((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الضحية غير واجبة!!
لا علي الفقراء!! ولا علي الأغنياء!!

الضحية اليوم عمل مخالف للدين

الفصل الرابع


الضحية اليوم عمل مخالف للدين:


وإذا قال قائل: فكيف ونحن أمام فعل فعله النبي الكريم، ونص قرآني في بهيمة الأنعام كقربة وفداء، محتجا بذلك على عدم سقوط الضحية في حق الأمة، كان لنا من جهة أخرى في فعل النبى الكريم، وقوله، وفى فعل اصحابه، واقوالهم، حجة على سقوطها!! فقد ضحى الرسول الكريم فداء لامته من الضحية!! وجريا مع العادة السائدة، وضحى معه اصحابه، ثم اسقط وجوبها بفعله، وقوله، وفهم اصحابه ذلك فلم يعودوا يضحون!! والقاعدة الذهبية فى التشريع هي (تغير المصلحة بتغيير الزمان).. ومن ذلك سابقة المؤلفة قلوبهم فى الزكاة، فقد فرض الله لهم هذا السهم بنص قرآنى (انما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفى الرقاب، والغارمين، وفى سبيل الله، وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم..).. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي هذا السهم للمؤلفة قلوبهم حتى لحق بالرفيق الاعلى. ولما ولّي أبو بكر الخلافة اشار عمر اليه بقطع هذا السهم عنهم قائلا لهم: (لا حاجة لنا بكم، فقد اعز الله الاسلام، واغنى عنكم، فان اسلمتم، والا فالسيف بيننا وبينكم!!) (الجوهرة النيرة على مختصر القدورى ص164، الجزء الاول) وقد امضى ابو بكر رأي عمر!! وقال (الدواليبى) فى (اصول الفقه)، صفحة 239 ان رأي عمر كان (تبعا لتغير المصلحة بتغيير الازمان رغم ان النص القرآنى لا يزال ثابتا غير منسوخ)!! واضاف ان عمر (نظر الى علة النص لا الى ظاهره واعتبر إعطاء المؤلفة قلوبهم معللا بظروف زمنية موقوتة وتلك هي تأليفهم واتقاء شرهم عندما كان الإسلام ضعيفا، فلما قويت شوكة الإسلام وتغيرت الظروف الداعية للعطاء كان من موجبات العمل بعلته أن يمنعوا هذا العطاء)!! وهكذا فإن النص القرآني، والأثر النبوي، إنما هما معلولان، دائما بحكمة.. ومن جوهر السنة معرفة هذه الحكمة والتصرف وفقها بإمضاء حكم النص، أو تطويره.. فالنصوص ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسائل لتأدية المصالح.. وفي حالة الضحية، بالذات، نحن أمام نصوص وآثار بسقوط الضحية هي التي تنسخ نصوص وآثار مشروعيتها المرحلية، والعبرة هنا بفهم النص، لا بمجرد النص!! والقرآن الكريم يطالبنا بفهم الآيات، ويحذرنا من جمود الفهم بقوله: (والذين إذا ذكّروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا).. فالواجب الديني إذن يقتضينا أن نفرق بين أصول الإسلام، وفروعه، وبين سنة العبادة الأصلية الباقية، وسنة العادة الموقوتة.. وإذا كان هذا هو أوان إحياء السنة الحقيقية في العبادة، والمعاملة، وإذا اقتضي نضج العقل البشري أن ينفتح الدين أمام القربة الدينية بالفكر، بدلا عن القربة الدينية بإهراق دم الحيوان، وإذا جعلت الظروف الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية، كما سنرى، أمر الضحية شاقا، وعسيرا، وضارا، وإذا كانت الضحية أصلا غير واجبة في حق الأمة المحمدية بتوجيه النبي الكريم وحسن اتباع أكابر الأصحاب، فإن الضحية، اليوم، وفي وجه الاعتبارات التي جدت، تصبح عملا مخالفا للدين، تمام المخالفة!! بل هي لا تعدو أن تكون تداعيا، وتأكيدا لتمسك المسلمين بقشور دينهم، وتفريطهم في لبابه!! وسنرى فيما يلي دواعي سقوطها اجتماعيا، واقتصاديا، وصحيا!!