((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب الخامس: الطلاق ليس أصلا في الإسلام - الحجاب ليس أصلا في الإسلام - المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه ليس أصلا في الإسلام

الطلاق ليس أصلا في الإسلام


والأصل في الإسلام ديمومة العلاقة الزوجية بين الزوجين ، ذلك بأن زوجتـك إنما هي صنو نفسك . هي انبثاق نفسك عنك خارجك . هي جماع آيـات الآفاق لك في مقابلة نفسك ، على فحوى آية: ((سنريهم آياتنا في الآفاق ، وفي أنفسهم ، حتى يتبين لهم أنه الحق)) ولكنا لا نملك النور الذي به نختار في الزواج نصفنا الآخر ، اختيارا صحيحا.. مثلنا في ذلك يقرب منه مثل الأعمى الذي يجلس وبين يديه ((خوابير)) بعضها مربع ، وبعضها مستطيل ، وبعضها مثلث ، وبعضها مبـروم ، وبعضها نصف دائرة ، وبعضها قطاعات دائرة على أحجام مختلفة ، وأمامه سطح عليه ((أخرام)) يناسب كل منها ((خابورا)) من ((الخوابير)) التي بين يديه ، فهو يحاول أن يضع ((الخابور)) المناسب في ((الخرم)) المناسب ، فيتفق له ذلك حينا ، ويعييـه أحيانا ، بل قد يعجـز عجـزا تاما عن التوفيـق التام بين ((الخابور)) و ((الخرم)) . وفي الحق ، أن هذا المثل لا ينطبق تمام الانطباق على حالة اختيارنا الزوجة ، بل أن الأعمى ، في هذا المثل ، أقرب إلى التوفيق ، والتسديد ، من أحدنا وهو يمارس تجربة الاختيار هذه . فإذا أخطأ أحدنا فوضع ((خابورا)) نصف دائري في ((خرم)) مربع ، مثلا ، فإنه يحتاج الى فرصة ثانية ليعيد التجربة من جديد ، وإنما شرع الطلاق ليعطينا هذه الفرصة الثانية .
عندما سقط آدم بالخطيئة ، وحواء ، وأخرجا من الجنة ، هبط كل منهما ، في مكان في الأرض ، منعزلا عن صاحبه ، وطفقا يبحثان: آدم عن حواء ، وحواء عن آدم ، وبعد لأي ، وجد آدم حواء ، ولم يجدها . ووجدت حواء آدم ، ولم تجده . ومنذ ذلك اليوم وإلى يومنا هذا ، يبحث كل آدم عن حوائه ، وتبحث كل حواء عن آدمها . وأبواب الضلال واسعة ، وأبواب الرشاد ضيقة ، ولكنا ولله الحمد ، في كل يوم نستقبل مزيدا من النور ، به تضيق دائرة الضلال ، وتنداح دائرة الرشاد . ونور الإيمان لا يكفي - وهو لم يكف المؤمنين من قبل - لتمام التسديد في الاختيـار . فإذا أتم الله نوره ، فأشرقت شمس الإسلام ، فيومئذ لا يقع خطأ في الاختيار ، مما يحتاج إلى التصحيح بتشريع الطلاق ، فالنظائر قد التقت بالنظائر والشكول ضمت إلى الشكول .. ((قد علم كل أناس مشربهم)) .. فالزواج في الإسلام علاقة أزلية سابقة للزواج في الشريعة ، وما الزواج في الشريعة إلا محاولة للوصول لتلك العلاقة التي كانت بين آدم وحواء ، حين أخذت حواء من آدم ((يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به ، والأرحام ، إن الله كان عليكم رقيبا)) وما الطلاق إلا فرصة الخطأ التي أتيحت للشريكين ليتعلما ، فيستغنيا عن الخطأ ، فتسقط في حقهما شريعة الطلاق بعدم الحاجة إليها .

الحجاب ليس أصلا في الإسلام


والأصل في الإسلام السفور .. لأن مراد الإسلام العفة .. وهو يريدها عفة تقوم في صدور النساء والرجال ، لا عفة مضروبة بالباب المقفول ، والثوب المسدول . ولكن ليس الى هذه العفة الغالية من سبيل إلا عن طريق التربية والتقويم . وهـذه تحتاج إلى فترة انتقال لا تتحقق أثناءها العفة إلا عن طريق الحجاب ، وكذلك شرع الحجاب . فكأن الأصل ما كان عليه آدم وحواء قبل أن يزلا: ((ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، فكلا من حيث شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ، وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ، أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور ، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، وناداهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ؟ * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ، وإن لم تغفر لنا ، وترحمنا ، لنكونن من الخاسرين * قال اهبطوا ، بعضكم لبعض عدو ، ولكم في الأرض مستقر، ومتاع إلى حين * قال فيها تحيون ، وفيها تموتون ، ومنها تخرجون * يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم ، وريشا ، ولباس التقوى ، ذلك خير ، ذلك من آيات الله ، لعلهم يذكرون * يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ، ينزع عنهما لباسهما ، ليريهما سوآتهما ، إنه يراكم ، هو وقبيله ، من حيث لا ترونهم ، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون)) قوله ((ليبدي لهما)) يعني ليظهر لهما .. قوله ((ما ووري عنهـما)) يعني ما غطي عنهـما بلباس النـور.. ((من سوآتهما)) مـن عوراتهما .. قوله ((فدلاهما بغرور)) نصحهما بباطل ، وكذب ، حتى تـورطا في الخطيئة ، فلما سقطا ((بدت لهما سوآتهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة)) فأخذا يستران عوراتهما بورق التين ، ومن يومئذ بدأ الحجاب . فهو نتيجة الخطيئة ، وسيلازمها حتى يزول بزوالها ، إن شاء الله . وفي ذلك قوله تعالى ((يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم)) ، وهو يعني قد خلقنا لكم ، وفرضنا عليكم لبس ثياب القطن والصوف وغيرهما مما يواري عوراتكم .. وقوله ((ولباس التقوى)) يعني لباس التوحيد ، والعفة ، والعصمة المودعة في قلوبكم ، قوله ((ذلك)) يعني لباس العفة ((خير)) من لباس القطن .. ((ذلك)) يعني لباس القطن .. ((من آيات الله)) من حكمته في تشريعه .. وكل المعنى في قـوله تعالى ((لعلهم يذكرون)) ويعني لعل الناس يذكرون حالة الطهر ، والبراءة والعفة ، التي كان عليـها أمرهم قبل الخطيئة ، فتكون منهم الرجعى .
والآية الأخيرة واضحة الدلالة على ما ذهبنا اليه في أمر الحجاب .. والسفـور في الإسلام اصل لأنه حرية .. وقد أسلفنا القول بأنه ، في الإسلام ، الأصل في كل إنسان أنه حر، إلى أن يسئ التصرف في الحرية ، فتصادر حريته بقانون دستوري .. وقد سلفت الإشارة إلى القانون الدستوري .. اقرأ في حكمة الحجاب قوله تعالى ((واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ، حتى يتوفاهن الموت ، أو يجعل الله لهن سبيلا .)) إذا توفرت الأدلة على اعوجاج سلوكها بما لا يرقى إلى الحد تصادر حريتها بحرمانها من حقها في حرية السفور ، وتحبس في المنزل ((حتى يتوفاهن الموت)) إن لم يبد من احداهن أنها قد انتفعت بالعقوبة ، وأنها استقامت ، مما يجعلها مرجوة لحسن التصرف في السفور .
فالحجاب عقوبة حكيمة على سوء التصرف في حرية السفور . هـذا في الأصل الإسلامي . ولكنه ، في التشريع الحاضر ، يمثل مصادرة مستمرة لحرية السفور ، لأن الشارع أراد به الى سد الذريعة ، حماية للقصر من مسئولية باهظة ، وثقيلة ، لا ينهض بها المؤمنون ، وإنما ينهض بها المسلمون ، وما لهؤلاء شرع .

المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه ليس أصلا في الإسلام


وما يقال عن السفور يقال عن الاختلاط ، فان الأصل في الإسلام المجتمع المختلط ، بين الرجال والنساء ، ثم هو مجتمع سليم من عيوب السلوك التي إيفت بها المجتمعات المختلطة الحاضرة .
هذه جميعها مجرد أمثلة سيقت على سبيل إظهار الفرق بين الأصل والفرع ، وللتدليل على أن الرسالة الأولى ، إنما هي تنزل عن الرسالة الثانية ، لتناسب الوقت ، ولتستوعب حاجة مجتمعه ، ولتتلطف بالضعف البشري يومئذ ، وفيها في ذلك غناء.