في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

الفصل الثالث



أخطاء الزعماء العرب


وما دمنا نتحدث عن غفلة القيادة العربية في ميادين السياسة والحرب فلعل من الخير أن نستعرض بعض أخطاء الزعماء العرب مما يؤيد القول بقلة حنكة هؤلاء الزعماء، ومما يوجب المحاسبة التامّة، بغية تصحيح الأوضاع، وبغية إقلاع الشعوب عن السير خلف زعامات ليس لها من الزعامة إلّا المظهر الكاذب، وإلّا الثرثرة الرعناء، التي لا تنم على عقل ولا خلق.. مما كبّد الأمة العربية خسائر في السمعة، والأنفس، والأموال من العسير تعويضها.. ومن المؤسف حقاً أن كثيراً من هذه الأخطاء لا تزال خافية على هؤلاء الزعماء وعلى كثير من حملة الأقلام العرب.. وأسوأ هذه الأخطاء فكرة القومية العربية..

القومية العربية


وخطأ دعوة القومية العربية لا يجئ فقط من كون القومية دعوة عنصرية، وإنما يجئ أيضاً من كون وقتنا الحاضر وقتاً ارتفع فيه الصراع إلى مستوى المذهبيات والأفكار.. ولما استشعر العرب هبوب رياح الأفكار لم يزدادوا هدى، وإنما ازدادوا ضلالاً، فزعموا أن القومية العربية ليست دعوة عنصرية، وإنما هي دعوة إلى وحدة الثقافة والتاريخ واللغة.. وزادوا، فزعموا أن هناك اشتراكية عربية تطبقها القومية العربية على العرب، وارتفع بذلك صوت السيد جمال عبد الناصر، في كل تصريحاته وكل خطبه.. وإنما هي الشيوعية الماركسية ينقلها السيد جمال عبد الناصر عن السيد يوسيب بروز تيتو في يوغسلافيا ليطبقها على العرب في مصر، وليدعو إلى تطبيقها، تحت اسم الثورة العربية، والتقدمية العربية، على حد تعبيره، والقومية العربية، في بلاد العرب الأخرى..
والقومية العربية ليست فكرة حديثة برزت مع أيام السيد جمال، وإنما هي حركة قديمة انبعثت في أوائل هذا القرن ضد السيطرة العثمانية في سوريا، وضد سياسة التتريك، وهي سياسة العنصرية التركية، التي كانت تميل الدولة العثمانية إلى اتباعها في البلاد العربية، ثم ضد الفرنسيين، بعد إقامة الانتداب الفرنسى سنة 1919م.. ويحدثنا الدكتور فليب حتّى في كتابه ((تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين)) الجزء الثاني الصفحة 353 طبعة ((دار الثقافة بيروت)) فيقول تحت عنوان ((والقومية والنضال من أجل الاستقلال)) ما يلى:- ((بدأت هذه اليقظة القومية العربية حركة فكرية خالصة، مركزة على درس لغة العرب وتاريخهم وأدبهم، وكان روادها في الغالب من المفكرين السوريين، وبنوع خاص، من نصارى لبنان الذين تثـقفوا في الجامعة الأمريكية في بيروت.. فهؤلاء هم الذين شرعوا في تطويع العربية الفصحى لتغدوا أداة جديدة صالحة للتعبير عن الفكر الحديث.. على أن الفكرة القومية ومما استتبعته من تشديد عل الشئون المدنية والقيم المادية، جرت في اتجاه معاكس لأرفع المثل، وأعز التقاليد الإسلامية، التي لا تقر ولو مبدئيا بأية رابطة غير رابطة الدين، ثم إن اختيار الشعوب الناطقة بالعربية لهذا الطراز الجديد من القومية، وثورة الحسين شريف مكة سنة 1916 م على الأتراك العثمانيين، صدّعا البقية الباقية من الأمل بقيام وحدة إسلامية شاملة، وأقاما في مكانها وحدة عربية جامعة، أساسها اللغة والثقافة العلمانية لا العقيدة الدينية الخالصة))..
فالقومية العربية دعوة إلى تكتل العنصر العربي في مواجهة العثمانيين أولا ثمّ الفرنسيين، فيما بعد، وهي تقوم على ((اتجاه معاكس لأرفع المثل، وأعز التقاليد الاسلإمية)) فهى دعوة عنصرية بلا فلسفة، ولقد استعار لها السوريون حين نشأت الأفكار الغربية.. ((وقد غدا لبنان أسرع استجابة إلى المؤثرات المسيحية الغربية، بعد نزوح الألوف من أبنائه إلى العالم الجديد))..
وفى أيامنا الحاضرة استعار لها السيد جمال عبد الناصر الأفكار الشيوعية وسماها ((الاشتراكية العربية)) وزعم أنها فلسفة القومية العربية.. وكل هذا باطل، والحق أن ليس للعرب فلسفة إلا فلسفة تقوم على أديم الإسلام، فإذا زعم دعاة القومية العربية لها أنها وحدة الثقافة ووحدة التاريخ ووحدة اللغة فقد وجب أن يذكروا أن العرب لم يكونوا شيئاً مذكوراً قبل الإسلام، فهم لم تكن لهم ثقافة، ولم يدخلوا التاريخ قبل أن يكونوا مسلمين، وكانت لغتهم لهجات قبلية متفرقة لم تتوحد إلّا بعد أن جاء القرآن بلغة قريش فوحَّدها.. فالإسلام هو الذي أعطى العرب الثقافة، وهو الذي أعطاهم اللغة، وهو الذي جعل لهم تاريخاً يذكر، إذا ذكرت تواريخ الأمم، وأمجادها، فإذا نصح العرب ناصحٌ بأن يلتمسوا العزّة عند غير الله بالإسلام إليه، فهو ناصح ((متهم النصيحة، أشأم الطلعة، مزورٌ في الكلام))..
هذا وستكون لنا عودة للكلام عن القومية العربية فيما بعد، فلنكتف هنا بهذا القدر مما يؤكد خطأها في الأذهان، ويهدي المفتونين بها إلى مظان الهدى..

ما يُسمَّى بالنظم الثورية العربية


فى البلاد العربية اليوم حكومات تسمى نفسها قيادات ثورية، وتسمى الحكومات التي ليست على شاكلتها رجعية.. فالقيادات الثورية هي الحكومات العسكرية التي تبنت دعوة القومية العربية، ودعوة ما أسمته بالاشتراكية العربية، وهذه القيادات الثورية، أو قل الحكومات العسكرية، كانت في غالبها الأعم نتيجة انقلابات عسكرية قام بها ضباط من الشباب الثائرين الذين آذى نفوسهم الفساد الذي كانت حكومات العهود الماضية تتمرّغ فيه، وتجره على شعوبها.. فأرادوا بالانقلابات العسكرية تسلُّم السلطة لإصلاح الفساد، وإسعاد العباد.. وقد تم لهم تسلُّم السلطة ولكنهم عجزوا عن إصلاح الفساد، وذلك لأنهم ظنوا أن سبب الفساد قد كان الحكام التقليديين، فهو يزول بزوالهم.. وفاتهم أن يعلموا أن جذور الفساد أعمق من ذلك، وأن إزالة الفساد تقتضي عملاً علمياً شاملاً يحتاج إلى عمق في الفكر، وقوة في الإدراك، وسعة في الثقافة.. وتلك أمور لم يكن حظهم فيها موفوراً، فهم لم يكونوا يملكون غير حسن النية، وحسن النية وحده لا يكفي لإسعاد الشعوب، أو السير بها في طريق السعادة.. فإنه قد قيل أن الطريق إلى النار محفوف بالنوايا الحسنة..
وقد سبق للحزب الجمهوري أن نبه قادة ثورة الجيش المصري إلى ذلك في إبان حركتهم وكان ذلك في جواب أُرسل للسيد محمد نجيب بتاريخ 18 أغسطس عام 1952م ولم يكن قد مضى على ثورتهم الشهر بعد، ولقد جاء في ذلك الخطاب قولنا ((والفساد في مصر ليس سببه الملك، وليس سببه الساسة، والأعوان الذين تعاونوا مع الملك، بل إن الملك وأعوانه هم أنفسهم ضحايا لا يملكون أن يمتنعوا على الفساد، فإذا كنت تريد أسباب الفساد فالتمسها في هذه الحياة المصرية، في جميع طبقاتها، وفى جميع أقاليمها، تلك الحياة التي أقامت أخلاقها إما على قشور الإسلام أو على قشور المدنية الغربية، أو على مزاج منهما، وأنت لن تصلح مصر، أو تدفع عنها الفساد، إلا إذا رددتها إلى أصول الاخلاق، حيث يكون ضمير كل رجل عليه رقيبا)) هذا ماجاء في ذلك الخطاب، إلى جملة آراء أخرى تنفذ إلى جذور المشكلة، ولكن الضباط المصريين كانوا منتشين بظفرهم بالملك إلى حد لم يترك لهم مجالاً لسماع نصائح الناصحين.. والآن، وبعد مضي خمس عشرة سنة من توليهم الحكم، نسمع، في أعقاب هزيمة عام 1967م، كما كنا نسمع في أعقاب هزيمة 1948م، على عهد الملك فاروق، أن أسباب الهزيمة الخيانة في صفوف المسئولين في قمة المسئولية.. والاتجاه اليوم، كما كان بالأمس، إلى إزالة المسئولين هؤلاء واستبدالهم بمسئولين جدد، من غير إدراك، ولا تصور، لجذور الفساد والخيانة، وتظل بذلك مشاكل العرب تدور في حلقة مفرغة تكرر نفسها كل حين.. وزعماء ((النظم التقدمية))، كما يطيب لهم أن يسموا أنفسهم، لا يفكرون ولا يحبون المفكرين، وإنما قامت نظمهم ((التقدمية)) على تكميم الأفواه ومحاربة حرية الفكر..