في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

بيننا وبين محكمة الردة

بين الدين والشريعة


وهناك جهل شنيع يتورط فيه الشيخ المدعي الثاني.. فمن حديثه المنقول أعلاه يقول عني (فهو بذلك ينفي عن الرسول الإيمان، ويثبت له الإسلام، ونفي الإيمان وثبوت الإسلام هو من صفة المنافقين ويشهد لذلك قوله تعالي:- ((قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.)) ومن المعلوم أن الرسول بين الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره حلوه ومره)) وبين الإسلام فقال: ((الإسلام أن تشهد الا اله الا الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا)) ولم يبين الا إسلاما واحدا، وإيمانا واحدا وبهذا يكون الإيمان التصديق بالقلب، والإسلام العمل بالجوارح، فكل من صدق عليه الإيمان صدق عليه الإسلام، الذي عناه الله بقوله – ((ان الدين عند الله الإسلام)) – وليس كل من صدق عليه الإسلام صدق عليه الإيمان، فالإسلام والإيمان متداخلان)) هذا ما قاله المدعي الثاني الشيخ حسين محمد زكي، وهو قول ينم عن جهل شنيع بحقائق الإسلام، والشيخ حسين محمد زكي معلم، من معلمي الدين في هذه البلاد، وهو يقول أنه من ((هيئة العلماء)).. وهو بموقفه هذا، وبمستواه هذا، لا يظلم فئته التي ينتمي اليها، وإنما يمثلها فيحسن تمثيلها، كما مثلها في تقديم الادعاء ضدنا..
اننا نستطيع أن نعطف على علماء الفقه عندنا، وفي البلاد الإسلامية الأخرى، إذا جهلوا حقائق الدين، واصوله، ذلك بأنهم ضحايا لمنهاج تعليمي خاطئ وبأنهم ضحايا لفكر إسلامي، سلفي، مرحلي، خدم غرضه في حينه، ولم يعد كافيا لغرض مجتمع اليوم..
ان الخطأ الذي تورط فيه المدعي، الشيخ حسين خطأ درسه في معهده، ولا يزال يدرسه، هو ورصفاؤه، لطلبة هذه المعاهد المنكوبة..
والذي ورط هؤلاء الفقهاء في الخطأ هو فهم سلفي خاطئ لحديث جبريل المشهور، الذي رواه عمر بن الخطاب: ونصه: (عن عمر رضي الله عنه قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم اذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: ((يا محمد أخبرني عن الإسلام)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام أن تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا)) قال ((صدقت)) قال ((فعجبنا له يسأله ويصدقه)) قال ((فاخبرني عن الإيمان)) قال ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)) قال ((صدقت)) قال ((فأخبرني عن الاحسان)) قال ((ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فانه يراك)) قال ((فاخبرني عن الساعة)) قال ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل)) قال ((فاخبرني عن أماراتها)) قال ((أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) قال ((ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم قال "فانه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم") هذا هو حديث جبريل، وهو مشهور، وقد ظن فيه الفقهاء، كما ظن الشيخ حسين أن النبي لم يبين غير إيمان واحد، وهذا خطأ، والصواب أن النبي بين إيمانا يزيد وينقص، ويبدأ بعد أن لم يكن.. فهو بذلك لم يبين إيمانا واحدا.. فقد بين إيمانا في درجة قول ((اشهد أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله)) فإن من قالها، لا ينافق بها، مؤمن بمحمد، وان لم يبلغ أن يكون مؤمنا بالله وهذا إيمان أول.. ثم إن إيمانه بمحمد يقوده إلى الإيمان بالله، فيدخل على الإيمان الذي عرفه المعصوم في حديث جبريل أعلاه، وهذا إيمان ثان، ثم إن إيمانه هذا يزيد فيصبح احسانا على النحو الذي عرفه المعصوم في حديثه أعلاه، وهذا إيمان ثالث، والاختلاف بينهما اختلاف مقدار..
ولكن يمكن القول بأن النبي بين إسلاما واحدا، كما قال الشيخ المدعي الثاني حسين محمد زكي، خصوصا إذا اعتبرنا أن الإسلام الذي بينه يدخل في حظيرته حتى المنافقون، وقد دخلوا وعصموا أموالهم ودماءهم، وهو هو الإسلام الذي رد الله إليه الأعراب، بعد أن ادعوا الإيمان، بعد أن أنكر الله عليهم هذه الدعوى، وذلك حيث يقول، جل من قائل ((قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم..)) فإن لم نعتبر الإسلام هذا الاعتبار، وإنما اعتبرناه إسلام من آمن بمحمد، ولم يبلغ به الأمر أن يؤمن بالله، فانه يكون إسلاما لمحمد في حقيقة الأمر، وبادئ الرأي، ولكنه سيؤول إلى إسلام لله، في آخر الأمر، لأن هذا من ذاك، والله تعالى يقول ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)) وعلى هذا يكون الرسول انما بين إسلاما واحدا لأنه لم يؤمر الا ليبين ((للناس ما نزل اليهم)) وذلك من قوله تعالى ((وانزلنا اليك الذكر، لتبين للناس ما نزل اليهم، ولعلهم يتفكرون)) وما نزل للناس في القرن السابع الميلادي، وفي نطاق الرسالة الأولى من الإسلام، هو مرحلة العقيدة من الدين، لا الدين كله.. ولذلك فإن الرسول الكريم لم يؤمر الا بتبيين إسلام واحد، ولكنه أمر بتبليغ الإسلام الثاني في معنى ما أمر بتبليغ القرآن المقروء، وبينه في معنى ما سار السيرة.. وهو لم يؤمر بتبيين الإسلام الثاني لأن أمة البعث الأول – وهي أمة المؤمنين – لم تكن مخاطبة به، وإنما هو مدخر ليومه..
ومن فرط جهل الشيخ حسين محمد زكي قوله: ((فكل من صدق عليه الإيمان، صدق عليه الإسلام الذي عناه الله بقوله تعالى ((ان الدين عند الله الإسلام)) وهو جهل شائع، يشاركه فيه الفقهاء الذين تولوا تخريجه، ويحاول هو أن يذيعه في تلاميذه اليوم.. وفيصل القول في هذا أن ((عند)) الواردة في الآية ((إن الدين عند الله الإسلام)) لا هي ظرف زمان، ولا هي ظرف مكان، وإنما هي خارج الزمان والمكان.. هي ((عند لا عند)) و((حيث لا حيث)) وهي من ثم تعلمنا أن الإسلام لا نهاية له، لأن نهايته عند الله في اطلاقه.. ويحتم هذا الفهم الاشارة الكريمة الواردة في قوله تعالى ((شهد الله انه لا اله الا هو، والملائكة، وأولو العلم، قائما بالقسط، لا اله الا هو العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب)) فقوله ((شهد الله)) يعني بالعلم المطلق ((انه لا اله الا هو)) يعني أن كل شيء ملكه، وأنه لا يدخل في ملكه الا ما يريد.. وهذه الشهادة بالعلم المطلق تعني أنه ((لا يعرف الله الا الله)) ((والملائكة)) أيضا شهدوا بالعلم النسبي، وبالاقرار، وبالاذعان.. ((وألو العلم)) من الجن والانس، من الأنبياء والأولياء، شهدوا بالعلم النسبي أيضا، وهو أقل من علم الملائكة، وشهدوا بالاعتقاد، وشهدوا بالانقياد أنه لا معبود بحق الا الله.. فشهادة ((لا اله الا الله)) قالها تعالى عن نفسه.. وقلناها نحن عنه، فهل هي شهادة واحدة؟؟ أم أنها شهادتان.. شهادة في الأرض، في طرف البداية، وشهادة في السماء، في طرف النهاية؟؟ الجواب واضح..
وكذلك الإسلام.. فهو إسلام في الأرض، في طرف البداية وإسلام في طرف النهاية، غير أنه ليس للنهاية طرف، لأنها في الاطلاق.. فالمعصوم بلغ الإسلام الأخير في معنى ما بلغ القرآن، وفي معنى ما سار السيرة، ولكنه لم يبين الا إسلاما واحدا.. وهو مرحلة العقيدة، مبينة لأمة العقيدة – الأمة المؤمنة – وهو لم يبين الإسلام الثاني لأن وقته لم يكن قد جاء يومئذ.. ويوشك أن يظلنا اليوم، ومن ههنا كلام الجمهوريين عن الرسالة الثانية من الإسلام، وذلك أمر أفردنا له كتاب ((الرسالة الثانية من الإسلام)) فنرجو من القراء أن يراجعوه هناك.
وفيصل القول أن الإسلام بداية ونهاية.. بدايته مرحلة إيمان ونهايته مرحلة إيقان.. وأمة المرحلة الأولى – مرحلة الإيمان – المؤمنون وهم من فصلت في حقهم رسالة الإسلام الأولى.. وأمة المرحلة الثانية – مرحلة الايقان – المسلمون وهم من بلغت في حقهم رسالة الإسلام الثانية، وهم لما يجيئوا بعد، وستفصل الرسالة الثانية في حقهم لدى مجيئهم: ويتولى ذلك رجل من المسلمين آتاه الله فهما عنه من القرآن..
هذا ما اتسع له السفر الأول من سلسلة ((بيننا وبين محكمة الردة)) من مهزلة ادعاء المدعي الثاني الشيخ حسين محمد زكي وفي السفر الثاني انشاء الله نتابع بيان هذه المهزلة المحزنة..
بقي أن نورد أقوال الشهود الذين أحضرهم المدعيان الأول، وهو الشيخ الأمين داود محمد والثاني، وهو الشيخ حسين محمد زكي، ولن نعلق على أقوال الشهود وإنما سنكتفي بايرادها وندعها تتحدث عن نفسها: