في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الدستور الإسلامى؟ نعم .. ولا !!

الديمقراطية والاشتراكية والإسلام


الديمقراطية


((وإذا كان الإسلام متضمنا لجميع معاني العدالة والشورى وكل المبادئ الإنسانية السليمة إذن فلا نرى أي مبرر لورود كلمتي (الاشتراكية والديمقراطية) ضمن بنود الدستور ويكفي أن يوصف بأنه إسلامي)) ((اللهم إلا إذا اتهمنا الإسلام بالقصور وعدم الكمال والشمول وهو أمر لا يدور بخلد واحد من المسلمين)) بهذه العبارات اختتمت الهيئة الوطنية للدستور الإسلامي مذكرتها عن الدستور الإسلامي الكامل . وهذه الهيئة ترفض الديمقراطية .. لماذا ؟ هي تحدثنا في مذكرتها فتقول " صارت الديمقراطية من الشعارات التي تحمل معاني كثيرة ومتناقضة بمستوى التناقض القائم بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي . فالدول الشيوعية تصف أنظمتها بالديمقراطية وكذلك تفعل الدولة الغربية الرأسمالية على الرغم مما بين الشرق والغرب من خلاف في المبادئ والفلسفات . أما المسلمون فقد وصفهم الله بقوله "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس"
وأنا شديد اليقين بأن من يقول مثل هذا القول لا يحق له أن يتحدث عن الديمقراطية ، ولا يحق له أن يتحدث عن الإسلام ، فإن تحدث فإنه لا يعدو أن يكون رجلا يقول على الله مالا يعلم . وقد يكون رجلا لا يرجو لله وقارا ..
أما الإسلام ، فإن هذه الآية لا يصح إيرادها في هذا المقام ، لأنه ليس هناك بين الشيوعية والرأسمالية الغربية موضع وسط ، فإنهما كلاهما مادي .. فالرأسمالية الغربية هي التي زيفت الديمقراطية في الغرب ، والشيوعية هي التي زيفت الديمقراطية في الشرق ، وإن كان تزييف الديمقراطية في الغرب أقل ، بما لا يقاس من تزييفها في الشرق - ولكن المهم أن هناك جنفا عن الروح ، في الشرق ، وفي الغرب ، مما يجعل المدنية الغربية ، بشطريها : الرأسمالي ، والشيوعي مدنية مادية ، عاجزة ، عن استيعاب طاقة الإنسان المعاصر ، الذي أصبح يطلب الحرية ، ويطلب الرخاء المادي ، كوسيلة إليها ، لا كبديل عنها . وقد ورد في كتاب الحزب الجمهوري " التحدي الذي يواجه العرب" صفحة 19 قولنا " وتوحيد البشرية عن طريق الفكر - وليس هناك من طريق سواه - يتطلب مدنية تعطي منزلة الشرف للفكر ، وما هكذا المدنية الغربية الحاضرة : لا في شقها الرأسمالي الغربي ، ولا في شقها الشيوعي الشرقي .. بل إن هذه المدنية الغربية لتقوم أساسا على إنكار الفكر .. فهي مدنية مادية يستوي في ذلك شقها الشيوعي ، مع شقها الرأسمالي ، فليس الاختلاف بين الشيوعية والرأسمالية إلا اختلاف مقدار .. وواضح جدا عند الشيوعية تحقير الفكر وكبت حريته .
والمدنية الغربية أعلنت إفلاسها ، ووصلت إلى نهاية مقدرتها التطورية .. وعجزت عن استيعاب طاقة بشرية اليوم ، وتطلعها إلى تحقيق الاشتراكية والديمقراطية في جهاز حكومي واحد .. لأن الإنسان المعاصر يريد الحرية ، ويرى أن الاشتراكية حق طبيعي له ووسيلة لازمة لتحقيق هذه الحرية ، ومن خطل الرأي عنده ، أن يطلب إليه ، أن يتنازل عن حريته لقاء تمتعه بالحقوق التي تكفلها له الاشتراكية ، كما تريد له الشيوعية الماركسية الآن . أو أن يطلب إليه أن يحقق حريته الديمقراطية في ظل نظام اقتصادي رأسمالي لا تتوفر له فيه حاجة المعدة والجسد إلا بشق الأنفس ، كما تريد له الرأسمالية الغربية .. فليس ، إذن ، بين الديمقراطية الغربية ، وبين الشيوعية الماركسية ، موضع وسط يحتله المسلمون ، وتساق في تحديده تلك الآية الكريمة . وإنما سيقت الآية لتوسط المسلمين بين إفراط المسيحيين في الروحانية ، وإفراط اليهود في المادية ، وقد تحدثنا عن ذلك بتطويل في كتابنا "الرسالة الثانية من الإسلام " صفحة نمرة 108 فليراجع .
وأما الديمقراطية فإنه من الخطأ أن ينسب لها تقصير المقصرين في تطبيقها ، أو تزييف المزيفين لمحتواها . ولم تخبرنا هذه الهيئة عن الديمقراطية في جوهرها ، وإنما اكتفت برفضها لأنها ، عندها ، أصبحت "من الشعارات التي تحمل معاني كثيرة ومتناقضة " وهذا محض سطحية ، وإفلاس فكري .. ونحن لن نتوسع هنا في شرح معنى الديمقراطية في جوهرها وإنما نترك ذلك لحين صدور كتابنا "الإسلام ديمقراطي اشتراكي" ولكننا لا بد لنا قبل ذلك من أن نشير القارئ إلى كتابنا "زعيم جبهة الميثاق في ميزان 1-الثقافة الغربية 2-الإسلام" صفحة 9 وما بعدها ليراجع حقيقة الديمقراطية بصورة موجزة ولكنها كافية لحاجته الحاضرة .. ونستطيع أن نورد هنا شيئا يسيرا مما جاء في ذلك الكتاب . "وتعد المساواة الأساسية بين كافة الناس مظهرا من أهم المظاهر للمذهب الديمقراطي . فالناس من حيث هم ناس ، مهما فرقت بينهم فوارق الجنس ، أو اللون ، أو اللغة ، أو الدين ، أو القومية، أو الطبقة فان هناك شيئا أساسيا مشتركا بينهم ، هو العقل .. والقدرة على التفكير . والناس بهذه النظرة ليسوا مجرد أعضاء في طائفة اجتماعية ، أو طبقة اقتصادية ، أو قومية معينة ، لأن (الذي يتساوون فيه بصفة أساسية يأتي مما يشتركون فيه ، لا مما يفرق بينهم) " هذا ما قلناه هناك فالديمقراطية هي نظام الحكم الذي يكون فيه لكل مواطن كرامة .. وكرامة الإنسان ليست في توفير (العلف) له وإنما في احترام حرية فكره فما كرم الإنسان على الحيوان إلا بالفكر .
ولقد ورد في كتاب الحزب الجمهوري "الرسالة الثانية من الإسلام" في صفحة نمرة 165 قولنا "وإنما تجئ كرامة الإنسان من كونه أقدر الأحياء على التعلم والترقي ، وإنما تجئ كرامة الديمقراطية من كونها ، كأسلوب للحكم ، أقدر الأساليب لإتاحة الفرص للإنسان ليبلغ منازل كرامته وشرفه ، وإنما يتعلم الإنسان من أخطائه وتلك هي الطريقة المثلى للتعليم "ففي الديكتاتورية تمنع الحكومة الفرد من أن يجرب ، أو يعمل بنفسه ، وبذلك تعطل نموه الفكري والعاطفي ، والخلقي ، لأن كل أولئك إنما يتوقف نموه على ممارسة العمل ، وتحمل مسئولية الخطأ في القول وفي العمل ، ثم التعلم من الخطأ . وعلى العكس من الديكتاتورية ، نجد أن الديمقراطية قائمة على الحق في ارتكاب الأخطاء ، وهذا ليس معناه الخطأ من أجل الخطأ وإنما اعترافا بأن الحرية توجب الاختيار بين السبل المختلفة للعمل ، ولا يمكن للإنسان أن يكون ديمقراطيا حقا دون أن يتعلم كيف يختار ، وأن يحسن الاختيار ، وأن يصحح ، باستمرار خطأ الاختيار الذي يبدو منه ، الفينة بعد الفينة. وفي واقع الأمر فإن السلوك جميعه ، وممارسة الحرية برمتها ، إنما هي سلسلة من التصرف الفردي في الاختيار والتنفيذ .. أو قل في حرية الفكر وحرية القول وحرية العمل ، على شرط واحد هو أن الإنسان يتحمل نتيجة خطئه في القول ، وفي العمل ، وفق قانون دستوري . "فالديمقراطية هي حق الخطأ ، وفي قمة هذا التعريف جاء حديث المعصوم (إن لم تخطئوا وتستغفروا فسيأتي الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر لهم.) " هذا ما أوردناه يومئذ وسنخوض في تفصيل أمر الديمقراطية في كتابنا المقبل إن شاء الله وهو الذي سيصدر باسم " الإسلام ديمقراطي اشتراكي" ولكن هذا القدر الذي أوردناه كافي للتدليل على أن الديمقراطية أسلوب حياة ينطبق عليه الأسلوب الإسلامي تمام الانطباق ، فإذا زيفها الشيوعيون ، أو زيفها الفاشيون ، أو زيفها الرأسماليون الغربيون فقد وجب أن نرفض التزييف من حيث جاء ، ونتمسك بالديمقراطية في أصالتها وجوهرها ، ونقوم على حمايتها ، لأنها النهج الإنساني الوحيد في أسلوب الحكم الذي يليق بشرف ، وكرامة الإنسان .

والاشتراكية


وماذا قالت هذه الهيئة عن الاشتراكية ؟ قالت " كذلك يحمل لفظ الاشتراكية من المعاني المتناقضة ما يجعل استعماله في أي شكل من الأشكال وسيلة لاستغلاله للانحراف بمبادئ العدالة الإنسانية وإشعال حرب الطبقات بين المجتمع"
وهنا أيضا غاب عن هذه الهيئة جوهر الاشتراكية وتورطوا ، فنسبوا لها سوء التطبيق ، والتزييف الذي تعرضت له ، كما تعرضت صنوها "الديمقراطية" فالاشتراكية هي "الديمقراطية الاقتصادية" حين كانت الديمقراطية هي "الاشتراكية السياسية" ، وهما لا ينفصلان ، وإنما هما ، للمجتمع الراقي ، كالجناحين للطائر .. فكما أن الطائر لا يستطيع أن يستقل في الجو بجناح واحد، فكذلك المجتمع، لا يستطيع أن ينهض بغيرهما معا ، وغرضهما إحراز كرامة الإنسان . ولقد سبق أن قررنا أن المدنية الغربية الحاضرة إنما أعلنت إفلاسها عن استيعاب طاقة الإنسان المعاصر لأنها عجزت عن الجمع بين الديمقراطية والاشتراكية في جهاز حكومي واحد .. فالإنسان "المعاصر يريد الحرية ، ويرى أن الاشتراكية حق طبيعي له ، ووسيلة لازمة لتحقيق هذه الحرية ، ومن خطل الرأي عنده ، أن يطلب إليه ، أن يتنازل عن حريته لقاء تمتعه بالحقوق التي تكفلها له الاشتراكية ، كما تريد له الشيوعية الماركسية الآن ، أو أن يطلب إليه أن يحقق حريته الديمقراطية في ظل نظام اقتصادي رأسمالي لا تتوفر له فيه حاجة المعدة والجسد إلا بشق الأنفس ، كما تريد له الرأسمالية الغربية."
والعبارة التي أوردتها هذه الهيئة في مذكرتها ، وهي قولها "وإشعال حرب الطبقات بين المجتمع" تدل أتم الدلالة على أن الهيئة تعتقد أن الاشتراكية هي الماركسية ، وهذا وهم شائع ، إن جاز أن يتورط فيه قارئ الصحف اليومية العادي ، فلا يجوز أن يتورط فيه نفر يتصدون للكتابة ، ولتوجيه الشعب ، في أمر من أهم أموره ، ألا وهو الدستور ، فإن الماركسية مدرسة من مدارس الاشتراكية ، لها حسناتها ، وعليها سيئاتها وما ينبغي أن نحسب أخطاء الماركسية على الاشتراكية ، بحال من الأحوال : والاشتراكية تعني ببساطة ، أن يكون الناس شركاء في خيرات الأرض ، فلا يكون لبعضهم حق وللبعض الآخر صدقة .. ولقد جاءت كنتيجة طبيعية للصراع الطويل المرير بين " الما عندهم والعندهم" وقبل أن تظهر الاشتراكية العلمية كانت الاشتراكية البدائية ، وهي تعني المشاركة في الخيرات التي لا تضيق بأحد ، ولا يقع عليها الحوز ، ولقد عبر المعصوم عن هذه حين قال "الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار" وفي هذا الحديث إشارة رصينة إلى وجوب الاشتراكية بين الناس حين تفيض الخيرات باستغلال الموارد الطبيعية والصناعية ، وهو ما عليه قامت الاشتراكية العلمية:-
ولقد ورد في كتاب الجمهوريين "الرسالة الثانية من الإسلام" صفحة 158 عن الاشتراكية الآتي:-
((فالاشتراكية العلمية ، عند الجمهوريين ، تقوم على دعامتين اثنتين ، وفي آن واحد: أولاهما زيادة الإنتاج من مصادر الإنتاج ، وهي المعدن ، والزراعة ، والصناعة ، والحيوان ، وذلك باستخدام الآلة ، والعلم ، وبتجويد الخبرة الإدارية ، والفنية ، وثانيتهما عدالة التوزيع ، وهي تعني ، في مرحلة الاشتراكية أن يكون هناك حد أعلى لدخول الأفراد ، وحد أدنى . على أن يكون الحد الأدنى مكفولا لجميع المواطنين ، بما في ذلك الأطفال ، والعجائز ، والعاجزين عن الإنتاج ، وعلى أن يكون كافيا ليعيش المواطن في مستواه معيشة تحفظ عليه كرامته البشرية ، وأما الحد الأعلى للدخول فيشترط فيه ألا يكون أكبر من الحد الأدنى بأضعاف كثيرة ، حتى لا يخلق طبقة عليا تستنكف أن تتزاوج مع الطبقة ذات الدخول الدنيا .. ومن أجل زيادة الإنتاج وجب تحريم ملكية مصادر الإنتاج ، ووسائل الإنتاج على الفرد الواحد ، أو الأفراد القلائل في صورة شركة ، سواء أكانت شركة إنتاج أو شركة توزيع .. ولا يحل للمواطن أن يملك ملكا فرديا إلا المنزل ، والحديقة حوله ، والأثاث داخله ، والسيارة ، وما إلى ذلك مما لا يتعدى إلى استخدام مواطن استخداما يستغل فيه عرقه لزيادة دخل مواطن آخر. والملكية الفردية ، حتى في هذه الحدود الضيقة ، يجب ألا تكون ملكية عين للأشياء المملوكة ، وإنما هي ملكية ارتفاق بها ، وتظل عينها مملوكة لله ثم للجماعة بأسرها.
((ثم إنه كلما زاد الإنتاج من مصادر الإنتاج اتجهت عدالة التوزيع إلى الإتقان ، وتقريب الفوارق ، وذلك برفع الحد الأدنى وبرفع الحد الأعلى ، على السواء . ولكن رفع الحد الأدنى يكون نسبيا أكبر من رفع الحد الأعلى ، وذلك بغية تحقيق المساواة المطلقة . وعند تحقيق المساواة المطلقة بفضل الله ، ثم بفضل وفرة الإنتاج ، تتحقق الشيوعية ، وهي تعني شيوع خيرات الأرض بين الناس .. فالشيوعية إنما تختلف عن الاشتراكية اختلاف مقدار .. فكأن الاشتراكية إنما هي طور مرحلي نحو الشيوعية ، ولقد عاش المعصوم الشيوعية في قمتها حين كانت شريعته في مستوى آية الزكاة الكبرى "يسألونك ماذا ينفقون قل العفو" ولقد فسر العفو بما يزيد عن الحاجة الحاضرة ، وحديثه عن الأشعريين في مستوى الشيوعية ، وذلك حين قال "كان الأشعريون إذا أملقوا ، أو كانوا على سفر ، فرشوا ثوبا ، فوضعوا عليه ما عندهم من زاد ، فاقتسموه بالسوية ، أولئك قوم أنا منهم ، وهم مني" .
وحديث آخر رواه أحد الأصحاب قال ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال "من كان له فضل مال فليعد به على من لا مال له ، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ، ومن كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ، ومن كان له فضل ماء فليعد به على من لا ماء له." ثم ذهب يعدد الفصول حتى ظننا أن ليس لأحد حق في فضل)
وزيادة الإنتاج إنما تكون باستخدام الآلة ، وبالخبرة العلمية ، والإدارة الرشيدة ، على أسلوب التعاون بين المواطنين المنتجين ، لا على أسلوب الامتلاك المركزي للدولة ..
ونحن الجمهوريين حين نتحدث عن الاشتراكية العلمية ، أو عن الشيوعية ، فيما ندعو إليه ، لا نريد مذهب كارل ماركس هذا المعروف باسم الماركسية اللينينية ، بل إننا لنعلم أن اشتراكية كارل ماركس ليست علمية ، وإنما هي متورطة في خطأ أساسي ، وجسيم ، وهو خطأ يشكل أكبر عقبة في سبيل انتصار الاشتراكية في الأرض وهي لن تنتصر إلا إذا صححت هذا الخطأ الأساسي ، وقد وردت الإشارة إلى هذا الخطأ بإيجاز في كتابنا "التحدي الذي يواجه العرب" الصفحة نمرة 14 ، وموعدنا بالتفصيل كتابنا المقبل "الإسلام ديمقراطي اشتراكي" الذي سيصدر قريبا إن شاء الله .