((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الشريعة الإسلامية
تتعارض مع الدستور الإسلامي

مناهضتنا للدستور الإسلامي المزيف

مناهضتنا للدستور الإسلامي المزيف


لقد كانت الأحزاب الطائفية، متحالفة مع الاخوان المسلمين، والوهابية، والفقهاء، قبيل ثورة مايو، تعمل، جاهدة، على كتابة دستور طائفي تنتحل له اسم الإسلام، وتتسابق في تبنيه، والدعاية السياسية له، حتى كادت أن تجيزه في الجمعية التأسيسية المنحلة، لولا أن قيض الله ثورة "مايو" فجاءت في اللحظة الحاسمة، وأوقفت ذلك العبث الذي كاد أن يتم وباسم الدين، والدين منه بريء..
وكان الاخوان الجمهوريون، يومئذ، يقفون، وحدهم، في ميدان مناهضة الدستور الإسلامي المزيف، وكشف زيفه، بصلابة وموضوعية.. وقد قاموا في سبيل تلك المناهضة بحملة توعية شعبية، واسعة، وقوية، تمثلت في المحاضرات، وفي الندوات، والكتيبات، والمنشورات، التي أكدت أنه ليس في الشريعة الإسلامية الموروثة دستور، وانما الدستور في أصول القرآن.. وأبانت أن تبني الأحزاب الطائفية للدستور الإسلامي المزيف انما هو تنفيذ للمخطط الطائفي الذي كان يهدف الى أن تجمع الطائفية، الى السلطة الزمنية، السلطة الدينية، حتى تتم لها السيطرة الكاملة على الحياة في بلادنا، وذلك بفرض دستور طائفي تضفي عليه هالة زائفة من القداسة لترهب بتشاريع منسوبة الى الإسلام، خصومها المناهضين لنفوذها.. وانما من هذا الباب كانت مهزلة محكمة الردة.. ولقد كانت مكيدة سياسية، استغلت فيها الطائفية ((الفقهاء)) في محاولة يائسة لإسكات صوت الاخوان الجمهوريين، الذي كان يشن الحرب الفكرية الضارية ضد الطائفية.. حربا بلا هوادة ولا لين.. وقد أكد الاخوان الجمهوريون، يومئذ، أنه لو قدر لمشروع الدستور الإسلامي المزيف أن ينال أي صورة من صور الشرعية، أو أن يجد أي فرصة للتطبيق، لكان قد عاد بالبلاد أجيالا الى الوراء، تخلفا، وظلاما، ولتمت القطيعة التامة بين هذا الشعب والدين، ذلك بأن دستورهم انما كان تزييفا للدين في سبيل خدمة المصالح الطائفية، مما كان سيؤدي الى تشويه صورة الدين في الأخلاد، والي تأخير البعث الإسلامي الحقيقي عشرات السنين..

خطورة الاتجاه الى تعديل القوانين لتتمشى مع الشريعة الإسلامية


ان أعظم انجازات "مايو" لهو ضربها لمؤامرة الدستور الإسلامي المزيف التي كانت تدبر، عن جهل بالدين، وعن استغلال بشع للطوائف الدينية، في خدمة المصالح الطائفية، ولقد يكون من نتائجها اغتيال الحريات، وفرض التخلف.. ولقد تعاظم هذا الانجاز بوقوف "مايو" سدا يدرأ خطر الطائفية في العودة الى السلطة من جديد حتى تفرض دستورها ذلك الإسلامي المزيف.. والحقيقة ان اقصاء "مايو" للطائفية عن السلطة في تلك الفترة الحرجة لهو فضيلة "مايو" التي لا تجاريها أي فضيلة أخرى، لها على الاطلاق.. ذلك بأن الطائفية، بقيامها، حسب طبيعة تكوينها، على استغلال الدين في السياسة، أسوأ الاستغلال، لهي الخطر الحقيقي الماثل، الذي يتهدد حرية هذا الشعب، ودين هذا الشعب، وأمنه الداخلي، وأمنه الخارجي، وأخلاقه، ومقدراته، وكل فرص أمامه في التنمية والتقدم، مما يتضاءل معه أي خطر على هذه البلاد، مهما بدا جسيما وملحا..
والآن!! يلوح شبح الدستور الإسلامي المزيف من جديد!! وهذه المرة، على أيدي الذين، هم أنفسهم، كانوا قد درأوا خطره من قبل!! فها هي لجنتكم تكوّن، اليوم لتعديل القوانين السارية لتتمشى مع أحكام "الشريعة الإسلامية" وقواعدها!! اننا كأصحاب دعوة الى تطوير التشريع الإسلامي، ناهضوا من قبل، وبشدة، الصور المزيفة للدين، ننبه الى خطر السير في الطريق المسدود الذي سارت فيه الأحزاب الطائفية من قبل.. ونؤكد أن العودة الآن الى الشريعة السلفية المرحلية دينيا خطأ وانسانيا خطأ وعمليا غير ممكنة..
ان محاولة تعديل القوانين لتتمشى مع الشريعة الموروثة محاولة مقضي عليها بالفشل، من الوهلة الأولي، الاّ إذا وارت فشلها بالتزييف، والمراوغة، واتخاذ المظهر الديني السطحي، كدأب الأحزاب الطائفية، من قبل، الشيء الذي نرجو، مخلصين، الاّ يتورط فيه نظام "مايو"..
إذا كانت خطة لجنتكم قصاراها أن تعدل بعض القوانين لتتمشى مع بعض صور الشريعة الإسلامية الموروثة فهي انما تقع في تناقض ذريع مع روح الشريعة ومع نصها، وهما يقضيان بأن تقوم الشريعة بجميع أركانها، أو لا تقوم!! فهي كل لا يتجزأ، لأن بعضها انما يعتمد على بعض.. وهي، كلها، انما تقوم على الوصاية، وليس على الحقوق الأساسية.. أما إذا كانت خطة اللجنة هي أن تعدل طائفة من القوانين السارية على ضوء الشريعة الموروثة كخطوة مرحلية، تمهد لتعديل سائر القوانين، تدريجيا، لتتمشى مع سائر أحكام الشريعة الموروثة، وبكل صورها في المستقبل، فإن هذا الاتجاه ينقصه التفطن الى أن هذه الشريعة غير صالحة للوفاء بحاجة الانسان المعاصر، وطاقته، الهائلتين، وأنه لا بد من تطويرها الى شريعة إسلامية جديدة مبنية على أصول القرآن والسنة.. هذا هو مراد الدين، وهو مراد الحياة المعاصرة أيضا، وقد سيرها الله الى هذه القامة العظيمة التي لا يمكن أن تقارن بقامة الحياة التي شرعت لها هذه الشريعة..