((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




المرأة الإنسان

النزول من الحِّرية إلى الوصَاية

النزول من الحِّرية إلى الوصَاية


ولذلك جاءت الهجرة وجاء التَّنزَّل من الآيات المكية، آيات الأصول، آيات الحرية والمسئولية، إلى الآيات المدنية، آيات الفروع، آيات الوصاية.. وأصبح حكم الوقت للوصاية، ونسخت آيات الحرية، والاسماح، بآيات الجهاد، والوصاية.. فآية (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ومثيلاتها نُسخت بآية السيف: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشكرين حيث وجدتموهم، وخذوهم، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم..)، هذا بالنسبة للمشركين.. أما المؤمنون فقد قامت الوصاية في حقهم، وذلك بنسخ آيتي الديمقراطية: (فَذَكِّر انما أنت مُذَكِّر * لست عليم بمسيطر) بآية حكم الفرد الرشيد، آية الشورى: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً، غليظ القلب، لانفضوا من حولك.. فاعف عنهم، واستغفر لهم وشاورهم في الأمر.. فإذا عزمت فتوكل على الله.. إن الله يحب المتوكلين)..

نزول حقوق المرأة من الحرية إلى الوصاية الخاصة


وقد يستغرب بعض القراء علاقة هذا الحديث بحرية المرأة.. ولكن العلاقة واضحة في تنزل الأمر من مستوى الرشد إلى مستوى القصور، ومن الحرية إلى الوصاية، من ثم.. وتتضح هذه العلاقة أكثر عندما نعلم أن الأمر في مرحلة الوصاية العامة قد اقتضى وصاية خاصة، داخل هذه الوصاية العامة.. ولذلك أُقيم الرجال على قصورهم أوصياء على النساء، وذلك لمكان قصورهن الكبير، فقال تعالى: (الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم. فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهنّ، وأهجروهنَّ في المضاجع، وأضربوهنَّ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً.. إن الله كان علياً كبيراً).. وعلى هذه الوصاية قامت الشريعة فأعطت المرأة حقوق القاصر بإزاء حقوق الرجل.. وكانت تحت وصايته، وكانت دونه في سائر الحقوق الدينية والدنيوية. وكانت تلك الحقوق حقوقاً متقدمة، وتشبه الطفرة بالنسبة لما كانت عليه المرأة في مجتمع كانت الفضيلة فيه للقوة الجسدية، وللعنف وكان شعاره: "من غلب سلب". وفي وقت كانت الحياة فيه تقوم على الحروب، ومشقة الكسب والمخاطرة في سبيله.. وفي مثل تلك البيئة القائمة على قوة العضل وشدة الأسر لم تكن للمرأة مكانة، بل كانت عبئاً على الرجال، يحمونها ويعولونها.. ومن ثم، كانت محرومة حتى من حق الحياة: (وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت).. وفي مثل ذلك الوضع لم يكن ممكناً ديناً، ولا عقلاً، ولا عملاً، أن تعطى المرأة حريتها الفردية، ولا حتى أن تُعطى الحقوق المساوية للرجل في ظل الوصاية العامة.. ولذلك قامت عليها وصاية الرجال.. وكانت الوصاية العامة، والوصاية الخاصة، أحكم ما تكون لوقتها، ولمرحلتها.. ولكن السؤال العلمي والعملي، في نفس الوقت الذي يواجه دعاة الإسلام وادعياءه الآن انما هو: هل الحقوق التي أعطيت للمرأة حسب قامتها، وقامة المجتمع في القرن السابع، هل هي كل الحقوق التي يقدمها الإسلام للمرأة، مهما كانت قامتها ورشدها؟! ومهما تطور، ولطف، مجتمعها الذي تعيش فيه؟!
إن القرآن هنا لا يحوجنا الى تأويل، فهو حين قرَّر "الفردية" وحين قرَّر "المسئولية الفردية" التي تتبع "الحرية الفردية" للمرأة وللرجل، إنما قرر أن الوصاية على المرأة هي وصاية مرحلية لترشيدها، ولتأهيلها لأخذ حريتها الفردية.
فالإسلام الذي آصل أصوله الحرية لا يمكن لمن له أدنى بصر به أن يتوهَّم أن فيه الوصاية على المرأة وصاية دائمة.. ذلك لأن الوصاية معلولة بصريح النص: (الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم).. فالقوامة معلولة بالتفضيل الذي كان ينصب أساساً على قوة العضل التي كان يمتاز بها الرجل.. وتلك كانت فضيلة في ذلك المجتمع ومن ثم كان الرجل حامياً للمرأة، وعائلاً لها، لمقدرته على مجازفات الحروب، ومخاطر الكسب، في تلك البيئة الصعبة..