((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الشريعة الإسلامية
تتعارض مع الدستور الإسلامي

الوقت للسنة - الدساتير العلمانية وأصول القرآن

الوقت للسنة


ونحن حين ندعو الي السنة، وفي هذا الوقت بالذات، وحين نؤكد أن أي دعوة دونها انما هي دون مستوى المجتمع الحاضر، وإنها، من ثم، ليست مطلب الإسلام اليوم، لا ندعو للسنة في فراغ، وانما ندعو لها للحاجة العملية اليها، إذا أن طاقة المجتمع الحاضر، وحاجته، ومشاكله، وأعرافه، قد بلغت مستوى لا تسعه الا السنة.. ومن ثم، وللحكمة الالهية البالغة غابت شمس الشريعة المرحلية عن حياة الناس لأنها، بحكم مرحليتها، قد أصبحت أضيق من أن تسع طاقات الحياة الحاضرة، لأنها انما وضعت لمجتمع غير المجتمع الحاضر.. وهي قد كانت عملية، وحكيمة فراعت وسعه، وحاجته.. وحين يتقدم الإسلام لتوجيه الطاقات، والتطورات الحاضرة، فانه لا يرجع بها الي الوراء، وانما موقفه من التراث البشري كله، ومن التقدم البشري كله انما هو موقف الوارث لكل هذه الانجازات، والمتوج لها، فهو قد جاء ((مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه))..
وهيمنة الإسلام على كل نشاطات الحياة، وعلى كل التراث الانساني، انما هي مقدرته على وزن هذا التراث، وتقويمه، وتوجيهه، وتنميته، ومن ذلك موقفه من الدساتير العلمانية التي تنص على المساواة بين الناس، وعلى الحرية..

الدساتير العلمانية وأصول القرآن


ان الدساتير العلمانية التي تكفل حق المساواة والحرية هي حصيلة كدح الانسان الطويل في سبيل تحصيل حريته.. وهو كدح قاس، وطويل تم عبر العرق، والدموع، والدماء، وانتهي الي اقرار الحرية، والمساواة لكل الناس رجالا، ونساء.. وهذا مستوى متقدم بالنسبة لمستويات المجتمعات الماضية، ولكنه مستوى دون طموح انسان القرن العشرين، ودون المستوى الذي تكفل به الإسلام حيث تقدم بـ ((الدستور))، ذلك ((الدستور)) الذي ما الدساتير العلمانية الا اتجاه نحوه، والاّ خطوة في سبيله، تعلن الحاجة اليه، والطاقة به، وتمهد له، ولذلك فليس هناك ((دستور)) حقيقي الاّ في الإسلام، وذلك لأن ((الدستور)) انما هو القانون الاساسي، وهو انما سمي القانون الاساسي لأنه ينص على الحقوق الأساسية، والحقوق الاساسية انما سميت حقوقا أساسية لأنها لا تمنح، ولا تسلب، بغير حق، وهي حق الحياة، وحق الحرية، وما يتفرع عليهما أساسا مما هو مكمل لهما، وحافظ لهما.. وجوهر الدستور هو رفع الوصاية عن الرجال، والنساء، فإن فيه كل فرد بشري، من رجل أو امرأة، انما هو غاية في ذاته.. وهذه النظرة الاساسية تؤخذ من آصل أصول الإسلام وهو ((الفردية)).. فإن المسئولية، في أصل الإسلام، انما هي مسئولية فردية، يقول تعالي: ((ولقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم أول مرة)).. ويقول في مبدأ المسئولية الفردية: ((يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها)).. والمسئولية الفردية تتبعها الحرية الفردية، ولذلك قدس الإسلام، في أصوله، الحقوق الاساسية، والحرية الفردية للدرجة التي نهي فيها نبيه الكريم، على كمال خلقه العظيم، وعلى بعده عن مواطن الاستعلاء، نهاه عن السيطرة على حريات المشركين، الجاهليين، عبدة الأوثان.. ولذلك فالحرية في أصول الإسلام مطلقة، وهي لا تحد الا بعجز الفرد عن حسن التصرف فيها.. وحتى حين يعجز، فإن حريته لا تصادر الاّ بقانون دستوري يوفق، في كل إجراءاته، بين حق الفرد في الحرية الفردية، وحق الجماعة في العدالة.. ولكل ذلك قلنا إن ((الدستور)) لا يوجد الاّ في الإسلام..