في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الدستور الإسلامى؟ نعم .. ولا !!

الجمع بين الديمقراطية والاشتراكية


يمكن القول بأن نظاما يستطيع أن يجمع بين الديمقراطية والاشتراكية في جهاز حكومي واحد هو حاجة البشرية منذ اليوم . وقد عجزت الرأسمالية الغربية في ذلك حين زعمت ، تمشيا مع مفهوم سلفي ، إن من لوازم الحرية الفردية حرية الامتلاك الفردي حتى لوسائل الإنتاج ، وحين رفضت أن تتطور عن هذا الموقف نحو الاشتراكية إلا تطورا وئيدا يمليه الضغط الشيوعي ، ويحفزه الخوف من الثورة الشيوعية المجتاحة ، وبذلك فقد فرط الغرب في الجانب الاشتراكي ، وأصبح يوهم نفسه بأنه ديمقراطي وفي الحق ليس هناك ديمقراطية تهمل الاشتراكية إلا أن تكون حبرا على ورق .
وقد عجزت ، من الجانب الآخر ، الشيوعية الماركسية اللينينية عن الجمع بين الديمقراطية والاشتراكية ، واتجهت إلى تزييف الديمقراطية زاعمة أن الديمقراطية الغربية غير صالحة ، لأنها ديمقراطية رأس المال والإقطاع .. وقد اتجهت هي إلى ديمقراطية تصادر حرية رأس المال ، والإقطاع ، وتعطي الحق للعمال، والمزارعين ، والمثقفين الوطنيين ، وأسمت هذه بالديمقراطية الصحيحة ، وفي الحق أن هذا تزييف للديمقراطية ..فما هي إلا دكتاتورية المثقفين الوطنيين على العمال والمزارعين . إن الوهم الفكري الكبير عند هؤلاء القوم هو ما نعيناه على الهيئة الوطنية للدستور الإسلامي وذلك هو توهم النقص في الديمقراطية لأن الغرب أساء تطبيقها . والنظرة السليمة تقول إن الديمقراطية لا عيب فيها ، ولكن العيب في من أساء تطبيقها ، ولن يكون المخرج من ورطة سوء التطبيق بتزييف الديمقراطية ، وإنما بتصحيح التطبيق ..
وفي الحق أن الماركسية لن تستطيع أن تطبق إلا ديمقراطية زائفة – دكتاتورية تسمى زورا وبهتانا ، ديمقراطية – وذلك لأن قصر نظر الماركسية الذي ورطها في إنكار القيم الروحية قد أعجزها عن تقديم بديل لدافع الإنتاج التقليدي الذي قوضته .. فقد كان دافع الإنتاج القديم ، في النظام الإقطاعي ، والرأسمالي ، الذي ورثته الماركسية ، أن فائض إنتاجك لك ، تدخره ليوم حاجتك ، بعد أن تدفع ما عليه من وظيفة مالية . ثم جاء النظام الاشتراكي ، وهو لا يقوم إلا على أخذ فائض إنتاجي وإنتاجك ، من القادرين على الإنتاج لأنه بفضل ما يفيض عنا يعطى الذين لا يستطيعون الإنتاج وإنما يستطيعون الإستهلاك .. وقد نرضى أنا وأنت من القادرين على الإنتاج عن هذا الوضع مؤقتا ، ريثما نبلغ شاطئ الشيوعية ، حيث نصبح كلنا في بحبوحة وسعة ، ننتج ما نطيق ، ولكنا ، بفضل وفرة الإنتاج ، نأخذ كل ما نحتاج .. ولكن مرت السنون ولم تقطع الماركسية مرحلة الاشتراكية ، وهاهي ، في نهاية نصف قرن من بداية تطبيقها ، في روسيا ، تحاول أن ترتد إلى استعمال حوافز رأسمالية ، تضمن بها زيادة الإنتاج ، وجودة الإنتاج . وتلك هي إجراءات الاقتصادي السوفيتي لبرمان .. ويحدثنا لبرمان ، وغيره من الماركسيين ، أن حوافز الإنتاج التي تقوم على المكافأة المادية ليست ، بالضرورة ، رأسمالية ، وإنما تتمشى مع الاشتراكية . وهو قول مردود ، بالطبع . وستظهر حقيقة هذه الحوافز التي أدخلها لبرمان بدافع الضرورة في قصور الماركسية ، حين تتداعى هذه الحوافز إلى نهايتها المنطقية .. يومئذ ستظهر أنها ، في واقع أمرها ، نكسة إلى الرأسمالية اضطرت الماركسية إليها بسبب قصر نظرها حين أنكرت القيم الروحية .
إن الذي حدث في الاتحاد السوفيتي هو الأمر الطبيعي ، وهو أننا ، نحن البشر ، لا نفعل أمرا ، ولا نترك أمرا ، إلا لغرض يدور حول ذواتنا .. فإذا قالت الدولة للناس أنتجوا بكل طاقتكم الإنتاجية ، وضحوا في المرحلة الحاضرة بفائض إنتاجكم لأننا نبني النظام الاشتراكي الذي هو مرحلة فقط ، نحو النظام الشيوعي ، وحين نبلغ النظام الشيوعي ، بفضل تضحيتكم في مرحلة الاشتراكية ، فإن مكافأتكم ستكون أن تنالوا كل ما تحتاجون إليه ، مع قلة في ساعات العمل ، فإن الناس ، كراهة منهم للوضع الإقطاعي ، والرأسمالي الماضي ، وثقة منهم في النظام الجديد ، الذي جاء بخلاصهم ، وفتح لهم باب الأمل على جنة الأرض ، سينتجون . ولكن حين يطول الأمد على الموعود فإن الأمر الطبيعي هو ضعف الثقة بالنظام الجديد من جانب المخضرمين الذين عاشوا سوء النظام القديم ، وتفتحت نفوسهم بالأمل في النظام الجديد .. وأما الأجيال الجديدة التي لم تعرف شيئا كثيرا عن سوء النظام القديم فإنها لا تفهم معنى لكل هذه التضحية وإنما تنتظر عائد التضحية أن يكون فوريا . أو هو ان تراخي فإنما يتراخى لمدة قصيرة ، وذلك لأن الحياة في حد ذاتها قصيرة . وعمر الاستمتاع بالخيرات فيها أقصر .. والنتيجة الطبيعية من المخضرمين ، ومن الأجيال الجديدة ، هي التذمر ، والتمرد ، والعصيان المكبوت ، الذي لا يجد فرصة للتعبير عن نفسه ، أمام إرهاب الدولة ، وقوة مركزيتها ، إلا في قلة الإنتاج المتعمد .
إن الدولة الماركسية في مثل هذا الموقف ، أمام إحدى ثلاث خصال : فهي إما أن توجد دافعا جديدا ، وبديلا لدافع الإنتاج التقليدي الذي قوضته ، أو أن تقوم بالمراقبة ، والتجسس الدقيق ، والمستمر على المنتجين ، أو أن تنهار .. فأما الخصلة الأولى فإن الماركسية لا تجد إليها سبيلا . وأما الخصلة الأخيرة فإنها لا تريدها ، بالطبع . فلم تبق إلا الخصلة الثانية وهي المراقبة الدقيقة ، وهي ما قامت عليه الماركسية في الاتحاد السوفيتي . وفي الحقيقة لقد قامت عليه منذ بداية نشأتها . ولكن المراقبة ، والتجسس ، قد كان في أول الأمر موجها ضد من سموا أعداء النظام الجديد من سدنة النظام القديم ، من الإقطاعيين ، والرأسماليين . ثم أصبحت المراقبة ، والتجسس لازمة من لوازم التطبيق الماركسي على مرور الزمن ، لأن أعداء النظام الجديد قد أصبحوا بعض أعوانه القدامى ، الذين فقدوا الأمل فيه ، من المخضرمين ، ومن الأجيال الجديدة ، كما ذكرنا .. وكان أمر التجسس والمراقبة والبوليسية على أشده على عهد استالين . وكانت نتيجته حمامات الدماء التي زعم خريشوف ، في أحد تصريحاته ضد استالين ، أن استالين قتل فيها ما يبلغ خمسة ملايين من المواطنين فلما انتهي عهد استالين ، وأقبل عهد خلفائه من بعده ، وأظهرهم خريشوف جاء عهد انحلال الماركسية ، وضعف القوة الكابتة التي كانت في يدي استالين ، وبدأ ضعف الثقة ، لطول ما مر من الزمن دون أن تظهر صورة الشيوعية حتى في الأفق البعيد .. وبدأ ضعف الإنتاج ، وأصبحت الدولة الحديثة في روسيا بحاجة إلى دافع يدفع لزيادة الإنتاج ، يحل محل الخوف الذي فرضه استالين ، ولم يعد من الممكن استمراره في عهد خلفائه ، فلم تسعف الماركسية – اللينينية أتباعها بحافز جديد ، فارتدوا إلى الحوافز الرأسمالية . وبذلك أصبحوا مرتدين في نظر منافسيهم الصينيين .. وإنهم بحق ، لمرتدون ، ولكن الماركسية نفسها لم تسعفهم بما يعصمهم عن الردة .. وهي لن تسعف ماو تسي تونغ بشئ . بل ، الحقيقة ، أن فشلها على يديه لهو أسرع من فشلها على يدي الروس ، ويكفي الآن ما أغرق فيه الصين من فوضى تسمى ، سخرية ، بالثورة الثقافية ، يقوم بها الأيفاع والمراهقون ، ضد أساتذة الجامعات ، وضد فلاسفة الماركسية ، من أمثال ليوشاوشي ..
إن الماركسية تحمل عناصر فشلها في ذاتها ، وهذا أمر نترك تفصيله لحين صدور كتابنا المقبل وهو باسم "الإسلام ديمقراطي اشتراكي" ولكنا نستطيع أن نؤكد هذه العبارة ، وهي عبارة لا يذهل عنها إلا تابع ذليل ، مخدوع ، أو مفكر لا يستحق اسمه ، فهو كليل الذهن ، قاصر الفكر ..
وقصور الماركسية يكمن فيما تتبجح به جهلا ، وتسميه علما ، وهو الإلحاد . ولن يكون الإلحاد علما ، إلا إذا انطمست العقول ، وتخلت عن وظائفها . وإلا فإنه قد قيل :-
فليس يصح في الأذهان شئ: إذا احتاج النهار إلى دليل . وهنا يجئ دور الإسلام ليتمم النقص في الماركسية بإدخاله عنصر الروح الذي جحدته ، وبإدخاله لعنصر الروح تصبح القيمة على مستويين : المستوى المادي ، والمستوى الروحي : والمادة وسيلة للروح ، بمعنى "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة من الله" كما قال المسيح أو "الدنيا مطية الآخرة" كما قال المعصوم . وهذه النظرة تعوض دافع الإنتاج التقليدي الذي لابد له من أن يتقوض ليفتح الطريق للاشتراكية ، لأنه كما سبق أن قررنا ، لولا انك تنتج أكثر مما تستهلك ولولا أن ما يفيض من إنتاجك عن استهلاكك يؤخذ منك ، لما أمكن إمداد العاجزين عن الإنتاج بما يحتاجونه لاستهلاكهم ..وإمداد هؤلاء هو من ضمن محاسن النظام الاشتراكي ، لأن به تظهر إنسانية الإنسان . وفي إنسانية الإنسان كل القيمة للأفراد وللجماعة ، فإنك برضا نفسك ، أن تجتهد في زيادة الإنتاج ، وأن تقتصد في استهلاكك ، توفر السعادة لقوم آخرين ، من أطفال ، ونساء ، وعجزة ، وعجائز . وبتوفيرك السعادة لهؤلاء ، بتقديم تعبك ، وعرقك ، ووقتك وفكرك ، تجد زيادة ، وسعة في طمأنينة نفسك ، ورضا قلبك ، ورحابة إنسانيتك .. ومن ثم سعادتك .. والإسلام يركز على ذلك تركيزا يجعل عبادته ان هي إلا نهج تربوي يعدني ويعدك لنكون صالحين ، ونافعين لإخواننا في الحياة .. فهو يقول "الدين المعاملة" ويقول "الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله" ويقول "من غشنا ليس منا" ويقول "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده " ..
ثم هو في تربيته يجعل ضميرك الرقيب عليك ، وهذا يغنيك عن مراقبة غيرك عليك ، سواء أكان هذا الغير رئيس الوحدة الإنتاجية التي تشتغل فيها ، أم كان البوليس السري الذي تحتاجه الماركسية ، ولا تستغني عنه في حمايتها لنظامها .. فإذا كان الرقيب عليك ضميرك فأنت حر . وإذا كان المواطنون أحرارا فقد أمكن للاشتراكية أن تطبق تحت ظل الديمقراطية .. وهذا ما جعلنا نزعم أن الإسلام وحده هو الذي يستطيع أن يجمع بين الديمقراطية ، والاشتراكية ، في نظام حكومي واحد ..
هذا ، ولا يظنن أحد أن الإسلام لا يفرض قيام الاشتراكية بالقانون ، وإنما يتركها لضمائر الأفراد . فإن مثل هذا الظن سيكون خاطئا .. والمقصود أن الإسلام إنما يتخذ القانون وسيلة من وسائل التربية يضاف إلى وسائل أخرى ، في النهج التعبدي ، فمن استغنى عن القانون بفضل تربيته فذلك هو الرجل الحر ، ومن احتاج لتطبيق القانون عليه طبق عليه ، كوسيلة لإعانته على التربية ، وليس كوسيلة للردع فقط ..