((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




لا إله إلا الله

الدين لا ينبعث من المعاهد الدينية

الدين لا ينبعث من المعاهد الدينية


تجي نهاية الأمر هي في التوحيد ، في الحقيقة ، المحك فيها في الرزق .. والسلوك فيها ساهل ، لو الناس عرفوا ، واصله بدون معرفة ما في سير لي الله .. والمعرفة المطلوبة لبداية السير بسيطة جدا في ديننا الإسلامي ، فالمعرفة المقصودة هي أن تعرف ما لا تصح العبادة إلا بيه ، ثم تعبد .. العمل دا – العبادة – هو الناقص .. نحن هسع عكسنا ديننا .. بقى شغلنا أكثر في الفقه ، والعمل ما في .. بقينا نمشي للمعهد ندرس اثنا عشر سنة ، ونطلع بشهادة من المعهد ، أو من الجامعة الإسلامية ، أو من الأزهر ، ولكن ما في عمل ، ما في عبادة .. قبيل ، عند سلفنا ، الأمر كان على العكس تماما .. قبيل الدين دا أصله دين الأميين .. نبيه أمي ، وأمته أمية .. فهو مبسط .. فالأعرابي يجي على أميته ، فينيخ راحلته ، ويجي يقعد أمام النبي ربع ساعة ، يعرف كيف يتوضأ ، وكيف يصلي ، ويمشي يعمل بما علم .. ما كان بيقال ليه فرائض الوضوء كدا ، وسنن الوضوء كدا ، ومستحبات الوضوء كدا .. وإنما كانوا يعلمونه بالهيئة .. كان يقال له (اتوضأ كما تراني أتوضأ) .. نبينا يتوضأ قدامه ، وهو يلتقط الهيئة بسرعة .. أصلها دي ما عاوزة ذكاء .. الذكي والبليد يمكن أن يكونوا فيها قريبين من بعض .. جايز البليد ، لما تتوضأ قدامه مرة واحدة ، ينسى حركة من الحركات .. لكن عيدها ليه مرة ثانية يلتقطها .. (صلوا كما رأيتموني أصلي) كانت أمر نبينا لقومه .. كان يصلي أمامهم ، فيعلمهم بالهيئة .. هو جبريل علمه كده برضو .. جبريل اتوضأ قدامه ، ونبينا اتوضأ على هيئة وضوء جبريل .. جبريل صلى قدامه ، ونبينا صلى بصلاة جبريل .. وورّاه الأوقات أيضا بالهيئة .. وفي الحج جاءت عبارته: (خذوا مناسككم عني) دين في غاية البساطة ، والصدق .. ما كانوا يتعلمون أكثر مما يعملون .. عندهم إذا علمت أكثر مما تعمل دا نفاق .. يعني كأنوا إذا كان الواحد منهم ما عندو ابل ليزكيها ما بيقرأ زكاة الابل .. عندما تكون عنده ابل بعدين ممكن يحصل الحكاية .. اللهم إلا أن يكون هو وحده في القرية ، وهو أمثل الناس الفيها .. وناس القرية عندهم ابل ليزكوها ، فيبقى كأنو فرض عليه ليتعلم ليعلِّم ..
كان كل حاجة يعلموها يعملوا بيها .. والقاعدة الدينية في حديث نبينا: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم) والقرآن يقول: (واتقوا الله ، ويعلمكم الله) .. (واتقوا الله) التقوى هي العمل بما أمرت بيه ، تعمله .. وما نهيت عنه ، تنتهي .. دي بداية التقوى .. في الحقيقة ، التقوى العمل بالشريعة ، في البساطة الشديدة دي .. والتقوى تسير الى القمم ، لغاية ما تتعانق مع (لا اله إلا الله) في القمة .. لكن بدايتها إياها دي .. بكل هذه البساطة .. (واتقوا الله ويعلمكم الله) .. وربنا يقول أيضا: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وان الله لمع المحسنين) ودا وعد غير مكذوب .. ومن سعة فضل الله ، في الأمر دا ، أن المجاهدة تبدأ بمجرد احتكاك خاطرك بعدم الرضا بالنقائص .. فتحاول ، ولو في نيتك ، التخلص من النقايص ، والسير الى الكمالات .. دي مجاهدة في الله لأن الرب رب قلوب .. فمجرد تحرق قلبك على أن تتخلص من النقائص ، وتمشي للكمالات ، وتعمل ، تبقى هذه مجاهدة .. والمجاهدة ، من هذه البساطة ، تسوق الى قمم المعرفة بالله ، يبقى حقيقة دينا وما يرشحه للخير ، وما يجعله قبلة البشرية بكرة ، هي الخصائص دي فيه .. بساطته في العلم الضروري للعمل ، ثم تساميه في المعرفة بالله ، وبالوجود ، الى قمم غريبة .. قمم مطلقة ..