في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

عداوة الغرب للعرب ليس سببها الاشتراكية


وفيصل القول، إن عداء الغرب للعرب اليوم ليس سببه أن بعض الدول العربية، مثل مصر، أرادت أن تصبح اشتراكية، وإنما سببه أن مصر، حين أرادت أن تصبح اشتراكية، لم تعرف كيف تصبح اشتراكية بدون أن تصبح ماركسية، وخاضعة للنفوذ الروسي.. بمعنى آخر: بدون أن تدخل في حلبة الحرب الباردة، وتصبح عظم نزاع بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية.. وهو ما تحدثنا عنه عند الحديث عن تأميم قناة السويس..

كبش الفداء


والنظم الثورية، في مصر وفى غيرها، راضية عن نفسها، ويزيد شعورها بالرضا كلما فكرت في أن الاستعمار الغربي يخشاها ويعتبرها عدواً عنيداً.. وهي لذلك لا تمارس نقداً ذاتياً ولا تقبل من غيرها غير الثناء، وقد أنشات، وربّت طائفة من المطبلين المسبحين بحمدها، تستعين بهم على تنويم الشعوب، وتغفيلها.. فإن حصلت غلطة جُلَّى مما لا يمكن تغطيته، أو تبريره، بحثت لها عن كبش فداء حملته المسئولية، وذهبت في طريقها، تفتن في اصطناع المجد الزائف، بارتكاب الأخطاء البشعة التي لا يعود وبالها إلا على الشعوب العربية.. أما هي فإنها لا تفكر إلّا في استمرار زعامتها.. عن هذا الكبرياء الكاذب حدث ما حدث عقب العدوان الثلاثي الأول، ذلك بأنه عندما أوقف تدخل مجلس الامن، والجمعية العامة، وتهديد الاتحاد السوفيتي، وضغط أمريكا على حلفائها ذلك العدوان قبل أن يبلغ أهدافه ادّعى المصريون أنهم هزموا الاستعمار الغربي.. هذا بالرغم من الحقائق العسكرية الدامغة التي تؤكد هزيمتهم هم، حين لم يكن انسحابهم في الميدان إلا جرياً، مخلّفين ورائهم السلاح، والعتاد، بصورة لا يرضاها الفن العسكري، ولقد كان من الممكن للعالم كله أن يعقل انسحابهم ذلك، وبتلك الصورة، أمام قوى العدوان الثلاثي الهائلة لو أنهم اعترفوا بالهزيمة العسكرية في صحراء سيناء يومئذٍ، ولكنهم لم يفعلوا، وإنما ذهبوا يتغنون ببطولتهم في نصر لم يحرزوه، وطفقوا على تلك النشوة الكاذبة طوال عشر سنوات، ذهلوا خلالها، وقد ذهل معهم العرب، عن حقيقة أمرهم، وعن مقدرة عدوهم، وقد فوَّتت عليهم هذه النشوة الكاذبة الاعتبار بالدرس الذي جرى للجيش في صحراء سيناء في شتاء عام 1956م فلم يستفيدوا من التجربة، وكل تجربة لا تورث حكمة تكرر نفسها، وهذا بعينه هو الذي جعل انسحاب الجيش المصري في صحراء سيناء أثناء العدوان الثلاثي الثانى في يونيو من عام 1967م إعادة لانسحابه في نوفمبر من عام 1956م، مع اختلافين اثنين:
أولهما: إن انسحاب يونيو خلف وراءه من عدد القتلى، والجرحى، والأسرى، ومن كثرة الأسلحة، ما لم يخلفه انسحاب نوفمبر..
وثانيهما: إن أحداً من الناس لا يعذر القادة المصريين، عسكريين، وسياسيين، في انسحاب يونيو بقدر ما كان يمكن أن يعذرهم في انسحاب نوفمبر، لو أنهم واجهوه بالاعتراف الذي يليق بكبار الرجال..

خُطب جمال من أسباب هزيمة العرب


وعن طبيعة هذه النظم الثورية كان يصدرالسيد جمال عبد الناصر في خطبه واستعراضاته المشهورة.. ويمكن القول، وبكل تأكيد، إن خطب السيد جمال عبد الناصر هي التي جرَّت على العرب الهزيمة العسكرية، والهزيمة السياسية، والهزيمة الدبلوماسية.. فقد كان، في كل عام، حين يحتفل بثورة الجيش المصري على نظام الملك فاروق، يستعرض أسلحته البحرية، والجوية، والأرضية، بما في ذلك الصواريخ الموجهة من الأرض، المصنوعة في روسيا (وجميع أسلحته الثقيلة مصنوعة في روسيا) ثم يخطب على مسمع العالم كله متوعداً إسرائيل برميها في البحر، ومخبراً العالم وإياها، أنه ليس بينه وبين تنفيذ وعيده عليها إلّا أن يفرغ من تصفية الصفوف العربية مما أسماه الرجعية العربية وعنده إنما تكون تصفيتها بتصدير ((النظم الثورية)) إلى شعوبها.. وكانت إسرائيل، في صمت وفى ذكاء، وفى دهاء، تفزع إلى أصدقائها (وهم يتزايدون عقب كل استعراض من استعراضات جمال عبد الناصر) تبيِّن لهم مبلغ الخطر الذي يتعرض له كيانها، وهي دولة صغيرة لا يكاد يبلغ عدد سكانها المليونين مثلاً، تحيط بها دول عربية يبلغ تعداد سكانها المائة مليون، كلها لها عدو، ويستعرض زعيمها أسلحته على مستوى من الكفاءة، والكفاية، يقلق بالها، ويجعلها غير مطمئنة على سلامتها، فيفعل قولها هذا فعله في استدرار العطف من الرأي العام العالمي، ويكسب لها إلى حظيرة الصداقة، أصدقاء جدداً، ممن لم يكونوا يعيرون هذه القضية الإسرائيلية كبير اهتمام من قبل.. ويترجم كل هذا العطف، وعقب كل استعراض من استعراضات جمال، إلى مزيد من هجرة الشباب اليهودي إلى فلسطين، وإلى مزيد من تصدير المال والسلاح والعتاد إليها، وأهم من كل أولئك يبعث هذا الشعور بالخطر المزيد من تصميم الشباب الإسرائيلي، من الجنسين، على النصر، ومن ثم الإقبال على التدريب على حياة الجندية، وعلى استعمال جميع الأسلحة الحديثة بمهارة واقتدار.. كل هذا يجري في إسرائيل في صمت، والعرب يصفقون ويهتفون لخطب جمال عبد الناصر، في مطلع كل عام، ثم ينصرفون ليستمعوا في بقية العام إلى الاذاعات وهي تضللهم عن حقيقة أمرهم، وتلهيهم بالخطب العنترية الجوفاء، وبالأناشيد الفارغة..
ويحدثنا في هذا الباب السيد جمال نفسه في خطابه الذي ألقاه في العيد الخامس عشر من أعياد ثورة الجيش المصري فيقول: ((من سنتين جالي يقابلني وكيل الخارجية الأمريكية ومعاه رسالة من جونسون وقالي بما انكم ما قبلتوش الحاجات اللى احنا طلبناها منكم قبل كده، حق التفتيش وأنا قلت لكم القصة دى قبل كدة إنهم طلبوا حق التفتيش بالنسبة للأعمال الذرية حق التفتيش بالنسبة للصواريخ وتحديد الجيش المصري بحد معين واحنا كنا رفضنا هذا وقلنا لا يحق لأمريكا أن يكون لها حق التفتيش..
((جالى تالبوت وكيل وزارة الخارجية الأمريكية وقالى بما أنكم رفضتم هذا فاحنا شايفين أننا في حل ندي إسرائيل ما تطلبه من السلاح.. وإنكم إذا شهرتم بنا وقلتم إن احنا بندي إسرائيل سلاح حنديها سلاح أكثر.. فأنا قلت له وأنتم إذا اديتم إسرائيل سلاح احنا أيضاً نشتري سلاح ولا يمكن أن احنا نترك العملية بهذا الشكل..
فى الوقت ده هم قرروا أنهم يدوا إسرائيل أعداد من الدبابات وأعداد من الطيارات يمكن أعلنوا هم في الإعداد الاعلنوها شئ، الشئ الأدوه لإسرائيل شئ آخر ده كان تهديد من أمريكا وكان تهديد واضح أنهم حايدوا إسرائيل ويساعدوا إسرائيل ويعاونوا إسرائيل إذا لم نقبل نحن حق التفتيش ونقبل طلباتهم في تحديد الجيش المصري بعدد معيّن وسلاح معيّن))..
هذا ما قاله السيد جمال عبد الناصر، وهو، في حد ذاته، كافٍ في الدلالة على مستوى الفهم الذي يوجه مصير العرب في الآونة الحاضرة..