((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الضحية غير واجبة!!
لا علي الفقراء!! ولا علي الأغنياء!!

أضرار الضحية الإقتصادية اليوم

أضرار الضحية الإقتصادية اليوم:


من حكم المشروعية المرحلية للضحية التوسعة على الأسر حينما لم يكن اللحم متاحا لسائرها، يوميا، وإنما كان طعاما موسميا نادرا، في ظروف شظف العيش التي كان يعيشها مجتمع الجزيرة العربية، غير ميسور إلا للموسرين، جاء في شرح الزرقاني علي موطأ الإمام مالك (المجلد الثالث صفحة 75): (حدثني عن مالك عن عبد الله ابن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد أنه قال: نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة، قال عبد الله ابن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق، سمعت عائشة زوج النبي صلي الله عليه وسلم تقول: دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال الرسول: ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي. قالت: فلما كان بعد ذلك، قيل لرسول الله: لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم بعد ثلاثة، فقال الرسول: (إنما نهيتكم من أجل الدافة دفت عليكم، فكلوا، وتصدقوا، وادخروا) (يعني بالدافة قوم مساكين قدموا المدينة) فأراد أن يعينوهم، ولذا قالت عائشة: وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منها، والله أعلم بمراد دينه).. وجاء في (سنن أبي داؤود، الجزء الثالث، صفحة 93): (قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم فقد جاء الله بالسعة فكلوا، وادخروا، وأتجروا، ألا وان هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل).. وهكذا يقف العامل (الاقتصادي) أيضا، وراء الحكم المرحلي للضحية، فقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم)، كما جاء في رواية الحديث، وكانت أيام العيد (أيام أكل وشرب) كما جاء في الحديث، وذلك في تلك البيئة المعسرة، الشحيحة بموارد الغذاء، فكانت (السعة) كما أشار الحديث هي إحدى علل الضحية، ثم إن نسخ حكم عدم ادخار لحومها فوق ثلاث إنما هو، في حد ذاته، دليل علي تغيير الأحكام بتغيير الظروف.

ولذلك فإن العامل (الاقتصادي) وراء حكم الضحية المرحلي قد انتفى اليوم حيث لم يعد اللحم غذاء موسميا نادرا، يضطر الناس ادخاره كما كانوا يفعلون في الماضي، أكثر من ذلك فقد تحولت المنفعة الاقتصادية من الضحية في الماضي الى ضرر اقتصادي اليوم!! ففي بلادنا، كما هو في سائر البلاد اليوم، ارتفعت أسعار الماشية، ارتفاعا مذهلا، تحت ظروف الغلاء العالمي مما يجعل من العسير إن لم نقل من المستحيل على الأسرة السودانية، المتوسطة الحال، ناهيك عن الفقيرة، أن تشتري كبشا للضحية!! وبذلك، صارت الضحية اليوم، من وجهة النظر الاقتصادية التي تدخل في إطار الدين، إنما تشكل مشقة واستحالة عملية.. وكثير من هذه الأسر يعجز عن مواجهة متطلبات الحياة الأساسية فكيف بالضحية؟؟ إن مثل هذا العبء المالي الذي تسببه الضحية إنما هو في غياب التربية الدينية الصحيحة مما يفتح الباب أمام كثير من المخالفات التي ترتكب للحصول على المال، بأي سبيل.. أيسرها تكبيل ميزانيات الأسر بالديون، ثم هي قد تمتد الى الارتشاء، أو التلاعب بالمال العام، أو العجز عن الوفاء بالالتزامات المالية!! وهذه وتلك من الأضرار الاقتصادية التي تجعل الضحية، في هذه الظروف، عملا غير مرغوب فيه دينيا، دفعا للضرر، وسدا للذريعة.. الضحية ساقطة شرعا في حق المسلمين وبخاصة اليوم، فلماذا التمسك الأعمى بها، وهي تجر الويلات المالية علي الأفراد، والأسر، وتحدث خللا اقتصاديا في الطاقة الاستهلاكية، والتصديرية للبلاد، في هذه الظروف الصعبة؟؟