ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب السادس: الرسالة الثانية

الباب السادس


الرسالة الثانية


الرسالة الثانية هي الإسلام ، وقد أجملها المعصوم إجمالا ، ولم يقع في حقها التفصيل إلا في التشاريع المتداخلة بين الرسالة الأولى وبينها ، كتشاريع العبادات ، وكتشاريع الحدود ، قال تعالى (( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا )) هذا اليوم يوم عرفة ، من حجة الوداع ، في السنة الثامنة من الهجرة ، وقد كان يوم جمعة . وهذه الآية هي آخر ما نزل من القرآن .. وهي قمة رسالات السماء .
وهو إنما رضي لنا الإسلام دينا لنرضاه ، فان أمراً لا يبدأ من طرفه هـو ، لا يبدأ من طرفنا نحن .. قال تعالى (( ثم تاب عليهم ليتوبوا )) .
وقد ظن كثير من الناس أن قوله تعالى (( اليوم أكملت لكم دينكم )) تعني أن الإسلام كمل عند الناس ، وانتهى الى قمة كماله يومئذ . وهؤلاء ، حين يقرأون قوله تعالى (( وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم )) يعتقدون أن تبيين القرآن قد تم ، وليس هناك أمر هو أبعد من الصواب من هذا الرأي .. فالقرآن لم يبين منه بالتشريع ، وبالتفسير ، إلا الطرف الذي يناسب الوقت الذي جرى فيه التبيين ، ويناسب طاقة الناس ..
والقرآن لا يمكن أن يتم تبيينه . والإسلام ، كذلك ، لا يمكن أن يكمل . فالسير في مضماره سير سرمدي . (( إن الدين عند الله الإسلام )) و (( عند )) ، هنا ، ليست ظرف زمان ، ولا هي ظرف مكان ، وإنما هي خارج الزمان ، والمكان .. فالسير بالقرآن في مضمار الإسلام سير إلى الله في إطلاقه .. وهو بذلك لم يتم تبيينه ، ولن يتم ، وإنما تم إنزاله بين دفتي المصحف .. تم إنزاله ، ولم يتم تبيينه ..
ومن ههنا يفهم الفرق بين (( أنزلنا )) و (( نزل )) من الآية (( وأنزلنا إليك الذكر لتبيـن للناس ما نزل اليهم ، ولعلهم يتفكرون )) فان الفهـم العام ، عنـد العلماء ، أنهما مترادفتـان ، وما هما بـذاك .. و (( ما )) في جملة (( ما نزل اليهم )) لا تعود إلى الذكر ، وإنما تعود إلى جزء من الذكر ، ينصب عليه الأمر بالتبيين ، وهو ما يخص الرسالة الأولى .. إلا ما يكون متداخلا بينها وبين الرسالة الثانية .
ويحسن أن نذكر هنا أن القرآن قد نزل مثاني .. وفي ذلك يقول تعالى (( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ، مثاني ، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، ثم تلين جلودهم ، وقلوبهم إلى ذكر الله ، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ، ومن يضلل الله فما له من هاد )) ومعنى (( متشابها )) قائمة قرينة الشبه بين أسفله وأعلاه ، وبين وجهه وقفاه ، وبين ظاهره وباطنه . ومعنى (( مثاني )) أنـه ذو معنيين ، معنيين . معنى بعيد عند الرب ، ومعنى قريب تنزل للعبد .. والقرآن كله مثاني .. كل آية منه ، وكل كلمة فيه ، بل وكل حرف من كل كلمة .. والسر في ذلك أنه حديث صادر من الرب مخاطب به العبد .. والشبه الذي فيه هو الشبه الذي قام بين الرب والعبد ، وعبر عنه المعصوم بقوله (( إن الله خلق آدم على صورته )) وعبر عنه تبارك وتعالى (( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة )) وتلك النفس الواحدة إنما هي نفسه ، تبارك وتعالى ..
فكلمة الإسلام ، مثلا ، لها معنى قريب هو الذي عبر عنه القرآن بقوله تعالى (( قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ، ولكن قولوا أسلمنا ، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم )) .. وهذا هو الذي أسميناه الإسلام الأول وقلنا أنه لا عبرة به عند الله . وللاسلام معنى بعيد ، وهو مركوز عند الله ، حيث لا حيث .. وهو بمعناه البعيد قد أشار اليه سبحانه وتعالى حين قال (( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )) . ومعلوم أنه لا يتقي الله حق تقاته إلا الله ، وهو ، من ثم ، نهج معراج إلى الله ذي المعارج ، في مقام عزه ، بالعبودية ، والتذلل ، والاستسلام .. والعبـودية لا تتناهى .. فهي كالربوبية تماما .. والعبودية المطلقة لله تقتضي العلم المطلق بالله . وهذا لا يكون الا لله عز وجل (( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله )) فالغيب هنا يعني الله .. فكأنه قال ، لا يعلم الله إلا الله ، ولقد تحدثنا في رسالة الصلاة كيف أن العبودية هي الحرية مما لا سبيل إلى إعادته هنا .. فليرجع اليه .
والإسلام إنما كان نهج معراج إلى مقام العبودية بفضل القرآن . وهو كتابه المسلك في مراقيه . وهذا التسليك هو ما من أجله أنزل القرآن ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى (( ولقد يسرنا القرآن للذكر ، فهل من مدكر )) . وهو إنما يذكرنا بالعبودية التي أقررنا على أنفسنا بها ، ثم نسيناها ، وذلك حيث قال تعالى عنا (( وإذ أخذ ربك من بني آدم ، من ظهورهم ، ذريتهم ، وأشهدهم على أنفسهم ، ألست بربكم ؟ قالوا بلى! شهدنا ، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا ، إنما أشرك آباؤنا من قبل ، وكنا ذرية من بعدهم ، أفتهلكنا بما فعل المبطلون * وكذلك نفصل الآيات ، ولعلهم يرجعون)) لعلهم يرجعون إلى الله بالعبودية والاستسلام .. بالإسلام .
ولما كان القرآن هو منهاج السلوك إلى الله ، (( قلنا اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) ، والقرآن هو هذا الهدى ، فقد أصبح أوله عند الله ، وآخره عندنا . فإن نحن أحسنا السلوك في مدارجه استرجعنا الفردوس الذي فقدناه بخطيئة آدم ، وارتقينا المراقي في الإطلاق .. قال تعالى عن القرآن (( ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه ، هدى للمتقين )) وقال عن المتقين المهتدين بالقرآن (( إن المتقين في جنات ، ونهر ، في مقعد صدق ، عند مليك مقتدر )) وهذه درجات : أولها الجنات ، ثم النهر ، ثم مقعد الصـدق ثم عند مليك مقتـدر ، وذلك (( عنـد لا عنـد )) و (( حيث لا حيث )) . وهذه الدرجات تتفاوت من الجنات الحسية ، وهي الفردوس المفقود بالخطيئة ، إلى المطلق في إطلاقه ، وإلى كل أولئك يهدي القرآن ، فهو لا يستنفد . (( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ، ولو جئنا بمثله مددا )) ومن أجل هذا فإنه باطل ، زعم من زعم أن القرآن يمكن أن يستقصى تبيينه .. ذلك بأن القرآن هو ذات الله .. وهذه الذات تنزلت ، بمحض الفضل ، إلى مدارك العباد ليعرفوها ، فكانت القرآن في تنزلاته المختلفة : الذكر ، والقرآن ، والفرقان . وفي منزلة الفرقان هذه انصب في قوالب التعبير العربية ، واستعملت هذه القوالب أبلغ استعمال لتشير الى منزلتي القرآن ، والذكر .. والقرآن انما انصب في قوالب التعبير العربية لنتمكن نحن من الفهم عن الله .. قال تعالى في ذلك : (( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون )) ولقد ورطت هذه الآية ، وأخواتها كثيرا من علماء المسلمين في الخطأ ، فظنـوا أن القرآن عـربي بمعنى أنه يمكن أن يستقصى فهمه من اللغة العربية ، ومن معرفة أساليبها ، وما هو بذاك ، ولقد تحدثنا عن ذلك عند حديثنا عن السور المفتتحة بأحرف التهجي ، فليراجع هناك .
ولما كان الإسلام بهذا السموق ، فإنه لم يتفق لأمة من الامم الى اليوم . والأمة المسلمة لم تظهر بعد . وهي مرجوة الظهور في مقبل أيام البشرية . وسيكون يوم ظهورها يوم الحج الأكبر ، وهو اليوم الذي يتم فيه تحقيق الخطاب الرحماني بقوله تعالى : (( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا )) .
ولقد كان محمد يومئذ طليعة المسلمين المقبلين ، وهو كأنما جاء لأمته ، أمة المؤمنين ، من المستقبل ، فهو لم يكن منهم ، فقد كان المسلم الوحيد بينهم (( قل إن صلاتي ، ونسكي ، ومحياي ، ومماتي ، لله رب العالمين * لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين )) . ولقد كان أبوبكر ، وهو ثاني اثنين ، طليعة المؤمنين .. وكان بينه وبين النبي أمد بعيد . وإلى المسلمين ، الذين يجيئون في مقتبل أيام البشرية ، أشار حديث المعصوم ، حين قال : (( واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد ! )) فقال أبوبكر (( أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ )) قال (( بل أنتم أصحابي ! )) ثم قال ثانية : (( واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد ! )) فقال أبوبكر(( أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ )) قال (( بل أنتم أصحابي ! )) ثم قال ثالثة : (( واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد ! )) قالوا (( من إخوانك يا رسول الله ؟ )) قال (( قوم يجيئون في آخر الزمان ، للعامل منهم أجر سبعين منكم )) قالوا (( منا أم منهم ؟ )) قال (( بل منكم )) قالوا (( لماذا ؟ )) قال (( لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون على الخير أعوانا )) .