((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الضحية غير واجبة!!
لا علي الفقراء!! ولا علي الأغنياء!!

الضحايا والهدايا في الجاهلية

الضحايا والهدايا في الجاهلية:


وعن عادة القربان بالضحايا والهدايا في الجاهلية يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى، من سورة الحج، (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله علي ما هداكم، وبشر المحسنين)..

(يقول الله تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرازق لا يناله شيء من لحومها، ولا دماؤها فإنه تعالي هو الغني عمّا سواه، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها، لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمدبن أبي حمّاد، حدثنا إبراهيم بن المختار عن أبي جريح قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الأبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم: (فنحن أحق أن ننضح) فأنزل الله (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم (أي يتقبل ذلك ويجزي عليه) - انتهي تفسير إبن كثير.

وهكذا فإن الضحايا والهدايا كانت عادة اجتماعية سائدة، قبل الإسلام، ولكنها كانت قرابين للآلهة، يذكرون عليها أسماءها، ولا يأكلون لحومها فلمّا جاء الإسلام أبقى على هذه العادة لارتباطها بالتطور التاريخي لذلك المجتمع، ولكنه جعلها قربة لله، بدلا عن الآلهة، وجعل ما يذكر عليها هو اسم الله، بدلا عن أسماء الآلهة، ومنع نضح دمائها ولحومها علي الكعبة، وأباح أكل لحومها.. قال تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، لكم فيها خير، فاذكروا اسم الله عليها صواف، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها، وأطعموا القانع والمعتر، كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون)..

(فالبدن)، وهي إبل الهدي الذي يسوقه الحاج معه ليذبحه بعد أداء مناسكه، ويهديه للكعبة، كان للمسلمين فيها خير، (لكم فيها خير)، وهو الانتفاع بلحومها، كما وجهت لذكر الله، وشكره.. جاء في تفسير ابن كثير، الجزء الرابع، صفحة 632: ("فكلوا منها" قال كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين)..

ويقول كتاب (مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول) لأحمد إبراهيم الشريف، صفحة 182-183 عن أصل عادة (الهدي) قبل الإسلام، وعن دخولها عهد الإسلام: (ومضامين الآيات وأساليبها تلهم بقوة وصراحة إنها كانت من تقاليد العرب قبل البعثة وقد أقرّها الإسلام لما فيها من فوائد عظيمة في ظروف الحج وفي بيئته قبل البعثة وبعدها، وكان العرب يحيطون هذا التقليد بالعناية والحرمة بل التقديس والرهبة حتى ليترك الحاج هديه سائما فلا يتعرض له احد بسوء لأن التعرّض له انما هو التعرّض لمال الله وكان من عاداتهم ان يلطخوا جدران الكعبة بدماء الهدى تقربا الى الله رب البيت وقد أبطل الإسلام هذه العادة ونسبه الى ان الله لن يناله شئ من لحومها ولا دمائها ولكن الذى يريده من الناس هو التقوى والإخلاص، وكانوا يأثمون من اكل لحوم هديهم ويتركونها للفقراء والمساكين والسباع والجوارح، فأباح الاسلام لأصحاب الهدي ان شاءوا ان يأكلوا منه وان يطعموا البائس والفقير والقانع والمعتر اي المحتاجين سألوا او لم يسألوا، كما كانوا يذبحون الهدى عند الأوثان والانصاب فى فناء الكعبة ويذكرونها فى اثناء الذبح فنهى القرآن عن هذا واوجب ذكر الله وحده عند الذبح) انتهى .

فالهدى والضحية، كفداء وقربة، انما كانت عادة اجتماعية سائدة قبل الاسلام، وقد دخلت عهد الاسلام بعد تهذيبها، وسنرى فيما يلى كيف ضحى النبى الكريم عن امته فأسقط عنها وجوبها.