصر بها حكم الزمن ، عن بلوغ غاياتها ، إلى غاياتها أو تكاد .
اسمعه وهو يعلم تلاميذه فيقول : (( سمعتم أنه قيل عين بعين ، وسن بسن ، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا )) ولقد بعث المسيح في وقت كانت السلطة الزمنية فيه ، على اليهود ، للرومان ، وكانت الشريعة اليهودية معطلة ، في بعض جوانبها ، من جراء ذلك ، فجاءت دعوة المسيح وكأنها ، من الناحية العملية ، لا تعنى بتنظيـم حياة المجتمع ، وإنما تقـدم وصايا خلقية ، ومد في هـذا المظهـر كـون السيد المسيح لم يعمـر طويلا ، فإنـه لـم يلبث في الدعوة إلا ثلاث سنوات .
والحق أن تشريع اليهود هو تشريع النصارى، إلا حيث تناوله المسيح بالتطوير، ففي هذه الحالة يصبح تشريع النصارى قد جدد من تشريع اليهود، بالنص الوارد عن المسيح. وهذا الأمر غير مدرك وغير معمول به عند النصارى.
((وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور )) وهدى هنا أيضا تعني شريعة ، ونور تعني أخلاق . والإنجيل أدخل في الأخلاق من التوراة ، ولذلك فإنه قد جعل العفو شريعته ، وبها جاء أمر رسوله ، وحين قال المسيح: (( سمعتم أنه قيل عين بعين ، وسن بسن )) فإنه قد جاء بطرف البداية ، وهو طرف التفريط في الروح ، وحين قال (( أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا )) قد جاء بطرف يشبه النهاية ، وهو طرف الإفراط في الروح .
ثم جاء الإسلام ، على عهد محمد ، بين طرفي الافراط والتفريط ، فكأنه من (( ثالوث الإسلام )) مقام (( ما زاغ البصر ، وما طغى )) من ثالـوث القـوى المودعة في البنية البشرية ، قال تعالى في هذا (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ، ويكـون الرسول عليكم شهيدا )) .. (( أمة وسطا )) بين الافراط والتفريط ، و (( لتكونوا شهداء على الناس )) يعني لتكون فيكم كل الخصائص التي يلتقي عندها الناس ، وقوله (( أهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين )) فالصراط المستقيم هو الوسط بين الطرفين اللذين يكون في أحدهما غضب الله ، وهو طرف التفريط ، وفي ثانيهما الضلال ، وهو طرف الافراط في الروحانية . ومعنى (( الذين أنعمت عليهم )) المسلمون ، وإلى ذلك الإشارة بقوله (( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا )) ولما كان الإسلام الذي جاء به محمد وسطا بين اليهودية والنصرانية ، فإن القرآن قد جاء في سياقه بالجمع بين خصائص اليهـودية ، وخصائص النصـرانية ، وذلك حيـن يقـول ، مثلا : (( وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فمن عفا ، وأصلح فأجره على الله ، إنه لا يحب الظالمين )) فقوله (( جزاء سيئة سيئة مثلها )) يقابل قول التوراة الذي حكاه المسيح حين قال (( عين بعين ، وسن بسن )) وهو لا يحكيه تماما ، وإنما فيه تطوير ، ينفر من القصاص ، ليمهد للعفو ، وذلك بما يسمي عمل المقتص ممن اعتدى عليه (( سيئة )) . وقوله (( فمن عفا ، وأصلح ، فأجره على الله ، إنه لا يحب الظالمين )) يقابل قول الإنجيل الذي حكاه المسيح حين قال (( وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا )) وهو لا يقابله تماما . فإن قول القرآن أبلغ من عبارة الإنجيل هذه ، في التسامح ، وللمسيح قولة أخرى تقابل (( فمن عفا وأصلح فأجره على الله )) ، وذلك حيث يقول (( أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم )) ..
وكون الإسلام وسطا بين طرفين ، طرف البداية وطرف النهاية ، وجامعا لخصائص الطرفين، جعل الإسلام نفسه ذا طرفين : طرف أقرب إلى البداية ، وطرف أقرب إلى النهاية .. وهذا شأن كل وسط بين طرفين ، فهو كالولد يجئ جامعا لخصائص الوالد ، وخصائص الوالدة ، على نسب قد تتفاوت ، ولكنها لا تنعدم .
فإذا كان هذا الحديث صحيحا ، وهو صحيح ، بلا أدنى ريب ، فإن له أثرا بعيدا في مستقبل الفكر الإسلامي ، ذلك بأنه يعني أن الإسلام ، كما جاء به القرآن ، ليس رسالة واحدة ، وإنما هو رسالتان: رسالة في طرف البداية ، أو هي مما يلي اليهودية ، ورسالة في طرف النهاية ، أو هي مما يلي المسيحـية ، وقد بلغ المعصوم كلتا الرسالتين ، بما بلغ القرآن وبما سار السيرة ، ولكنه فصل الرسالة الأولى بتشريعه تفصيلا ، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا ، اللهم إلا ما يكون من أمر التشريع المتداخل بين الرسالة الأولى ، والرسالة الثانية ، فإن ذلك يعتبر تفصيلا في حق الرسالة الثانية أيضا ، ومن ذلك ، بشكل خاص ، تشريع العبادات ، ما خلا الزكاة ذات المقادير .