((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الشريعة الإسلامية
تتعارض مع الدستور الإسلامي

الوحدة الوطنية في خطر!


3- في مجال الوحدة الوطنية

الوحدة الوطنية في خطر!


ان من اهم انجازات العهد الحاضر ما حققه في مجال الوحدة الوطنية، من انهاء للحرب الأهلية التي كانت تدور بين الشمال والجنوب، والوصول الى اتفاقية الحكم الذاتي الاقليمي في إطار السودان الموحد.. وقد تمت بالأخذ في تطبيق تلك الاتفاقية، الخطوات الأساسية لحل مشكلة الجنوب، على الصعيد السياسي.. ومشكلة الجنوب مشكلة ساهم في تفاقمها التعصب للاختلافات العنصرية والدينية بين الاقليمين، الشمالي والجنوبي.. وقد كان الأخوة الجنوبيون، ومن منطلق عقيدي، يناهضون سائر الاتجاهات الماضية لتطبيق الشريعة الموروثة، لأنهم كانوا يحسون أنهم سيميز ضدهم، على أساس من العقيدة، إذا تم للشريعة أن تطبق، وسيفقدون حقهم في المساواة في الحقوق والواجبات.. وما ذاك الاّ لأن الشريعة تقول إن سكان الدولة من غير المسلمين – من يهود ونصاري وغيرهم – هم الذميون.. والذميون هم من أعطاهم المسلمون الأمان على مالهم، وعرضهم، ودمهم، مقابل أن يعطوا الجزية – فحين يعطي المسلم القادر الزكاة، وهي عبادة، يعطي الذمي الجزية.. يقول تعالى: ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)).. وهم صاغرون هنا، كما جاء في تفسير ابن كثير، تعني وهم ذليلون حقيرون..
كما ذكرنا، ان سكان الدولة من غير المسلمين، في الشريعة الموروثة، لا يتساوون مع سكان الدولة المسلمين، لا في الحقوق ولا في الواجبات.. فليس، مثلا، من حق غير المسلم أن يلي أمر المسلمين، لا في التشريع، ولا في التنفيذ، ولا في القضاء.. كما لا يحق له أن ينخرط في صفوف الجندية، اذ أن مهمة الجيش الأساسية، في الشريعة الموروثة، هي الجهاد لنشر الإسلام، بمقتضي أمر الجهاد بالسيف ((فاذا انسلخ الأشهر الحرم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم، واحصروهم، وأقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم، ان الله غفور رحيم))..
فاذا أدركنا، مما ذكرناه، موقف الشريعة من غير المسلمين، فانه يحق لنا أن نتساءل: كيف، والسودان كما نعلم، يضم عددا كبيرا من غير المسلمين، لا سيما في المحافظات الجنوبية، كيف ستواجه اللجنة العامة لمراجعة القوانين حكم الشريعة في معاملة سكان البلاد من غير المسلمين؟
الذي لا شك فيه، ان الاتجاه الى تطبيق أحكام الشريعة الموروثة، على واقع الحياة المعاصرة، أمر مستحيل، من الناحية العملية، وهو صنيع يمثل تهديدا خطيرا لمكتسباتنا في الوحدة بين الشمال والجنوب، وفي المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن عنصرهم أو جنسهم، أو دينهم، الخ..، كما جاء في المادة 38 من دستور البلاد، مما ينذر بالرجوع بالبلاد الى عهود الصراعات الدينية التي تفرق المواطنين، وتقضي على وحدة البلاد.. ليس هذا فحسب، فإن الاتجاه لتطبيق الشريعة الموروثة هو تزييف للدين لمجرد الظهور بالمظهرية الإسلامية!! وهو، بذلك، كفيل بخلق القطيعة التامة بين الدين والمواطنين الذين كان ينبغي أن يعانوا ليتبينوا، بوضوح، الفرق بين الدين الصحيح، والمظهر الديني الخادع.. أكثر من هذا، ان هذا الاتجاه لمما يعوق العمل الجاد المخلص الذي يقوم به الدعاة الحقيقيون لبعث الإسلام واحياء السنة، على بصيرة تامة، بحقائق الدين، وحقائق العصر.. ((وبحسب المرء من الشر أن يعوق بجهالته، دعوة الخير، ولو لحظة واحدة، وهو يعلم))..