لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب السادس: المساواة الاجتماعية: محو الطبقات والفوارق

المساواة الاجتماعية: محو الطبقات والفوارق


هذه أصعب المساويات تحقيقا ، وتعتبر المساواة الاقتصادية ، والمساواة السياسية مقدمة لها ، وهي تتويج لهما ، وخلاصة ، وقمة .
وهي لم تتحقق للإنسانية إلى يوم الناس هذا ، ولن تتحقـق في المستقبل إلا بالجهد الشاق ، والتربية ، والتعليم ، لتصحيح ، وتغيير ما هو كالطبيعي في المسلك الإنساني . وهي بذلك أرقى إنتاج المدنية في جميع العصور . إذ المدنية إن هي إلا محاولة تبعد الانسان عن نزعاته الحيوانية الدنيئة ، وتقوده إلى مستوى أعلى من الخلق ، حيث يستبدل قانون الغابة - قانون العنف ، والسيطرة بالقوة - بقانون العدل ، والحق ، والمرحمة - فيدخل بذلك التحسين في نوع العلاقات البشرية ، فيحل الرضا محل القوة ، والعدالة محل الاستغلال ، والحرية محل الكبت ، والعاطفة المتسامية بالعقل القوي ، محل العاطفة الناضبة .
وشأننا مع هذه المساواة في هذا الكتاب شأننا مع سابقتيها وهو إرجاء الاستقصاء إلى موعده من كتاب (( الإسلام ديمقراطي اشتراكي )) حيث نبحثها بحثا مستفيضا ولكن لا بد من الإشارة إليها هنا بما يحتمله المقام من تطويل .
موضوع المساواة الاجتماعية هو الفرد البشري ، كما كان الأمر في شأن المساواة الاقتصادية ، والمساواة السياسية .. فإن الفرد البشري ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرات ، هو الغاية وراء كل سعي جماعي .. هو غاية وسيلتها الإسلام والقرآن ، وهما أعظم الوسائل المنهجية على الإطلاق . ووسيلته أيضا المجتمع ، وهو أعلى ما أنتجته الإنسانية إلى اليوم . والفرد الذي هو غاية هو الفرد البشري ، من حيث هو بشري .. حتى وإن كان أحمق .. فإنه يجب أن لا يجعل وسيلة إلى شئ سواه .. ومن أجل ذلك وجب ألا تقوم بين الأفراد فوارق من جراء المولد ، أو العنصر ، أو اللون ، أو العقيدة ، أو الجنس من الذكورة والأنوثة . قال تعالى في ذلك : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، إن الله عليم خبير )) قوله (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) يعني إنما تكون الكرامة بالعلم والخلق .. فإن التقوى علم وعمل بمقتضى العلم ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى (( إن الله عليم خبير )).. (( عليم )) إشارة إلى العلم.. (( خبير )) إشارة إلى التصرف بالعلم . وقال المعصوم (( الناس لآدم وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) .
وعدم التمييز الاجتماعي ضد الضعيف ، ومحو الفوارق التي قامت على قانون الغابة بين الأفراد والطبقات هو عمل التمدين الأكيد ، فإذا وجدت مجتمعا للضعفاء فيه حق محفوظ ، وكرامة مرعية ، وإذا وجدت مجتمعا للنساء فيه حرية ، وحرمة ، وتشريف ، وللأطفال فيه حقوق ، وله بهم عناية ، وعليهم رحمة ، ولهم فيه محبة ، فاعلم أنه مجتمع متمدن ، ومتحضر .
والأسرة هي المجتمع الأول ، وفيها تعلم ، ولا يزال يتعلم ، الفرد النظام ، والسلوك الاجتماعي النظيف ، واحترام القانون ، وتوقير السلطة ، والتعاطف ، والتسامح ، والمحبة .. ولا تزال للأسرة مقدرتها الفائقة على تربية الأفراد التربية التي تكون بعيدة الأثر ، على حياتهم الفردية ، وحياتهم في مجتمعهم الصغير ، وفي مجتمعهم الكبير ، حين يبرزون إليهما ، وعماد الأسرة الأم ، وهي ملكة المملكة الصغيرة ، ولكن مع شديد الأسف فإن الاعتراف بها لم يتفق للاسرة البشرية إلى اليوم . فإنها كانت ، ولا تزال ، مضطهدة . وكان ، ولا يزال ، دورها في بيتها دور الخادمة .. ولهذا الوضع سود العواقب على تنشئة الأطفال ، مما يترك عميق الأثر في حياة المجتمع برمته وفي جميع مستوياته .
ولقد أسلفنا القول في هذا الكتاب عن أمر المساواة المطلقة بين الرجال والنساء مما لا نحتاج إلى إعادته في هذا الموضع ، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن أمر المساواة الاجتماعية لا يجئ عفوا ، وكأمر طبيعي للتطور . بل لا بد فيه من التخطيط ، والتطوير الذكي للمجتمع ، ذلك بأنه يحتاج إلى تعليم ، ويحتاج إلى تربية .. والتعليم غير التربية ، فإن غرض التعليم إكساب الفرد الخبرة المهنية التي تجعله مفيدا للمجتمع في الميدان الذي خلق وهو مستعد له بما ركز في فطرته من موهبة .. وهو ضروري ليسلح الأفراد بالقدرات العلمية ، والفنية ، والادارية ، والتكنولوجية ، لتنمية حضارة مجتمعهم ، وللتسامي بها في مراقي الكفاءة والكفاية . وفي التعليم يقع التخصص ، ويقع التمييز ، ويسود الاتجاه إلى التخطيط لإنجاب حاجة المجتمع - فيه يقع التمييز بين الرجال ، والنساء ، ويقع التمييز بين الرجال ، والرجال أيضا ، ذلك بأنه إنما يرمي إلى تنمية ، وتغذية الموهبة عند كل موهوب ، حتى يخدم مجتمعه في الميدان الذي خلق وهو مستعد له استعداداً فطرياً ، بيد أن هذا التمييز الذي يقع في ميادين الاعداد لخدمة المجتمع المدنية لا يحمل معه أي امتياز اجتماعي ترتفع به ، تلقائيا ، مكانة فرد فوق فرد آخر .. وفي هـذه النظرة ، التي تتجه إلى إعداد المواطنين إعدادا مهنيا بواسطة برامج التعليم الموجه ، قيمة المرأة غير قيمة الرجل ، ولكنها قيمة مساوية لقيمته .. بمعنى أن المرأة ، حين تعد لتكون أماً ، بأن تعلم كل ما يؤهلها لهذه الوظيفة الحيوية المتشعبة ، لا تقل خدمتها للمجتمع ، في نظر المجتمع ، عن خدمة أخيها الذي يعد ليكون مهندسا ، أو طبيبا ، أو مشرعا .. وليس لإعداد الأمومة الصالحة حد تقف عنده ، فإن الفتاة كلما علمت كلما زادت كفاءتها في ميدان الأمومة نفسها .. ومن أجل مصلحة المجتمع يجب أن يعلم كل فرد عملا يتقنه باليد وبالعقل ، وهو كذلك من مصلحة الفرد نفسه ، لأن الانسان لا تنضج قيمه الفكرية ، ولا قيمه الخلقية ، إلا إذا كان يحب العمل اليدوي ، ويتقن طرفا منه إتقانا حسنا ، ذلك بأن الترقي جميعه إنما هو علم ، وعمل بمقتضى العلم .. قال تعالى في ذلك (( إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه . )) كل هذه المسائل تدخل في غرض التعليم ..
وأما غـرض التربية فهو تحرير المواهب الطبيعية : العقل ، والقلب ، من أسر الأوهام ، والأباطيل .. فبسلامة القلب من الخوف ، وصفاء الفكر من الأوهام ، تتحقق حياة الفكر ، وحياة الشعور ، وهي غاية كل حي .. وهي مهمة التربية .. وللتربية وظائف كثيرة هي في جملتها نقل الانسان من الاستيحاش إلى الاستيناس ، حيث تصبح عاداته جميعها إنسانية ، ومهذبة .. فهو يأكل بطريقة إنسانية ، ويشرب بطريقة إنسانية ، وينام ، ويجلس ، ويتحدث ، ويتصرف في جميع شئونه ، العامة والخاصة ، بطريقة إنسانية ومهذبة ، فلا يعرض مباذله ، ولا يبدر منه ما يؤذي السمع ، ولا البصر ، ولا العقل ، ولا القلب .. وهو لا يبصق في الأماكن العامة النظيفة ، ولا يتبول ، ولا يتغوط ، في الأماكن العامة . ولا يرمي الأوساخ ، والقاذورات ، في الأماكن النظيفة على الطرقات . وهو ، على العموم ، يحاول ، بجهد الطاقة ، أن يترك كل شئ على صورة أحسن من التي وجده عليها .. ويجب أن يعده لكل أولئك التربية .. التربية في المدارس ، وفي النوادي ، وفي الأماكن العامة ، حيث يجري التثقيف ، والتعليم ، للشعب ، كل حين ، وبغير انقطاع ، وبكل وسائل الاعلام التي تستطيع الدولة أن توفرها ، من إذاعة ، وتلفزيون ، وسينما ، ومسرح ، وصحافة ، وكتب ، ومجلات ، ومحاضرات ، وأنواع التسجيل المختلفة ، لأنواع الفنون المختلفة ، حيث توجه الدولة كل إمكانات المجتمع لإنجاب الأفراد الناضجين ، وذلك بتوخي النهج التربوي السليم .. فإن مشاكل المجتمعات كون أغلبية الأفراد إما مراهقين ، أو أطفالا .. ويقل فيها الأفراد الناضجون الذين يقوون على مواجهة الحقيقة ، (( والأطفال يتابعون مبدأ اللهو ، وهو مبدأ يجعل الإنسان يتصرف مدفوعا بأهوائه ورغباته ، ويحاول أن يحقق أية رغبة عند ظهورها ، دون أن يوازن بين رغبة وأخرى وينفذها ، ويقترن الجري وراء هذا اللهو الوقتي المباشر بتجنب ما قد يسبب الفشل ، أو الألم ، أو الإنكار ، ومسلك كهذا ينشأ من الفشل في التمييز بين الرغبات المتنازعة على أساس معقول طويل المدى . وغالبا ما يحل التمني محل ما هو محتمل أو مرغوب فيه )) وليس هناك مخرج إلا عن طريق التربية .. والتربية ، بخلاف التعليم ، لا يقع فيها التخصص ، ولا التمييز بين الرجال والنساء ، وإنما هي حق أساسي لكل فرد بشري ، وهي تشمل حتى الأطفال ، ولا تحد إلا بطاقاتهم على التلقي ، والإدراك ، والتنفيذ . ولقد تحدثنا عن أسلوب الإسلام في التربية فيما سلف من هذا الكتاب مما لا موجب لإعادته ههنا .
والقاعدة الذهبية في التربية هي أن تضع الأفراد أمام المسئولية وأن تعينهم ، بكل الوسائل ، على تحمل المسئولية ، ذلك بأن غرض التربية هو إنجاب الأفراد الناضجين .. هو إنجاب الرجال ، من الأطفال ، ومن المراهقين ، الذين تعج بهم المجتمعات عجيجا .. والفارق بين الأطفال والمراهقين ، وبين الرجال هو أن الرجال يتصرفون بحرية ، ويتحملون مسئولية تصرفهم ، بينما الأطفال والمراهقون يتركون التصرف خوف المسئولية ، أو يتصرفون ويحاولون الهروب ، تحت الظلام ، من مسئولية تصرفهم .