في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الطفل والأسرة

قانون الأحوال الشخصية


من الأسباب التى ساعدت على تفكك الأسرة، بالاضافة الى ما ذكرناه من مفارقة الأسر لقيم الدين، ومعيشتها على قشوره، التشريع الذى تقوم عليه الأسرة نفسها، (شريعة الأحوال الشخصية).. ذلك بأنها شريعة قد بعدت عن سماحة الدين، وذهبت فى اتجاهات الفقه الذى خرج حتى عن الشريعة المرحلية.. فلقد ابتذل الفقه أكبر علاقة انسانية – علاقة الزواج – بصورة يجد الانسان أشد الحرج فى ذكرها هنا.. ونحن نستميح القراء الكرام عذرا فى أن نذكر بعض ما جاء فى الفقه عن العلاقة الزوجية.. فتعريف الزواج عند الفقهاء مثلا: (انه عقد على مجرد التلذذ بآدمية).. أو (ان عقد النكاح وضعه الشارع ليرتب عليه انتفاع الزوج ببضع الزوجة وسائر بدنها من حيث التلذذ) "الفقه على المذاهب الأربعة" الجزء الرابع صفحة 2 طبعة 1969.. والزوجة عندهم يسقط حقها فى النفقة اذا لم يستطع الزوج أن يصل الى حقه فى الاستمتاع بها.. فعلى مثل هذه المفاهيم، والتصورات القاصرة، تقوم القوانين التى تحكم بناء الأسرة، وعلاقتها فى المجتمعات الاسلامية.. ويتم تطبيق هذه القوانين (اللا انسانية فى أوضاع غابت فيها قيم الدين، الأمر الذى جعل الأطفال يعانون أسوأ حالات الضياع، خصوصا فى حالات تعدد الزوجات، وفى حالات الطلاق، وهى أمور تتم لأتفه الأسباب – وحتى فى الحالات التى لا يقع فيها التعدد ولا الطلاق فان الأمهات يعشن فى حالات خوف دائم من وقوعهما، ما يكون له انعكاساته السيئة على الأطفال..
هذا فى مستوى بعد هذه القوانين عن الشريعة بادخال الفقه عليها.. ولكننا، حتى فى مستوى الشريعة الاسلامية، فاننا نعتقد بأنها لا يمكن أن تحل مشكلة المرأة اليوم!! وذلك لأن هذه التشريعات انما جاءت لحل مشكلة المرأة فى القرن السابع، وبذلك فقد جاء التشريع على قدر حاجة المرأة للحقوق وعلى قدر طاقتها فى أداء واجباتها.. فجعل الرجل قيما عليها، حتى أنه ليملك، بموجب هذه القوامة، الحق فى تأديبها بضربها.. وجعلها نصف الرجل فى الميراث، ونصفه فى الشهادة، وربعه فى الزواج.. كما جعل حق الطلاق حقا من حقوق الرجل دون المرأة.. ولا تملك هى الحق فى الخروج من العلاقة الزوجية الا تحت ظروف مشددة، وقاهرة، كأن تطالب باثبات الضرر أمام المحكمة مثلا..
هذا القانون نقل بحذافيره من مجتمع القرن السابع ليكون قانونا للمرأة فى القرن العشرين!! قانون المرأة التى كانت توأد حية، هو نفسه قانون المرأة الوزيرة، أو القاضية، أو المحامية.. بل ورئيسة الوزراء!!
هذا القانون، بهذه الصورة، جعل تناقضا واضحا بين واقع المرأة، بما وجدته من حقوق مدنية، وما يضطرها الدين، فى تشريعه، للانحناء أمامه من تقييد فى حريتها، ومن فرض الوصاية عليها.. هذا التناقض له أسوأ الأثر فى نفس المرأة.. فهى ترفض أن تكون، وهى التى تؤدى نفس الواجبات التى يؤديها الرجل للمجتمع، أقل من الرجل حقوقا أمام القانون!!
وهى اذ تحس بهذا التناقض تحمل فى قلبها الكثير من المخاوف.. تحمل الخوف من شبح الطلاق – ان ترفض- وهى لا تملك حق هذا الرفض، وتحمل الخوف من أن تجبر على المعيشة مع زوج تكرهه بفرض بيت الطاعة عليها!! وتحمل الخوف من أن تأتى زوجة ثانية تشاركها زوجها وبيتها..
وتحت ظل هذه المخاوف لا يمكن للمرأة أن تعيش حياة مستقرة، آمنة، ولا يمكن لها أن تنشىء أسرة مستقرة، آمنة ، وان تربى أطفالا سليمين، اسوياء من معايب السلوك وآفاته.. فالمرأة غير الكريمة، لا يمكن أن تنشيء الا أطفالا غير كريمين..