لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب السادس: المساواة السياسية: الديمقراطية

المساواة السياسية: الديمقراطية


ولن نتحدث عن الديمقراطية بتطويل هنا ، فإن موعدنا بذلك السفر الذي سيخرج باسم (( الإسلام ديمقراطي اشتراكي )) فكما أن الاشتراكية هي ثمرة النزاع الطويل بين (( العندهم والماعندهم )) في الصعيد المادي ، فإن الديمقراطية هي أيضا نتيجة الصراع بين (( العندهم والماعندهم )) في الصعيد السياسي ، وهي تبتغي أن يكون الناس شركاء في السلطة ، كما هم شركاء في خيرات الأرض . والديمقراطية صنو الاشتراكية .. وهما معا يمثلان جناحي المجتمع .. فكما أن الطائر لا يستقل في الهواء على جناح واحد ، فكذلك المجتمع ، لا يستقل بغير جناحين من ديمقراطية واشتراكية . ولقد ظهرت الديمقراطية قبل الاشتراكية ، ذلك لأن الاشتراكية تحتاج إلى وعي جماعي أكثر مما تحتاجه الديمقراطية التي قد تقوم في بدايتها على قلة من المثقفين .. ثم إن الاشتراكية تحتاج ، كمقدمة لها ، إلى الرأسمالية النامية الغنية .. وهي أيضا وليدة الآلة، فلم يكن من الممكن أن تتقدمها .. ولم تجئ الآلة إلا مؤخرا .. هذا الحديث يعني الاشتراكية العلمية .. أما الاشتراكية الساذجة ، البدائية ، فإن نشأتها بعيدة في التاريخ ..
ولدت الديمقراطية في بلاد الاغريق ، وفي أثينا بالذات . وقـد كانت أثينا أرقى مدن الاغريق ثقافة . وكانت كل مدينة من تلك المدن حكومة قائمة بذاتها .. ولما كانت الدول الاغريقية التي تمثلها المدن صغيرة فقد كان من السهل على الشعب أن يمارس الحكم مباشرة عن طريق اجتماع أفراده ، وكانت ديمقراطيتهم بذلك الديمقراطية المباشرة التي لا تحتاج إلى مجلس نيابي ، ولا إلى مجلس تنفيذي ، على النحو الذي عرف مؤخرا ، وهي لم تكن تقوم على موظفين دائمين ، وإنما كان الموظفون ينتخبون كل عام .. وكثيرا ما كان الانتخاب يجري بالاقتراع ، وكان أهل أثينا يعتقدون أن الاشتراك في مناقشة ، وسياسة الشئون العامة ، حق لكل مواطن ، وواجب عليه ، (( لم يكونوا يعتبرون النساء والعبيد من المواطنين )) ، وكان بركليس أعظم الخطباء المتكلمين باسم الديمقراطية الأثينية ، وفي خطابه المعروف باسم خطبة الجنازة ، التي ألقاها في مناسبة الاحتفال الشعبي بدفن الذين قتلوا في الحرب ضد اسبارطة عام 430 قبل الميلاد ، قال في تصوير هذه الديمقراطية : (( إنما تسمى حكومتنا ديمقراطية لأنها في أيدي الكثرة دون القلة وإن قوانيننا لتكفل المساواة في العدالة للجميع ، في منازعاتهم الخاصة ، كما أن الرأي العام عندنا يرحب بالموهبة ويكرمها في كل عمل يتحقق ، لا لأي سبب طائفي ، ولكن على أسس من التفوق فحسب ، ثم إننا نتيح فرصة مطلقة للجميع في حياتنا العامة ، فنحن نعمل بالروح ذاتها في علاقاتنا اليومية فيما بيننا . ولا يوغرنا ضـد جارنا أن يفعل ما يحلو له ولا نوجه إليه نظرات محنقة ، قد لا تضر ، ولكنها غير مستحبة )) .
(( ونحن نلتزم بحدود القانون أشد التزام في تصرفاتنا العامة ، وإن كنا صرحاء ودودين في علاقاتنا الخاصة . فنحن ندرك قيود التوقير : نطيع رجال الحكم والقوانين ، لا سيما تلك القوانين التي تحمي المظلوم ، والقوانين غير المكتوبة التي يجلب انتهاكها عارا غير منكور . ومع ذلك فإن مدينتنا لا تفرض علينا العمل وحده طيلة اليوم . فما من مدينة أخرى توفر ما نوفره من أسباب الترويح للنفس - من مباريات وقرابين على مدار السنة ، ومن جمال في بيئتنا العامة ، يشرح الصدر ، ويسر العين ، يوما بعد يوم ، وفوق هذا فإن هذه المدينة من الكبر والقوة بحيث تتدفق عليها ثروة العالم بأسره ، ومن ثم فإن منتجاتنا المحلية لم تعد مألوفة لدينا أكثر من منتجات الدول الأخرى . ))
(( إننا نحب الجمال دون اسراف ، والحكمة في غير تجرد من الشجاعة والشهامة ، ونحن نستخدم الثروة ، لا كوسيلة للغرور والمباهاة ، وإنما كفرصة لأداء الخدمات . وليس الاعتراف بالفقر عيبا ، إنما العيب هو القعود عن أي جهد للتغلب عليه . ))
(( وما من مواطن أثيني يهمل الشئون العامة لإغراقه في الانصراف إلى شئونه الخاصة . والشخص الذي لا يعنى بالشئون العامة لا نعتبره (( هادئا وادعا )) وإنما نعتبره غير ذي نفع . ))
(( وإذا كانت قلة منا هم الذين يرسمون أية سياسة ، فإنا جميعا قضاة صالحون للحكم على هذه السياسة . وفي رأينا أن أكبر معوق للعمل ، هو نقص المعلومات الوافية - التي تكتسب من النقاش قبل الاقدام - وليس النقاش ذاته )) . هذا ما قاله بركليس في تصوير الديمقراطية الأثينية وهو تصوير طيب .. ولقد أخذت الديمقراطية من أيام أثينا تنمو وتتطور وتتباين في ذلك في مختلف أرجاء العالم ، ولكنها تنبع في كل مكان من مبادئ تحاول أن تبينها بوضوح كنهج متميز وفذ من مناهج الحياة .. نهج للحياة يعترف بكرامة الإنسان ، ويحاول أن يقيم تصريف الشئون الإنسانية وفق العدل ، والحق ، وقبول الشعب .. ولقد وصلت مرحلة تطوير الديمقراطية الحديثة إلى مبادئ يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:-
1ـــ الإعتراف بالمساواة الأساسية بين الناس.
2ـــ قيمة الفرد فوق قيمة الدولة .
3ـــ الحكومة خادمة الشعب .
4ـــ حكم القانون .
5ـــ الاسترشاد بالعقل ، والتجربة ، والخبرة .
6ـــ حكم الأغلبية ، مع تقديس حقوق الأقلية .
7ـــ الاجراءات أو الوسائل الديمقراطية تستخدم لتحقيق الغايات في الدولة الديمقراطية .
فليست الاجراءات ولا الأجهزة الديمقراطية غاية في ذاتها ، وإنما هي وسيلة إلى غاية وراءها .. فليست الديمقراطية أن تكون لنا هيئة تشريعية ، وهيئة تنفيذية ، وهيئة قضائية ، وإنما جميع أولئك وسائل لتحقيق كرامة الانسان .. فإن الديمقراطية ليست أسلوب حكم فحسب ، وإنما هي منهاج حياة ، الفرد البشري فيه غاية ، وكل ما عداه وسيلة إليه ، ولا يجد أسلوب الحكم الديمقراطي الكرامة التي يجدها عند الناس إلا من كونه أمثل أسلوب لتحقيق كرامة الانسان .
وفي النهج الديمقراطي الحاضر خطأ هو أقل من الخطأ الذي تورطت فيه الشيوعية الماركسية بكثير ، ولكنا رغم ذلك لن نسترسل في استقصائه هنا وإنما نتركه إلى حينه في سفر (( الإسلام ديمقراطي اشتراكي )) .
وإنما تجئ كرامة الانسان من كونه أقدر الأحياء على التعلم والترقي ، وإنما تجئ كرامة الديمقراطية من كونها ، كأسلوب للحكم أقدر الأساليب لاتاحة الفـرص للانسان ليبلغ منازل كرامته وشرفه ، وإنما يتعلم الإنسان من أخطائه ، وتلك هي الطريقة المثلى للتعليم .. ففي الدكتاتورية تمنع الحكومة الفرد من أن يجرب ، أو يعمل بنفسه ، وبذلك تعطل نموه الفكري والعاطفي والخلقي ، لأن كل أولئك إنما يتوقف نموه على ممارسة العمل ، وتحمل مسئولية الخطأ في القول ، وفي العمل ، ثم التعلم من الخطأ .. وعلى العكس من الديكتاتورية ، نجد أن الديمقراطية قائمة على الحق في ارتكاب الأخطاء ، وهذا ليس معناه الرغبة في الخطأ من أجل الخطأ، وإنما اعترافا بأن الحرية توجب الاختيار بين السبل المختلفة للعمل . ولا يمكن للإنسان أن يكون ديمقراطيا حقا دون أن يتعلم كيف يختار ، وأن يحسن الاختيار في ذلك ، وأن يصحح ، باستمرار ، خطأ الاختيار الذي يبدو منه الفينة بعد الفينة . وفي واقع الأمر فان السلوك جميعه ، وممارسة الحرية برمتها ، إنما هي سلسلة من التصرف الفردي في الاختيار والتنفيذ .. أو قل في حرية الفكر ، وحرية القول ، وحرية العمل .. على شرط واحد هو أن الانسان يتحمل نتيجة خطئه في القول ، وفي العمل ، وفق قانون دستوري .
فالديمقراطية هي حق الخطأ .. وفي قمة هذا التعريف جاء حديث المعصوم (( إن لم تخطئوا وتستغفروا فسيأت الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر لهم . ))
ومن كرامة الانسان عند الله أن الحرية الفردية لم يجعل عليها وصيا ، حتى ولو كان هذا الوصي هو النبي على رفعة خلقه وكمال سجاياه . فقد قال تعالى في ذلك (( فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر )) ، والمعنيون هنا هم المشركون ، الذين رفضوا عبادة الله ، وعكفوا على الأصنام ، يعبدونها ، ويتقربون إليها بالقرابين ، والمنهي عن السيطرة عليهم هو الرسول محمد ، الذي لم يـرد علوا في الأرض ، والذي قال تعالى عنه (( وإنك لعلى خلق عظيم )) .. ومن هذا نأخذ أنه ليس هناك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الآخرين . وأن ثمن الحرية الفردية هو دوام السهر الفردي عليها .. وفي الحق أن الحرية الفردية حق أساسي يقابله واجب هو حسن التصرف في ممارستها . ولما كان مجتمع المؤمنين قاصرا عن الارتفاع إلى ممارسة الحرية الفردية في الاختيار والعمل فقد جعل النبي وصيا عليهم ليعدهم لتحمل مسئولية الحرية الفردية المطلقة ، وهو أثناء وصايته عليهم يصر على إعطائهم حق الخطأ ، كلما وسعه ذلك ، من غير أن يشق عليهم أو يعنتهم .. فهو بذلك إنما يعدهم لممارسة الديمقراطية حين يقوى عودهم ، ويستحصد عقلهم .. وبذلك أمر الله حين قال (( فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم ، واستغفر لهم ، وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله ، إن الله يحب المتوكلين )) .
وهذه آية الشورى ، والشورى ، حيث وردت ، سواء في هذا الآية ، أو في قوله تعالى(( والذين استجابوا لربهم ، وأقاموا الصلاة ، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون )) فليست آيـة ديمقراطية ، وإنما هي آية تنزلت من آية الديمقراطية لتعد الناس ليستأهلوا الديمقراطية ، حين يجئ أوانها ..
فالشورى ليست أصلا ، وإنما هي فرع ، وهي ليست ديمقراطية ، وإنما هي حكم الفرد الرشيد الذي يعد الأمة لتصبح ديمقراطية .. والأصل في الديمقراطية آيتا (( فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر )) .
وبنفس هذا القدر، الزكاة ذات المقادير ليست اشتراكية ، وإنما هي رأسمالية .. وآيتها (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ، وتزكيهم بها ، وصل عليهم ، إن صلاتك سكن لهم )) ليست أصلا ، وإنما هي فرع . والغرض وراءها إعداد الناس نفسيا ، وماديا ليكونوا اشتراكيين ، حين يجئ أوان الاشتراكية .. والآية الأصل ، التي تنزلت منها آية الزكاة ذات المقادير ، هي قوله تعالى : (( يسألونك ماذا ينفقون قل العفو )) ولقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك .
ولما كانت الرسالة الثانية تقوم على الارتفاع من الآيات الفرعية إلى الآيات التي هي أصل ، والتي جرى منها التنزل إلى الفروع لملابسة الزمان ، ولملاءمة طاقة المجتمع ، المادية ، والبشرية ، فقد وجب الارتفاع بالتشريع ، وذلك بتطويره ليقوم على آيات الاصول ، وكذلك يدخل عهد الاشتراكية ، وعهد الديمقراطية . وينفتح الطريق إلى تحقيق الحرية الفردية المطلقة بالممارسة في مستوى العبادة ، ومستوى المعاملة . وهذه هي شريعة المسلمين .. شريعة الأمة المسلمة التي لما تأت بعد ، وقد أصبحت الأرض تتهيأ لمجيئها .. فعلى أهل القرآن أن يمهدوا طريقهم ، وأن يجعلوا مجيئهم ممكنا ، وميسرا ، وهذا ما من أجله كتب هذا الكتاب .