((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




المرأة الإنسان

الانتقال إلى مجتمع المدينة

الانتقال إلى مجتمع المدينة


أما الآن فإن مجتمعنا، وهو ينتقل من مجتمع الغابة إلى مجتمع المدينة، حيث لم يعد الرجال يقومون بحماية النساء، وانما القانون هو الساهر على حماية الرجال والنساء، وكذلك لطفت وسائل كسب العيش، فلم تعد المرأة مستهلِكة يعولها الرجل، وانما أصبحت منتجة، في كثير من المرافق، وعَرفْنا المرأة التي تعول نفسها وتعول غيرها.. وأكثر من ذلك، فإن الاشتراكية التي هي روح العصر وحكمه ستكفل، حين تطبق، للمواطنيين، نساءً ورجالاً، دخولا تعطيهم الاستقلال الاقتصادي.. وأعلى من كل ذلك، فإن الاشتراكية السليمة التي يقدمها الإسلام تعتبر عمل المرأة في بيتها انتاجاً يفوق إنتاج الرجل في أدق مواقع الانتاج، وبذلك تحرز استقلالها الاقتصادي بدون أن تضحي بخصائصها في سبيل المفهوم الخاطئ للمساواة.. بكل أولئك، انتقل مجتمعنا من مرحلة الوصاية، إلى مرحلة الحرية، وأصبحنا في أمر المرأة نستقبل عهد الآية الكريمة (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة..).. (ولهن مثل الذي عليهن) تعني أن حقوق المرأة تزيد بزيادة واجباتها، حتى إذا أدت الواجبات المتساوية تأخذ الحقوق المتساوية. وحتى إذا تحملت واجب الحرية الفردية في المسئولية تأخذ حقها الأساسي في الحرية الفردية.. و (بالمعروف) تعني العرف، وهو ما تواضع عليه الناس بشرط أن يتماشى مع غرض الدين، وجماع غرض الدين هو كرامة الإنسان من رجل ومن امرأة.. والتعليم لا يمكن لعاقل، ولا لغير عاقل، أن يعتبره ضد كرامة المرأة.. وقد تعلمت المرأة الآن، وتأهلت، ونافست شقيقها الرجل، وساوته في الكفاءة، والتأهيل، ومن ثم نافسته، وساوته، في حسن الاضطلاع بالواجبات العامة، والواجبات الدقيقة، فاصبحت عندنا القاضية، والمحامية، والمهندسة، والطبيبة، والزراعية، والإدارية، والمعلمة في أعلى المستويات.. وكان أداء النساء في كل هذه المجالات أداء تقر به العين ويسر البال.. فهل يصح، ديناً، وعقلاً، أن تكون المرأة على هذا المستوى من الرشد، والكفاءة، والمسئولية، ثم نحرمها من حقوقها المتساوية، ومن حقها الأساسي بحجة أنها "امرأة"؟؟ وبالتحديد فإن في محاكمنا الشرعية الآن قاضية تحكم بالشريعة ومن حقها أن تحكم بها مثل زميلها الذي تأهلت مثله، والقاضية من حقها أن تمحص شهادة الشهود، وأن تزنها، وأن تقومها، ولذلك فالقاضي أكبر من الشاهد.. ولكن هذه القاضية نفسها فإن شهادتها، في الشريعة، إنما هي على النصف من شهادة حاجب محكمتها..