في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الضحية غير واجبة!!
لا علي الفقراء!! ولا علي الأغنياء!!

الفصل الرابع
الضحية اليوم عمل مخالف للدين



وإذا قال قائل: فكيف ونحن أمام فعل فعله النبي الكريم، ونص قرآني في بهيمة الأنعام كقربة وفداء، محتجا بذلك على عدم سقوط الضحية في حق الأمة، كان لنا من جهة أخرى في فعل النبي الكريم، وقوله، وفى فعل اصحابه، واقوالهم، حجة على سقوطها!! فقد ضحى الرسول الكريم فداء لامته من الضحية!! وجريا مع العادة السائدة، وضحى معه اصحابه، ثم أسقط وجوبها بفعله، وقوله، وفهم اصحابه ذلك فلم يعودوا يضحون!! والقاعدة الذهبية في التشريع هي (تغير المصلحة بتغيير الزمان).. ومن ذلك سابقة المؤلفة قلوبهم في الزكاة، فقد فرض الله لهم هذا السهم بنص قرآني (انما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفى الرقاب، والغارمين، وفى سبيل الله، وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم..).. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي هذا السهم للمؤلفة قلوبهم حتى لحق بالرفيق الاعلى. ولما ولّي أبو بكر الخلافة اشار عمر اليه بقطع هذا السهم عنهم قائلا لهم: (لا حاجة لنا بكم، فقد اعز الله الاسلام، واغنى عنكم، فان اسلمتم، والا فالسيف بيننا وبينكم!!) (الجوهرة النيرة على مختصر القدوري ص 164، الجزء الاول) وقد أمضى ابو بكر رأي عمر!! وقال (الدواليبي) في (اصول الفقه)، صفحة 239 ان رأي عمر كان (تبعا لتغير المصلحة بتغيير الازمان رغم ان النص القرآني لا يزال ثابتا غير منسوخ)!! واضاف ان عمر (نظر إلى علة النص لا إلى ظاهره واعتبر إعطاء المؤلفة قلوبهم معللا بظروف زمنية موقوتة وتلك هي تأليفهم واتقاء شرهم عندما كان الإسلام ضعيفا، فلما قويت شوكة الإسلام وتغيرت الظروف الداعية للعطاء كان من موجبات العمل بعلته أن يمنعوا هذا العطاء)!! وهكذا فإن النص القرآني، والأثر النبوي، إنما هما معلولان، دائما بحكمة.. ومن جوهر السنة معرفة هذه الحكمة والتصرف وفقها بإمضاء حكم النص، أو تطويره.. فالنصوص ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسائل لتأدية المصالح.. وفي حالة الضحية، بالذات، نحن أمام نصوص وآثار بسقوط الضحية هي التي تنسخ نصوص وآثار مشروعيتها المرحلية، والعبرة هنا بفهم النص، لا بمجرد النص!! والقرآن الكريم يطالبنا بفهم الآيات، ويحذرنا من جمود الفهم بقوله: (والذين إذا ذكّروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا).. فالواجب الديني إذن يقتضينا أن نفرق بين أصول الإسلام، وفروعه، وبين سنة العبادة الأصلية الباقية، وسنة العادة الموقوتة.. وإذا كان هذا هو أوان إحياء السنة الحقيقية في العبادة، والمعاملة، وإذا اقتضي نضج العقل البشري أن ينفتح الدين أمام القربة الدينية بالفكر، بدلا عن القربة الدينية بإهراق دم الحيوان، وإذا جعلت الظروف الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية، كما سنرى، أمر الضحية شاقا، وعسيرا، وضارا، وإذا كانت الضحية أصلا غير واجبة في حق الأمة المحمدية بتوجيه النبي الكريم وحسن اتباع أكابر الأصحاب، فإن الضحية، اليوم، وفي وجه الاعتبارات التي جدت، تصبح عملا مخالفا للدين، تمام المخالفة!! بل هي لا تعدو أن تكون تداعيا، وتأكيدا لتمسك المسلمين بقشور دينهم، وتفريطهم في لبابه!! وسنرى فيما يلي دواعي سقوطها اجتماعيا، واقتصاديا، وصحيا!!

أضرار الضحية الاقتصادية اليوم:


من حكم المشروعية المرحلية للضحية التوسعة على الأسر حينما لم يكن اللحم متاحا لسائرها، يوميا، وإنما كان طعاما موسميا نادرا، في ظروف شظف العيش التي كان يعيشها مجتمع الجزيرة العربية، غير ميسور إلا للموسرين، جاء في شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك (المجلد الثالث صفحة 75): (حدثني عن مالك عن عبد الله ابن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد أنه قال: نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة، قال عبد الله ابن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق، سمعت عائشة زوج النبي صلي الله عليه وسلم تقول: دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال الرسول: ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي. قالت: فلما كان بعد ذلك، قيل لرسول الله: لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم بعد ثلاثة، فقال الرسول: (إنما نهيتكم من أجل الدافة دفت عليكم، فكلوا، وتصدقوا، وادخروا) (يعني بالدافة قوم مساكين قدموا المدينة) فأراد أن يعينوهم، ولذا قالت عائشة: وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منها، والله أعلم بمراد دينه).. وجاء في (سنن أبي داؤود، الجزء الثالث، صفحة 93): (قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم فقد جاء الله بالسعة فكلوا، وادخروا، وأتجروا، ألا وان هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل).. وهكذا يقف العامل (الاقتصادي) أيضا، وراء الحكم المرحلي للضحية، فقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم)، كما جاء في رواية الحديث، وكانت أيام العيد (أيام أكل وشرب) كما جاء في الحديث، وذلك في تلك البيئة المعسرة، الشحيحة بموارد الغذاء، فكانت (السعة) كما أشار الحديث هي إحدى علل الضحية، ثم إن نسخ حكم عدم ادخار لحومها فوق ثلاث إنما هو، في حد ذاته، دليل على تغيير الأحكام بتغيير الظروف.
ولذلك فإن العامل (الاقتصادي) وراء حكم الضحية المرحلي قد انتفى اليوم حيث لم يعد اللحم غذاء موسميا نادرا، يضطر الناس ادخاره كما كانوا يفعلون في الماضي، أكثر من ذلك فقد تحولت المنفعة الاقتصادية من الضحية في الماضي إلى ضرر اقتصادي اليوم!! ففي بلادنا، كما هو في سائر البلاد اليوم، ارتفعت أسعار الماشية، ارتفاعا مذهلا، تحت ظروف الغلاء العالمي مما يجعل من العسير إن لم نقل من المستحيل على الأسرة السودانية، المتوسطة الحال، ناهيك عن الفقيرة، أن تشتري كبشا للضحية!! وبذلك، صارت الضحية اليوم، من وجهة النظر الاقتصادية التي تدخل في إطار الدين، إنما تشكل مشقة واستحالة عملية.. وكثير من هذه الأسر يعجز عن مواجهة متطلبات الحياة الأساسية فكيف بالضحية؟؟ إن مثل هذا العبء المالي الذي تسببه الضحية إنما هو في غياب التربية الدينية الصحيحة مما يفتح الباب أمام كثير من المخالفات التي ترتكب للحصول على المال، بأي سبيل.. أيسرها تكبيل ميزانيات الأسر بالديون، ثم هي قد تمتد إلى الارتشاء، أو التلاعب بالمال العام، أو العجز عن الوفاء بالالتزامات المالية!! وهذه وتلك من الأضرار الاقتصادية التي تجعل الضحية، في هذه الظروف، عملا غير مرغوب فيه دينيا، دفعا للضرر، وسدا للذريعة.. الضحية ساقطة شرعا في حق المسلمين وبخاصة اليوم، فلماذا التمسك الأعمى بها، وهي تجر الويلات المالية على الأفراد، والأسر، وتحدث خللا اقتصاديا في الطاقة الاستهلاكية، والتصديرية للبلاد، في هذه الظروف الصعبة؟؟

الأضرار الاجتماعية والصحية للضحية اليوم:


وفي الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها الناس، اليوم، تنجم عن الأضرار الاقتصادية للضحية أضرار اجتماعية لا حصر لها.. فبجانب اهتزاز الموقف الاجتماعي لغير المستطيعين الذين يضحون وهم مكبلون بالديون، ويواجهون اختلالا شديدا في ميزانيات أسرهم أو يعجزون عن الوفاء بالتزاماتهم المالية العامة، هناك الاثار الاجتماعية الضارة التي يجرها المستطيعون، بضحيتهم على بقية افراد المجتمع.. فهم، اما ان يضطروا غير المستطيع ليضحي فيدخل في الضيق المالي الشديد، انقاذا لأسرته من الحرج، واما ان يكلفه اشد العنت إذا قاوم الضغط الاجتماعي الثقيل فلم يضح، وعند ذلك، ايضا، تبرز اشد صور الطبقية حدة في مجتمعنا، وتنجم عنها أسوأ الآثار النفسية الهدامة..
ولذلك فان فتوى مفتي جمهورية السودان الديمقراطية التي اصدرها في العام الماضي، فيما نشرته (الصحافة) بتاريخ 9/11/78 إنما هي تسير في اتجاه تعقيد المشكلة أكثر فأكثر.. فهو قد ذهب للقول بأن الضحية (سنة للقادر المستطيع الذي لا يحتاج إلى ثمنها لنفسه أو لعياله طيلة العام)!! فهو يرى انها سنة (واجبة) في حق المستطيع!! وهو قول يخالف ما أوردنا من مأثورات عن الصحابة.. كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود.. فقد كان الاول يذبح كل يوم، إلا يوم العيد!! وقد قال الثاني (انى لأترك أضحيتي وأنى لمن ايسركم، مخافة ان يظن الجيران انها واجبة)!! والآثار الاجتماعية الضارة الناجمة عن تضحية الاغنياء دون الفقراء تؤكد هذا السقوط للضحية في حق الاغنياء، والفقراء، على السواء. فلك أن تتصور الآثار النفسية المحيطة بالأسر الفقيرة وهي لا تضحي، وجيرانهم الأغنياء يضحون، ثم هي تتلقى منهم اللحم صدقة!! ولا نحب هنا، أن يظل الحديث عن أضرار الضحية الصحية، في ظروف غياب الوعي الصحي، واكتظاظ الأحياء بالسكان، فالإرشادات الصحية المألوفة التي تقدم لتجنب الاضرار الصحية للضحية إنما تعطي صورة لحجم هذه الاضرار..