لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين

سوء فهم وسوء نية

..
ونحن لا نستغرب سوء الفهم، وسوء النية، من أي إنسان بقدر ما نستغربهما ممن يحملون الأقلام، ويتصدون لتوجيه الرأي العام، ويجدون المداد، والورق، موفورا لديهم لأن ، الشعب يثق فيهم، ويقبل علي ما يكتبون – يدفع ثمنه من حر ماله، ويقبل عليه يقرأه، ويستظهره – من مثل هؤلاء يستغرب سوء الفهم، ويستغرب سوء النية .. بل من مثل هؤلاء قد لا يقبل صرف ولا عدل .. لأن في عملهم خيانة لأمانة الثقافة، وخيانة لرسالة القلم، وخيانة لأمانة الثقة .. الثقة الغالية التي أودعها الشعب في حملة الأقلام ..
من سوء الفهم ما صدر عن صحيفة ((الرأي العام)) وهي تعلق علي العنوان ، من كلمة نشرتها بعددها الصادر يوم الخميس 14/11/1968 في باب ((الرأي العام من يوم إلى يوم)) تحت عنوان ((حول عنوان محاضرة محمود محمد طه – عندما تهدد الحرية بالفتنة والاضطرابات -)) ولقد جرت عبارات الكاتب علي النحو الآتي:- ((حرية البحث والتفكير والتعبير ينبغي أن تكفل في كل وقت وأن تصان بواسطة أجهزة الدولة ما دامت البلاد قد أختارت الديمقراطية منهجا وأسلوبا، في الحكم ..
ولا يملك أحد أن يعترض علي هذه الحرية إلا إذا أراد أن يعترض علي مبدأ الديمقراطية نفسه..
ولكن الحرية ليست مطلقة ..
والكلمة لها حدود من الآداب والتقاليد والتعقل .. والمواطن حر في أن يعبر عما يريد، شريطة ألا تصطدم هذه الحرية مع حريات الآخرين ..
وأن الحد الفاصل بين الديمقراطية والفوضي رفيع جدا .. دقيق المقاييس، يصعب تبنيه متى تجرّد الناس من الموضوعية والتعقل ..
لكل هذا أستفزنا عنوان محاضرة الأستاذ محمود محمد طه التي ألقاها، بمعهد المعلمين العالي وجعل لها واجهة ((الإسلام في رسالته الأولي لا يصلح لإنسانية القرن العشرين)) ومع احترامنا للأستاذ محمود، واحترامنا لحريته في البحث والاجتهاد، إلا أننا لا نقر أن تصل حرية الأستاذ محمود حدود استفزاز الآخرين وتعريض الأمن للخطر، وتهديد البلاد بفتنة يلعن الله من يوقظها.
وبغض النظر عن محتوى المحاضرة، وعن الاسباب التي يسوقها الأستاذ محمود، فإن وضع مثل هذا العنوان المثير للفتنة، المستفز للناس، واجهة لحديثه يدفعنا إلى الاحتجاج بشدة ..
وقد يقول البعض أن العنوان مسألة شكلية، وأن المهم في الأمر هو لب الحديث وموضوعه، وعلي هؤلاء أن يتدبروا في التاريخ كم فتنة أيقظتها الأمور الشكلية، وكم من الحروب أشعلتها كلمة عابرة؟
إن هذه الفترة الدقيقة من مراحل التحول الإجتماعي تلزم الباحثين والمفكرين بأن ينهجوا في تفكيرهم وفي مخاطبة الناس الأساليب التي لا تنزلق بالبلاد إلى ما لا يريد لها عاقل، وأن يتدبروا في أقوالهم وتصريحاتهم، وأن يراعوا حدود الحرية ومشاعر الآخرين ..
ونود أن نقول كلمة عابرة للأستاذ محمود، في هذا المجال الذي لا يصلح للبحث العميق ..
ماهي إنسانية القرن العشرين وحضارته؟
أهذا التفسخ الذي يجتاح عالم الغرب من خنافس وهيبيز حضارة أو إنسانية؟
ألمثل هذا القرن المنحدر نحو الهاوية لا يصلح الإسلام وهو الذي أصلح الجاهلية الأولي؟
إن الإسلام دين كل زمان ومكان، دين الحياة والحقيقة، منجاة الإنسان من الانحدار، لا يمكن إلا أن يصلح لزماننا هذا مثلما صلح لزمان آخر..
ولكنا، للأسف، قد صدق فينا قول الإمام محمد عبده، مسلمون من غير إسلام، وقد كان في أوربا في عصرها الذهبي إسلام من غير مسلمين ..
أن جوهر الإسلام سيبقي إلى الأبد الهدف الأسمي لاصلاح الإنسانية وتقويم المجتمعات الضالة وتثقيف ما أعوّج من أمور الناس ..)) انتهي كلام صحيفة ((الرأي العام)) ..
ثم أن الأستاذ ذا النون جبارة الطيب رد علي هذه الكلمة بكلمة بتاريخ 16/11/1968 أرسلها للصحيفة، جاء فيها، بعد لوم الصحيفة علي التسرع، قوله: ((قل لي بربك هل تستطيع أن تحكم علي أي أنتاج أدبي، أو أي كتاب من مجرد العنوان؟ أن عدم توخيك الدقة في هذا الأمر قد جعلك تذهب بعيدا إلى قولك ((ان الإسلام دين كل زمان ومكان، دين الحياة والحقيقة، منجاة الإنسان من الانحدار، لا يمكن إلا أن يصلح لزماننا هذا مثلما صلح لزمان آخر.)) ان عدم إهتمامك بمحتوى المحاضرة هو الذي وقعك في هذا الخطأ. فمنذا الذي قال بأن الإسلام لا يصلح لكل زمان ومكان؟ وحتي العنوان الذي قلت فيه ما قلت لا يعطيك هذا الذي ذهبت اليه، لأنه ان كان الإسلام برسالته الأولي لا يصلح لإنسانية القرن العشرين، فالإسلام برسالته الثانية يصلح لإنسانية القرن العشرين، والقرون التي تليه، والي أن يرث الله الأرض ومن عليها .. لقد أصدر الحزب الجمهوري، قبل ثلاثة أعوام كتابا بعنوان ((الرسالة الثانية من الإسلام)) نفدت طبعته الأولي، ثم أعيد طبعه قبل حين، ولقد دار حوله نقاش مستفيض علي صفحات جريدتكم الغراء بيننا وبين الشيخ محمد محمود شاهين، كنا نحسب أن فيه الغناء)) ولقد كانت كلمة ذا النون مهذبة فلم تنشرها الرأي العام، ولم تشر اليها، مجرد اشارة، وإنما تركت قراءها يتوهمون أن الحزب الجمهوري لم يتعرض لكلمتها بالتفنيد ولا بالرد ..
انني ما أحب أن أتعرض، لمستوي فهم صحيفة ((الرأي العام))، ولا لمستوي أمانتها، بالتعليق، وإنما أوردت كلمتها، وطرفا من كلمة ذا النون التي أبت أن تنشرها، أو أن تشير اليها، ليكون هذا العمل مسجلا عليها .. وسيجيء يوم يتمني فيه القائمون علي هذه الصحيفة أنهم لم يكونوا قد أوبقوا أنفسهم، وورطوها في الهلكة إلى هذه الدرجة ..

وآخرون


وقبل صحيفة ((الرأي العام)) تورط في الخطأ، والعجلة، رجال آخرون، فحاولوا أن يوقفوا القاء هذه المحاضرة بمعهد المعلمين العالي، وذلك يوم الاثنين 11/11/1968، فقد ورد في ((الرأي العام)) عدد يوم 13/11 أن السيد اسماعيل الأزهري ((أصدر أمرا بمنع تقديم الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري، في محاضرة بمعهد المعلمين العالي دعت لها الجبهة الإشتراكية الديمقراطية، وكان عنوانها ((الإسلام برسالته الأولي لا يصلح لإنسانية القرن العشرين)) علي أساس أنها يمكن أن تستفز مشاعر بعض المواطنين ..
طلب عميد المعهد بالانابة من الجبهة الغاء الندوة، إلا أن اللجنة التنفيذية للجبهة أصرت علي أن تقدم المحاضرة في موعدها، رغم تحذيرها بأن لدي سلطات البوليس أمرا بالتدخل لفض الندوة، قدمت المحاضرة في موعدها ووصلت بعض قوات الأمن .. إلا أنها لم تتدخل لفض الندوة، التي لم يحدث خلالها ما يعكر صفو الأمن)) انتهي خبر ((الرأي العام)) ولقد بلغني أن أحد محرريها كان حاضرا تلك الليلة .. وأحب أن أضيف هنا أن المحاضرة أستقبلت بحماس، وباحترام، حتي من الذين يعارضون فكرة الحزب الجمهوري، وهي مسجلة برمتها – نص المحاضرة ونقاش من اشتركوا في النقاش – وإنما لم يتدخل البوليس لفض الندوة، وقد حضر في عربتين مستعدا لذلك لأنه لم يجد ما يوجب التدخل ..
ثم أن ((الرأي العام)) نشرت تصحيحا في يوم 14/11/1968 تحت عنوان ((أزهري ينفي علمه بمحاضرة محمود محمد طه، والتربية والتعليم تقول بأن قاضي القضاة خاطب الأزهري بشأنها)) وقد جاء في ذلك التصحيح الآتي:
((جاءنا من القصر الجمهوري ان السيد الرئيس اسماعيل الأزهري ينفي جملة وتفصيلا انه تدخل في موضوع محاضرة الأستاذ محمود محمد طه بمعهد المعلمين العالي، ويؤكد انه ليست له علاقة لا من قريب، ولا من بعيد بهذا الأمر، وانه لم يسمع بالمحاضرة إلا من الخبر الذي اوردته (الرأي العام) امس ..
و في نفس الوقت جاءنا من وزارة التربية والتعليم ان السيد رئيس مجلس السيادة لم يصدر اي تعليمات لمنع المحاضرة المذكورة وكل الذي حدث هو ان فضيلة مولانا قاضي قضاة السودان، بعث بخطاب إلى السادة رئيس واعضاء مجلس السيادة، بصورة لوزارة التربية والتعليم وسلطات الأمن، ينصح فيها بعدم تقديم المحاضرة خشية ان يكون فيها ما يثير المسلمين ..
(وتقول الوزارة انها اتصلت من جانبها دون ايعاز من مجلس السيادة الموقر بالسيد عميد معهد المعلمين العالي لابلاغ الطلاب مقدمي الندوة، باحتمال اثارة الأمن.)
وتمضي (الرأي العام) فتقول بعد هذا: (( ونود ان نؤكد ان العميد بالانابة قد اجتمع بالطلاب، وابلغهم اعتراض الرئيس الازهري علي المحاضرة ، وطلب منهم الغاءها، وانهم قد اصروا علي تقديمها، وقدموها بالفعل ..)) هذا نص التصحيح الذي أوردته ((الرأي العام))، في صفحتها السابعة يوم 14/11. وفي يوم 15/11 كتبت ((الرأي العام)) تقول تحت باب ((كلمة)) الآتي:-
((حول نفي القصر لمنع محاضرة محمود محمد طه ..
((فهمت بعض الجهات نشرنا لنفي القصر الجمهوري لخبر منع محاضرة محمود محمد طه علي الصفحة السابعة فهما غير صحيح، نعيد بعده نشر النص الكامل للخطابين اللذين وصلانا من القصر، ومن وزارة الاعلام، راجين أن يحقق السيد عميد معهد المعلمين في تفاصيل خبرنا، الذي قيل لنا أن ما جاء فيه قد دار بين السيد العميد ومندوبي الطلبة قبل المحاضرة ..
((السيد رئيس جريدة ((الرأي العام)) الغراء .. تحية طيبة ..
بالاشارة إلى الخبر المنشور بجريدتكم بتاريخ اليوم الأربعاء 13/11/1968، في الصفحة الأولي، تحت عنوان – أزهري يمنع محاضرة، وطلاب معهد المعلمين يصرون علي تقديمها – أرجو أن أخطركم بأن السيد الرئيس اسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة الموقر، قد كلفني بأن أنفي هذا الخبر جملة وتفصيلا، فسيادته لم يتدخل في هذا الموضوع، لا من قريب، ولا من بعيد، ولا علاقة له به البتة - بل أنه لم يسمع عن هذه المحاضرة، ولم يقرأ عنها إلا من خلال الخبر الذي صاغته جريدتكم عنها. أرجو نشر هذا التوضيح في نفس المكان الذي نشرتم فيه الخبر المشار اليه وشكرا ..
حسين محمد كمال
ع/ رئيس الديوان

((السيد رئيس تحرير جريدة ((الرأي العام)) الغراء
نرجو التكرم بنشر البيان أدناه، الصادر من وزارة التربية والتعليم، في عددكم ليوم غد الخميس 14/11/1968، وشكرا
((نشرت صحيفة ((الرأي العام)) بعددها الصادر صباح اليوم 13/11/1968، خبرا بعنوان – أزهري يمنع محاضرة، وطلاب معهد المعلمين يصرون علي تقديمها –
((تؤكد وزارة التربية والتعليم أن السيد رئيس مجلس السيادة لم يصدر أية تعليمات لمنع المحاضرة كما ورد في الخبر الذي نشرته ((الرأي العام)) وكل الذي حدث، هو أن فضيلة مولانا قاضي قضاة السودان بعث بخطاب إلى السادة رئيس وأعضاء مجلس السيادة بصورة لوزارة التربية والتعليم وسلطات الأمن ينصح فيها بعدم تقديم المحاضرة خشية أن يكون بها ما يثير المسلمين ..
((وقد اتصلت وزارة التربية والتعليم من جانبها دون ايعاز من مجلس السيادة الموقر بالسيد عميد معهد المعلمين العالي لابلاغ الطلاب مقدمي الندوة باحتمال اثارة الأمن، نسبة لأن العنوان هو - الإسلام برسالته الأولي، لا يصلح لإنسانية القرن العشرين - ومن هنا يتضح أن السيد رئيس مجلس السيادة لم يصدر أمرا، ولم يتصل بأي جهة لوقف المحاضرة))
عثمان محمد نصر
ع/ وكيل وزارة الاعلام والشئون الإجتماعية

قاضي القضاة


لقد ظهر من الأخبار التي ورد ذكرها أن قاضي القضاة كان يسعي سعيا حثيثا لاثارة السلطات ضد الحزب الجمهوري، وكان يتوكأ علي نقطة الأمن، ويظهر الحرص علي الأمن، وذلك لعلمه أن المسئولين يكونون حساسين عندما يذكر الأمن ..
ولقد أثار سلف قاضي القضاة حكومة العساكر ضد الحزب الجمهوري عام 1960، حتي حملوها علي منع محاضرات الحزب الجمهوري، وكانوا هم، كخلفهم الحاضر، لا يتكلمون باسم الدين، وإنما يتكلمون باسم الأمن، والاشفاق علي الأمن، وحين منعت حكومة العساكر الحزب الجمهوري من إقامة المحاضرات في الأماكن العامة، لم تستطع أن تمنعه من إقامة الندوات المفتوحة في المنازل الخاصة، ولكنها جندت من رجال السلك السري من يراقبون هذه الندوات .. وكانت الأخبار ترفع بأن ما يقال في هذه الندوات العامرة، الكبيرة، لا يهدد الأمن، ولا يثير الشغب، بل أن الشعب، في مختلف طبقاته ومستوياته ليجد فيها المتعة، ويستقبلها بالرضا، أو الاقتناع، أو الاحترام، او الافحام .. ولكن علي التحقيق ليس بالشغب .. وعندما أقتنعت حكومة العساكر بأن دعوي اثارة الأمن دعوي لا أساس لها، أفرجت عن محاضرات الحزب الجمهوري وذلك حوالي عام 1963..
هل نحتاج لأن نذكر السيد قاضي القضاة أن يهتم بأمر الدين ويترك أمر الأمن لرجال فرغوا أنفسهم له؟ وهم به أعلم منه؟ فإن كان السيد قاضي القضاة لا قدرة له، من المستوي العلمي، بمواجهة دعوة الحزب الجمهوري .. وهو ما عليه الأمر، فأنا ننصحه بأن يفتح ذهنه لهذه الدعوة، لأنها هي الإسلام، ولا إسلام إلاّ إياها .. فانها هي الناطقة عن المصحف اليوم .. فإن لم تكن بقاضي القضاء حاجة إلى الإسلام فلا يقف بين الشعب وبين المعين الصافي الذي يدعو اليه الحزب الجمهوري ..
هذا والله المسئول أن يهدينا ويهدي بنا أنه أكرم مسئول وأسرع مجيب وخير هاد ..