((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




لا إله إلا الله

الإسلام مرحلتان

الإسلام مرحلتان .. مرحلة إيمان ، ومرحلة إيقان


ديننا الإسلام واقع على مرحلتين كبيرتين: مرحلة الإيمان ومرحلة الإيقان .. في مرحلة الإيمان ، درجاته ثلاثة: إسلام وإيمان ، وإحسان ، كما هو وارد في حديث جبريل .. وفي مرحلة الإيقان ، درجاته ثلاثة: درجة علم اليقين ، وعلم عين اليقين ، وعلم حق اليقين .. والإسلام في مرحلة الإيمان عقيدة .. وهو في مرحلة الإيقان علم .. في مرحلة الإيمان يمكنك أن تقول شريعة تنضج ثمرتها في مرحلة الإيقان ، فتصبح حقيقة .. الشريعة طريق يوصل الى الحقيقة .. والحقيقة هي معرفة أسرار الألوهية .. ومعرفة أسرار الألوهية توجب الأدب مع الرب كما يليق به ، وهذه هي العبودية .. فعلى الشريعة تقوم العبادة .. وعلى الحقيقة تقوم العبودية .. وأصل تكليفنا الحقيقي أن نكون لله عبيدا ، ولكن ما ممكن نكون لي الله عبيد إلا عن طريق العبادة .. ولذلك قال (وما خلقت الجن ، والإنس ، إلا ليعبدون) .. (ليعبدون) هنا تعني العبادة في المكان الأول ، والعبودية في المكان الثاني .. فكأنه قال وما خلقت الجن ، والإنس إلا ليعبدوني ، كما أمرتهم على لسان رسولي .. (صلوا كما رأيتموني أصلي) .. ليصيروا لي عبيدا كما أمرتهم على لسان عزتي .. (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) .. مرحلة العبادة مرحلة شريعة .. ومرحلة العبودية مرحلة حقيقة .. هنا المرحلتين بيتداخلن .. لأنو كل شريعة ، تستعمل بطريقة صحيحة ، يجب أن تؤدي إلى حقيقة .. وكل حقيقة ، ناضجة ، يجب أن تكون معها شريعة – لا شريعة بلا حقيقة ، ولا حقيقة بلا شريعة – إذا كانت هناك حقيقة بغير شريعة يكون صاحبها فانيا ، ومن ثم ناقصا عن درجة الإرشاد .. فهو قد يسلم له بحاله ولكنه لا يقتدى به .. ولكن يجب أن نكون دقيقين هنا ، فان الحقيقة إذا نضجت تصبح شريعتها فردية .. وإذا لم تنضج تكون شريعتها جماعية ..

مرحلة الإيقان


مرحلة الإيقان هي مرحلة الدين الإسلامي حقا .. ومرحلة الإيقان دي ما عاشها إلا النبي .. أصحابه عاشوا مرحلة الإيمان .. قبيل نحن قلنا ليكم المحك الحقيقي في مسألة المال ، وقد تحدثنا عن زكاته ، وزكاة الأمة .. وظهر لكم أنه هو وحده المسلم في أمته .. نحن الأمة بنسمى المسلمين ، لكن من الإسلام الأولاني ، الذي هو الانقياد الظاهري .. لكن ما بالإسلام الأخير ، الذي هو الانقياد التام لله ، والرضا بالله ربا .. والذي قال عنه ربنا: (إن الدين عند الله الإسلام) .. نبينا وحده المسلم .. بل الحقيقة ، عبر تاريخ البشرية ، الرسل وحدهم هم المسلمون .. أممهم غير مسلمة .. أممهم مؤمنة بالله وبهم ، ومسلمة ليهم .. بالصورة دي .. فتلقى الإيمان والإسلام يتداخلن .. ولكن لما قال: (قل إن صلاتي ، ونسكي ، ومحياي ، ومماتي ، لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين) .. لما قال ربنا لنبينا قول كده .. يعني دا الإسلام الحق .. الذي هو الانقياد ، والتسليم ، والرضا .. وأنا أفتكر بيكون ليكم واضح أن الإسلام الأخير .. الإسلام البيجي بعد السلم السباعي أكبر من الإسلام الأول .. وقد ندب الله تبارك وتعالى المؤمنين ليسيروا إليه .. فقال (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) فلم يطيقوه .. وقالوا أينا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته .. فنزل لهم من هذا الأصل إلى الفرع فقال (فاتقوا الله ما استطعتم ، واسمعوا ، وأطيعوا ، وانفقوا خيرا لأنفسكم ، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)
الإسلام دا اللي قصر عنه الأصحاب هو الذي بلغه النبي بتعهد الله ليه بالتربية ، والتعليم ، والتوفيق .. ولقد تعهد فيه ربنا إبراهيم من قبله ، ورباه عليه ، وأدبه فيه .. فإبراهيم مشى فيه درجات .. من الإسلام الأول ، إلى الإيمان ، الى الإحسان ، الى علم اليقين ، الى علم عين اليقين ، الى علم حق اليقين ، ثم اسلم بعد ذلك .. ولقد جاء القرآن بذلك فقال: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى !! قال: أو لم تؤمن ؟ قال: بلى !! ولكن ليطمئن قلبي) .. (ولكن ليطمئن قلبي) .. العبارات القبيل قلناها ليكم أن النفس ما بتطمئن إلا إذا لمسته .. سيدنا إبراهيم مؤمن ، لكنه عايز يشوف بعيني رأسه ، ليزيد إيمانه الى يقين ، فيطمئن قلبه .. (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى !! قال: أو لم تؤمن ؟ قال: بلى !! ولكن ليطمئن قلبي) .. ربنا أراه .. وبعدين جاء ليقول .. (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، وليكون من الموقنين) .. ما قال ليكون من المؤمنين .. لأنه منتهي من مجرد الإيمان .. يعني هو مؤمن .. لكن عايز يزيد إيمانه ليوقن .. (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، وليكون من الموقنين) وبعدين في تعهد ربنا ليه بالتربية والتأديب جاءت: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ، قال إني جاعلك للناس إماما ، قال: ومن ذريتي ، قال: لا ينال عهدي الظالمين) .. هنا ، بعد الامتحانات دي كلها ، جاء قال: (إذ قال له ربه أسلم ، قال أسلمت لرب العالمين) .. بالامتحانات وصل حق اليقين ، فأسلم .. والكلمات التي (أتمهن) لو ذكرناها هنا بتطول المقدمة ، ولكن يمكن أن نقول إنها سلوكية ، وفيها امتحان في القمة .. ربنا وفقه ليمر الامتحان ، وبه ازداد يقينه .. حتى رضي بالله ، واستسلم ، وانقاد .. الإسلام بالمعنى دا هو العبودية .. العبودية قالوا أن تكون بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل ، يقلبه كيف شاء .. الميت ما عنده إرادة .. العارف ما عنده إرادة مع الله .. سلم إرادته لي الله ، ودا الإسلام .. وانت ما بتسلم إرادتك لي الله قبل ما تعرف ، يقينا أن الفاعل واحد ، وانو أنت ما عندك فعل في الحقيقة ، وإنما أنت متوهم .. في حديث عرفاني جميل في مسألة التسليم .. الحديث قدسي .. قالوا ربنا قال لداوود: (يا داوود انك تريد ، وأريد) لأنو ربنا خلقه على صورته زي ما قلنا قبيل .. البشر يريد والله يريد .. قال ليه: (يا داوود انك تريد وأريد ، وإنما يكون ما أريد ، فان سلمت لما أريد ، كفيتك ما تريد ، وان لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد)
أنا افتكر وضوح هذا الحديث شديد في الموضوع .. (يا داوود انك تريد وأريد وإنما يكون ما أريد) خلاص ، العارف يعرف لكن إذا ما عرف ، زاده ، وقال ليه: (فان سلمت لما أريد ، كفيتك ما تريد) زي عبارة قبيل: (لهم ما يشاءون فيها) لما سلموا الى الله ، الله أداهم ما شاءوا .. لأنه بقت مشيئتهم مشيئته .. فان سلمت لما أريد ، كفيتك ما تريد ، وان لم تسلم لما أريد ، أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ..