لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول


لا إله إلا الله

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم
(وذا النون اذ ذهب مغاضـــــباً ، فظن ان لن نقدر عليه ، فنادى في الظلمات: ان لا إله إلا أنت ، ســـــبحانك ، انى كنت من الظالمين ) .
صدق الله العظيم

مقدمة الطبعة الثانية


هذه مقدمة الطبعة الثانية من كتاب ( لا إله إلا الله ) ، وهو كتاب قد صدر بلغة (الكلام) ، في 25 مايو 1969 ..وصادف من التوفيق ما استوجب اعادة طبعه الآن .. ثم ان هذا الكتاب ، لما كان باللغة "الدارجية" فقد أصبح ذيوعه محدوداً بين السودانيين ، من أجل ذلك فقد اتجهت النية الى اخراج طبعته الثانية ، بمقدمة طويلة ، عن (لا إله إلا الله) باللغة الفصيحة ، لعل ذلك يعطى الكتاب حظا من القدرة على الوصول الى القراء العرب من غير السودانيين ..

لا إله إلا الله


أول ما تجب الإشارة اليه هو أن (لا إله إلا الله) ليست أعظم ما في القرآن ، وانما هي خير ما في القرآن ، وذلك لقيمتها "التسليكية" وانما أعظم ما في القرآن "الله" .. ولكن الله ليس اليه من سبيل ، إلا سبيل (لا إله إلا الله) .. وهذا ما عنيناه بقولنا "لقيمتها التسليكية" .. وقول الله تعالى: (قل الله ، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) أعظم من (لا إله إلا الله) .. و "قل" هنا معناها "كن" ..
فهو قد قال "كن الله" وليس لله ، تبارك ، وتعالى ، صورة ، فيكونها ، ولا غاية ، فيبلغها ، وانما حظ العبد من ذلك ان يكون مستمر التكوين ، وذلك بتجديد حياة فكره ، وحياة شعوره ، تخلقا بأخلاق الله ، تبارك ، وتعالى .. ويحكيها ، في هذا الباب ، قوله: "كل يوم هو في شأن" ، ثم هو لا يشغله شأن عن شأن .. ثم ان العبد يظل هذا شأنه سرمديا .. هو جديد في كل لحظة .. جديد في فكره ، جديد في شعوره ، جديد في حياته ، يرتقي درجات الكمال ، سمتاً فوق سمت .. وبهذا أمر الله ، تبارك ، وتعالى ، حين قال: (كونوا ربانيين ، بما كنتم تعلمون الكتاب ، وبما كنتم تدرسون) وأمر المعصوم ، حين قال: (تخلقوا بأخلاق الله ، ان ربي على سراط مستقيم) .. وقوله ، تبارك ، وتعالى (قل الله ، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) انما هو أمر واضح ، عند العارفين ، التخلق بأخلاق الله .. وليست بالقول ، عند الله ، كرامة ، ان لم يصبح "فعلا" .. فهو ، تبارك ، وتعالى ، يقول: (يأيها الذين آمنوا !! لم تقولون مالا تفعلون ؟ * كبر ، مقتا ، عند الله ، ان تقولوا مالا تفعلون) .. ثم انه مما لا يحتمل الشك عندنا ان "التوحيد" بلا إله إلا الله انما هو صفة الموحد (بكسر الحاء) ، وليس صفة الموحد ، وذلك لمكان استغناء الموحد (الله) عن التوحيد .. فهو قد علم نفسه ، وقد وحد نفسه ، وقد شهد لها بذلك ، فقال ، تعالى من قائل: (شهد الله انه لا إله إلا هو) فلم يبق إلا ان المحتاج للتوحيد هو العبد ، وليس الرب ..

الله


هذا هو الاسم الذي به قامت الأسماء ، والصفات والافعال .. وهو علم على الذات ، وليس معنى هذا انه اسم لها ، وانما معناه انه إشارة اليها .. ذلك بأن الذات الساذج ، الصرفة ، في حقيقتها أكبر من أن تسمى ، وأن توصف ، وتقصر عن شأوها حتى الإشارة ، وان كان شأن الإشارة معها أعظم من شأن الاسم ، وشأن الصفة .. ثم ان الله ، تبارك وتعالى ، تأذن ان يعرفه خلقه ، فقيد ذاته ، بمحض الفضل ، فكان الاسم ، وكانت الصفة .. ولولا أنه قيد ذاته في مرتبة الاسم بالاسم ، وفى مرتبة الصفة بالصفة ، وفى مرتبة الفعل بالحركة ، لما عرف .. ولقد جاء الاسم (الله( في مرتبة أول القيد .. ثم جاء يتلوه القيد في مرتبة الصفة ، فكانت (الأحدية) من صفة (الأحد) .. ثم جاء يتلوها القيد في مرتبة الفعل فكانت (الواحدية) ، من صفة (الواحد) .. والثالوث المشهور في ذلك ليس: (الله الأحد الواحد) وانما هو (الله الرحمن الرحيم) وهذه ، وتلك ، معناها قريب من قريب .. و القيمة العرفانية في الثالوثين هي تقيد الذات الساذج في مراتب ، الاسم ، و الصفة ، و الفعل .. وتقيد الذات في هذه المراتب انما هو تنزلات .. فقد تنزلت الذات ، من صرافتها ، الى مرتبة الاسم ، فسميت ( الله ) ، والى مرتبة الصفة ، فوصفت (بالرحمن) ، والى مرتبة الفعل فوصفت (بالرحيم) .. وفى مرتبة الفعل برزت المخلوقات من الذات .. ولقد برزت المخلوقات في ثلاثة عوالم ، هي مراتب تنزلات الذات .. العالم الأول عالم الملكوت ، وهو عالم الارواح .. والعالم الثاني عالم البرزخ ، وهو عالم العقول .. والعالم الثالث هو عالم الملك ، وهو عالم الاجساد .. ولقد خلق الله ، تبارك ، وتعالى ، الخلق ، في العوالم الثلاثة ، بثلاثة ثواليث .. أعنى بثلاث تشكيلات أسمائية ، كل تشكيلة مكونة من أسماء ثلاثة .. فأما في عالم الملكوت ، فقد جرى الخلق بالثالوث الأعلى ، وهو (الله الرحمن الرحيم) .. وأما في عالم البرزخ ، فقد جرى الخلق بالثالوث الاوسط ، وهو (العالم المريد القادر) ..وأما في عالم الملك ، فقد تم الخلق بالثالوث الادنى ، وهو (الخالق البارئ المصور) .. ومعنى الاسم (الخالق) الذي أحاط علما بمخلوقاته .. ومعنى (البارئ) الذي أعطى الصورة الأولى .. ومعنى (المصور) الذي قلب مخلوقاته في الصور المتتالية ، صعدا في سلم الترقي ، ابتداء من الصور البدائية الاولى ، والى ما لا نهاية من كمالات الاطوار في سلك التطور ..
وهذه العوالم الثلاثة ، في نفسها ، تشكل ثالوثا ، من أعلاه عالم الملكوت ـــ عالم الملائكة ـــ (عالم الارواح النورانية) ومن اسفله عالم الملك ـــ عالم الابالسة ـــ (عالم الارواح الظلمانية) وبينهما ، وعند نقطة التقائهما ، عالم البرزخ ـــ عالم العقول التي ركبت على الاجساد ، وكلفت بسياستها ــــ وذلك هو عالم الانسان .. ولقد ورد التفصيل عن هذه العوالم في مقدمة الطبعة الرابعة من كتابنا "رسالة الصلاة" فليراجع في موضعه ، فأن فيه لبيانا فيه للمقتصد كفاية ، وللمجتهد بداية ..
ولقد قلنا ان الاسم (الله) هو علم على الذات ، وبه قامت الأسماء .. ولسنا نعنى الأسماء التسعة والتسعين وحدها ، فأسماء الله لا حصر لها ، ولا عدد ، ولا يحصيها إلا الله ، لأنه (لا يعرف الله إلا الله) .. وبالأسماء معارج السالكين الى الله .. وكل الخلائق سالك الى الله ، ومالهم من ذلك بد .. قال تعالى: (يأيها الانسان ، إنك كادح الى ربك كدحا ، فملاقيه) .. أردت ، أو لم ترد ، فأنه ما من الله بد .. ولا تكون ملاقاة الله في المكان ولا في الزمان .. وانما تكون بتقريب صفات العبد من صفات الرب .. وهذه هي قيمة الأسماء ، والصفات ، التي وصف الله ، تبارك ، وتعالى ، بها نفسه وجعل لنا فيها مشاركة .. فلولا انه وصف نفسه لما عرفناه ، ولولا انه ، إذ وصف نفسه ، جعل لنا في هذه الصفات ، معه مشاركة لما عرفناه .. فله الحمد في الآخرة والأولى ..
قال تعالى في ذلك: (يسأله من في السموات والارض ، كل يوم هو في شأن) .. قوله (يسأله) يعنى يطلبه بالحاجة اليه .. قوله (من في السموات والارض) يعنى العقلاء ، وغير العقلاء ، بما في ذلك مادة السموات ، والارض .. فأما العقلاء ، فيسألونه ، تعالى ، بلسان المقال ، وبلسان الحال ، معا .. واما غير العقلاء فيسألونه بلسان الحال ، وحده .. وإنما كان الأمر كذلك لأنه لا غنى لشيء عنه ، اذ به قيومية كل مخلوق .. فلولا هذه القيومية لما وجد مخلوق ، في المكان الأول ، ولما تماسك له كيان ، في المكان الثاني .. وفى هذا المعنى جاء قوله ، تعالى ، في موضع آخر (تسبح له السموات السبع ، والارض ، ومن فيهن .. وان من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم .. انه كان حليما غفورا) ..
قوله تعالى: (كل يوم هو في شأن) يعنى ، بهذا الشأن ، ابداء ذاته لمخلوقاته في مستوى حاجتهم اليه ، فإنه، تبارك ، وتعالى ، أودع الحاجة اليه في النفوس فكان السؤال ، وتبعت السؤال الاستجابة .. فهذه ، وتلك ، هي الشأن .. وليس اليوم هو أربعا وعشرين ساعة ، كما هو المألوف ، وانما هو "زمنية" ابداء الذات للمخلوقات وهي "زمنية" تتناهى في الصغر حتى تخرج عن ان تكون زمانا .. قال تعالى في أمر حاجتنا اليه: (يأيها الناس أنتم الفقراء الى الله ، والله هو الغنى الحميد) وفى الشعور بالحاجة اليه معرفة ، وفى الغفلة عن هذا الشعور جهل .. ولقد ذم الله ذلك منا ، فقال ، تبارك من قائل: (كلا !! ان الانسان ليطغى * ان رآه استغنى) .. "يطغى" يعنى يجهل قدر نفسه فيتعدى حده ، ويتورط في الهلكة .. والانسان لا يمكنه ان يستغني عن الله ، ولكن الغفلة توهمه ، وتسوقه الى ان يظن بنفسه الاستغناء ، ومن أجل هذا جاءت العبارة عنه بقوله تعالى: (ان رآه استغنى) .. وقد جعل الله حاجة عبيده الذين يحبهم حاضرة ، دائما ، وماثلة بين اعينهم ، ومن ذلك انه لم يمد لهم في الغنى ، وانما جعل "درشتهم" ، في كل يوم ، من مخزنه هو ، لا من مخازنهم هم .. ومن أجل ذلك أوصى نبيه ، وحبيبه: (ويسألونك ماذا ينفقون ؟ قل العفو !!) .. وقد كانت هذه شريعته في خاصة نفسه ، وقد فهم "العفو" على انه ما زاد عن قوت اليوم ، فهو ، بذلك ، لم يكن ينتظر قوت غده من مخزونه هو ، وانما كان ينتظره من خزائن ربه .. وكان يقول: (اللهم اجعل قوت آل محمد الكفاف) .. وقد كان ذلك منه طلبا للحاجة ، الى الله ، الدائمة ، التي تحارب الغفلة عنه ، فلا يتوهم الاستغناء بالمخزون عنده عن المخزون في خزائن ربه .. ولقد تحدثنا ، في متن هذا الكتاب ، عن التوحيد ، وامر التوحيد فليراجع في موضعه .

الله والأسماء


الذي يهمنا في هذا المقام ان الاسم (الله) هو متعلق أسماء الله ، وأسماء الله لا يحصيها إلا الله ، لفرط كثرتها .. وتلك كثرة مطلقة .. وهي ، من الناحية العملية ، وفى البداهة المعاشة ، تمثل حاجة كل محتاج ، وعلى حسب مستوى ذلك المحتاج ، وفى كل لحظة من لحظات نومه ، أو يقظته ، في انفاسه الصاعدة ، والهابطة .. وقد لا نكون نحن شاعرين بهذه الحاجة إلا شعورا ضعيفا .. وحتى هذا الشعور الضعيف ، انما يكون منا في أحسن حالاتنا الفكرية ولكنه ، بمحض فضله ، يسلط علينا من المصائب ما يعجز حيلتنا ، ويشعرنا بالحاجة اليه بصورة ملحة ، وملجئة ، نلجأ اليه كل حين ، ونلتصق به حيث أمكن ، ونسأله ، بلسان حالنا وبلسان مقالنا ــــ نسأله بِكُلِّيَتِنا وعندها يستجيب لدعائنا ، وتقع منا المعرفة به .. وما من صاحب حاجة ، إلا ويدعو الله من حيث حاجته .. فالغريق ، إذا قال يا الله ! فكأنما قال: يا منقذ ، لأن حاجته انما هي الى الانقاذ ، ويجيبه الله من حيث اسمه المنقذ .. والمريض ، إذا قال: يا الله ! فكأنما قال: يا شافي ، لأن حاجته انما هي الى الشفاء ، ويجيبه الله من حيث اسمه الشافي .. والجائع ، إذا قال: يا الله ! فكأنما قال يا مطعم ، لان حاجته انما هي الى الطعام ، ويجيبه الله من حيث اسمه المطعم .. والمهزوم ، إذا قال: يا الله ! فكأنما قال: يا ناصر ، لان حاجته انما هي للنصرة ، ويجيبه الله من حيث اسمه الناصر .. وهكذا الى مالا نهاية له ، لان حاجات الحي لا تتناهى واسم الله الذي يهمه هو ما يقضى حاجته المباشرة ، ومن تلك الحاجة ينبع ، واليها يعود .. وبهذا المعنى يكون الاسم (الله) متعلق الأسماء كلها ، وتكون الأسماء غير متناهية ، على الاطلاق .. ذلك بأنها على قدر حاجات النفوس الى الله ، وتلك حاجات تقع على مراتب أربع: حاجات المعدات ، وحاجات الاجساد ، وحاجات العقول ، وحاجات القلوب .. وكل مرتبة ، من هذه المراتب الاربع ، تتوجه بسؤالها الى حضرة من الحضرات الإلهية .. فحاجات المعدات ، وهي أول ، وأبسط حاجات الاحياء ، تتوجه بسؤالها الى حضرة الفعل الإلهي ، وذلك لان حضرة الفعل الإلهي أدنى تنزلات الذات الإلهية من المخلوقات .. وحاجات الاجساد تتوجه بسؤالها الى حضرة الصفة الإلهية .. وحاجات العقول تتوجه بسؤالها الى حضرة الاسم الإلهي .. وحاجات القلوب تتوجه بسؤالها الى حضرة الذات الإلهية .. وحضرة الذات الإلهية حضرة إطلاق .. وكذلك حاجات القلوب ، فهي لا تحصى ، ولا تتناهى ، ومن أجل ذلك توجهت الى الاطلاق ، فهو يسعها وهي تسعه .. قال تعالى في ذلك: (ما وسعني أرضي ، ولا سمائي ، وانما وسعني قلب عبدي المؤمن) ..

الله والانسان الكامل


لقد أشرنا آنفا الى أن ذات الله أكبر من ان تسمى ، وان توصف ، وان تعرف .. ولولا أنها تقيدت لما عرفت ، وهي ، اذ تقيدت ، انما تقيدت بمدارك عقولنا نحن .. ومن ههنا قامت قرينة الشبه بيننا وبينه ، فنحن نشبهه ، ولولا هذا الشبه لما عرفناه .. قال المعصوم (ان الله خلق آدم على صورته) .. والمهم هنا ليس الصورة الحسية ، وانما المقصود ان الله حي ، وعالم ، ومريد ، وقادر ، وسميع ، وبصير ، ومتكلم .. وكذلك خلق آدم حيا ، وعالما ، ومريدا ، وقادرا ، وسميعا ، وبصيرا ، ومتكلما .. فصفاتنا صفاته ، غير أن صفاته في مطلق الكمال ، وصفاتنا في طرف النقص .. وانما شرعت الشرائع ، وفرضت الفرائض ، لتكون لنا منهاجا للسير اليه ، والقرب منه ، ولملاقاته .. وليس سيرنا الى الله بقطع المسافات ، وانما هو بتقريب الصفات من الصفات .. هذا هو معنى قول المعصوم: (تخلقوا بأخلاق الله ، ان ربي على سراط مستقيم) ..
لقد كانت الذات في الاطلاق ، ولم يكن لها من سبيل .. فلما ارادت ان تعرف تقيدت ، وانما كان أدنى منازل تقيدها من منزلة الاطلاق مرتبة الاسم (الله) ، كما سلفت الى ذلك الإشارة .. ومعنى تقيدها في مرتبة الاسم ظهور أول قابل لتجلي المطلق .. وهذا هو (الحقيقة المحمدية) .. والحقيقة المحمدية هي مرتبة (الولاية الاحمدية) .. وهذه فوق مرتبة (النبوة الاحمدية) .. فالولاية (الاحمدية) مرتبة الذات الحديثة ، في مقابلة الذات القديمة .. وهي مقام (الوسيلة) الذي يقوم بين الذات الساذج ، وبين جميع المخلوقات ، وليس بينه وبين الذات أحد وهذا انما هو الانسان الكامل ، وجميع أسماء الله الحسنى ، وصفاته ، في حقه هو ، بالمكان الاول ، وهي لا تكون في حق الذات الساذج إلا بمقام الإشارة ، وذلك بعد أن تنقطع العبارة ، وتنبهم المعاني ، وبعد أن يقع عجز العقول عن الادراك ..
ومقام (الولاية الاحمدية) هو المقام الذي منه استمدت جميع الرسالات ، والولايات ، أنوارها .. وهذا المقام لا يزال يقرب من الأرض ، كلما تهيأت الأرض له ، بفضل أنوار الرسالات ، وأنوار الولايات ، التي أشعل الله سرجها في قلوب الذين أوتوا العلم ليعدوا الأرض لتلتحق بأسباب السماء .. وسيستقر مقام الولاية الاحمدية في الارض بمجيء المسيح ، الذي هو موعود الله بملئها عدلا ، كما ملئت ظلماً ، وجوراً ..

الإله


قولك (الله) ليس كقولك (الإله) .. فالله واحد لكن (الإله) ليس واحدا ، وانما الآلهة لكثر ، وهذا ما جعل بعض العلماء يقولون في معنى (لا إله إلا الله): (لا معبود بحق إلا الله) وهذا القول يحوي في عبارته معنى ان هناك آلهة كثيرة تعبد من دون الله ، ومع الله ، ولكن عبادتها باطلة ، وليس هناك معبود بحق غير (الله) .. ولدى الدقة في النظر الى القيمة (السلوكية) في الكلمة: (لا إله إلا الله) فان هذا المعنى المألوف ، المتداول بين علماء الدين ، لا قيمة له ..
فما هو المعنى الذي يكفل تمام القيمة (السلوكية) ، اذن ؟؟ اسمعوا !! (الإله) هو تنزل (الله) الى مرتبة (الفعل) وهي المرتبة (الثالثة) من الثالوث الأسمائي .. ولقد سلفت الإشارة الى ذلك في هذه المقدمة .. فاذا كان الثالوث الأسمائي المعتبر هو (الله ، الرحمن ، الرحيم) فأن (الإله) في مرتبة (الرحيم) .. وإذا كان الثالوث الأسمائي هو (العالم ، المريد ، القادر) فإن (الإله) في مرتبة (القادر) .. وإذا كان الثالوث الأسمائي هو (الخالق ، البارئ ، المصور) فإن (الإله) في مرتبة (المصور) ..هذا في الوقت الذي لا يكون فيه (الله) إلا في المرتبة (الأولى) من أي من ثلاث التشكيلات اعتبرت .. ومرتبة (الفعل) هذه تقع على مستويين: مستوى الافعال الكبيرة التي لا يستطيع أي مخلوق ادعاء أي مشاركة فيها ، كخلق السموات والارض ، مثلا .. ومستوى الافعال الصغيرة التي يخيل للمخلوق ان له فيها مشاركة ، بل قد يخيل اليه انه مستقل بها ، مثل كسب الرزق من التجارة ، والزراعة ، مثلا .. فأما الافعال الكبيرة ، والحالة كما ذكرنا ، فإن الله غير منازع فيها ، وكل العقلاء يسلمون له بها .. وهذا المستوى من (الفعل) هو ايضا مرتبة (الله) .. وهناك مستوى الافعال الصغيرة ، وهذه الله منازع فيها ، وأكثر العقلاء .. لا يسلمون له بها ، وهذا المستوى من مستويات (الفعل) هو مرتبة (الإله) .. أو قل: مرتبة (الله) متنزلا الى مرتبة (الفعل) كما أسلفنا القول ، قبل قليل .. فكأن (الله) غير منازع ، لكن (الإله) منازع .. ومن ههنا جاء تعدد الإلهة . والى هذه اللطيفة ، من لطائف العلم ، أشار ، تبارك ، وتعالى ، حين قال: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها ، الله يرزقها وإياكم ، وهو السميع العليم * ولئن سألتهم من خلق السموات ، والارض ، وسخر الشمس ، والقمر ، ليقولن: الله ، فأنى يؤفكون ؟؟ * الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ، ويقدر له ، ان الله بكل شيء عليم) .. هذه ثلاث آيات ، بدأها بالرزق ، وختمها بالرزق ، ودس بينهما آية تتحدث عن خلق السموات ، والأرض .. فكأنه قال: إذا سئلتم عمن خلق السموات ، والارض ، فإنكم تجيبون: (الله) .. وليس معنى هذا انكم موحدون وإنما معناه أنكم تشعرون باستحالة نسبة هذا الفعل الكبير الى أي مخلوق من أنفسكم ، أو ممن تعلمون .. ولكن إذا سئلتم: من يرزقكم ؟؟ تجيبون ، بلسان الحال ، وربما بلسان المقال أيضا: (كدنا ، واجتهادنا !!) وذلك لأنه يقوم في وهمكم ، لطول الألفة في الأخذ بالأسباب ، ان هذه الافعال الصغيرة لا يفعلها الله ، وانما يفعلها المخلوق مثلكم ، وذلك لصغر شأنها ، في نظركم ، إذا ما قورنت بخلق السموات ، والارض .. وهذا هو عين الشرك .. فمن أراد التوحيد فعليه ان يعلم ان فاعل الأشياء الكبيرة هو عينه فاعل الأشياء الصغيرة: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ، ويقدر له ، ان الله بكل شيء عليم) .. هذا هو التوحيد .. ومن أجل هذا فإن (لا إله إلا الله) ليس معناها: (لا معبود بحق إلا الله) وإنما معناها: (فاعل الاشياء الصغيرة هو بعينه فاعل الاشياء الكبيرة) قال تعالى في ذلك: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ، فتشابه الخلق عليهم؟؟ قل الله خالق كل شيء ، وهو الواحد القهار !!) وهذه درجة من أعظم درجات التوحيد ــــ درجة (وحدة الفاعل) ــــ وهي روح التوحيد ، وجوهره ، وأصله .. وهي معنى (لا إله إلا الله) ..
وما دمنا بصدد الافعال الصغيرة ، والافعال الكبيرة ، فإن ايراد الآية التي حكت قصة ابراهيم الخليل مع النمرود له فائدة عظمى .. قال تعالى في قصتهما (ألم تر الى الذي حاج ابراهيم في ربه ، أن آتاه الله الملك ، اذ قال ابراهيم: ربي الذي يحيي ، ويميت .. قال: أنا أحيي ، وأميت .. قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق ، فأت بها من المغرب .. فبهت الذي كفر .. والله لا يهدي القوم الظالمين) ذلك بان هذه الآية شديدة الدلالة على ما ذهبنا اليه من دعوى المشاركة في الافعال الصغيرة ، مع انقطاع هذه الدعوى عند الافعال الكبيرة .. والآيات التي تسوق الحجج في هذا الصدد لتقرر ان الفاعل واحد كثيرة ، وهي أصل القرآن ، ذلك بأن القرآن انما هو موظف لتجويد (لا إله إلا الله) وهو بذلك كتاب (تسليك) من متاهات البعد ، الى سرادقات القدس .. ومن أمثال تلك الآيات قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شيء ؟؟ أم هم الخالقون ؟؟* أم خلقوا السموات والأرض ؟؟ بل لا يوقنون* أم عندهم خزائن ربك ؟؟ أم هم المسيطرون ؟؟) يعنى (المسيطرون) على الأرزاق .. ثم يمضي السياق من سورة (الطور) الى أن يقول: (أم لهم إله غير الله ؟؟ سبحان الله عما يشركون !!) وهذه شديدة الدلالة على أن وهم نسبة الافعال الصغيرة لغير الله وهم شائع ، وهو وهم شديد الضرر بالعقول ، وبالأخلاق .. والموحد يوقن أن (إلهه) هو (الله) .. وذلك لا يتم إلا بتجويد (وحدة الفاعل) ..
خلاصة القول: أن الناس لم ينكروا (الله) وإنما أنكروا (الإله) .. والموحدون ، المجودون للكلمة: (لا إله إلا الله) لا يزال لهم (إله) غير (الله) ولن ينفك ، ذلك بأن تجويد (لا إله إلا الله) هو مضمار السلوك السرمدي ، ولا يستطيع ان يحققها ، حق تحقيقها ، غير الله ، وذلك في مقام شهادته لنفسه بها: (شهد الله أنه لا إله إلا هو .. ) ..

لا إله إلا الله


قلنا ان (لا إله إلا الله) تعني لا فاعل ، لكبير الاشياء ، ولا صغيرها ، غير الله .. تعنى ان الذي خلق السموات ، والأرض ، هو ، نفسه ، الذي يرزق عباده في السموات ، والأرض ، ويرزقهم بغير أسباب ، إذا جودوا التخلق بلا إله إلا الله .. قال تعالى في ذلك: (وأمر أهلك بالصلاة ، واصطبر عليها ، لا نسألك رزقا ، نحن نرزقك ، والعاقبة للتقوى) .. ففي المقامات الصغيرة سبب الرزق الزراعة ، أو التجارة ، أو الصناعة .. لكن في مقامات القرب الكبيرة فإن سبب الرزق هو معرفة الله ، وعبر عنها بالتقوى .. و(لا إله إلا الله) هي كلمة التقوى التي أشار اليها في قوله تعالى: (اذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، حمية الجاهلية ، فأنزل الله سكينته على رسوله ، وعلى المؤمنين ، وألزمهم كلمة التقوى ، وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما) ..
و(لا إله إلا الله) هي الكلم الطيب ، الذي يصعد الى الله ، ولا يحجبه حجاب .. وهي المقصودة من قوله تعالى: (اليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه) وأصلح العمل الصالح هو الانسان الكامل .. ومن أجل ذلك فإن (لا إله إلا الله) هي كلمة (الله) .. والانسان الكامل هو كلمة (الله) ..
وكلمة: (لا إله إلا الله) هي الشجرة الطيبة ، الواردة في القرآن ، وذلك حيث يقول : (ألم تر كيف ضرب الله مثلا ، كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت ، وفرعها في السماء * تؤتى أكلها ، كل حين ، بإذن ربها ؟؟ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون)..
ومعنى قوله (أصلها ثابت) ان جميع ذرات عناصر الأرض تنادي بها ، بصوت يسمعه أرباب القلوب ، وهذا النداء هو معنى تسبيحها في قوله تبارك وتعالى: (تسبح له السموات السبع ، والأرض ، ومن فيهن .. وان من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم .. انه كان حليما غفورا ) وهذا التسبيح هو توحيد العناصر بلسان حالها ، لافتقارها الى الله ، اذ به تعالى قيوميتها ، بدون أدنى لبس ، وبدون أدنى ريب ..
ومن معنى قوله: (أصلها ثابت) أنها قيلت في الأرض ، منذ بدء الرسالات ، السماويات ، الى الأرض .. ولقد قال المعصوم عن ذلك: (خير ما جئت به انا ، والنبيون من قبلي "لا إله إلا الله") وكان قوله هذا أخذاً من قوله تعالى: (ولله ما في السموات ، وما في الأرض ، ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، واياكم ، أن اتقوا الله ، وإن تكفروا فإن لله ما في السموات ، وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا) .. والذي وصى به انما هو: (ان اتقوا الله) وهذه معناها قولوا: (لا إله إلا الله) وافعلوا معني بمقتضاها في حالكم .. ومن معنى قوله: (أصلها ثابت) ، شهادة (محمد رسول الله) مقرونة مع شهادة (لا إله إلا الله) في شهادة الملة .. فانه (بمحمد) حصل التثبيت في الأرض ..
وأما معنى قوله: (وفرعها في السماء) فهو انه لانهاية لها ، فتبلغ .. وقد علم أرباب القلوب أن سير العوالم كلها الى الله انما هو بكلمة (لا إله إلا الله) .. به يسير إلى الله أهل النار ، في النار .. وبها يسير أهل الجنة ، في الجنة ، ونهايتها عند الله ، في اطلاقه ، والسير في معارجها ، اذن ، انما هو سير سرمدي .. ويكفي في هذا قوله ، تبارك ، وتعالى ، عنها: (شهد الله ان لا إله إلا هو ، والملائكة ، وأولو العلم ، قائما بالقسط ، لا إله إلا هو ، العزيز الحكيم) .. وبين شهادتنا له بالتوحيد في الأرض ، وهو قولنا (لا إله إلا الله) ، وبين شهادته لنفسه بالتوحيد من فوق سبع سموات ، وهو قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) يقع سير الموحدين ، وسلوك السالكين .. والثمرة عنده هو ، دائما ، وانما تلتمس بالإخلاص .. وهذا معنى قوله تعالى: (وفرعها في السماء ، تؤتى أكلها ، كل حين ، بأذن ربها) .

أربع صيغ للتوحيد


وهناك أربع صيغ وردت في القرآن ، وهي: (لا إله إلا الله) وذلك من قوله تعالى: (فاعلم انه لا إله إلا الله ، واستغفر لذنبك ، وللمؤمنين ، والمؤمنات ، والله يعلم متقلبكم ، ومثواكم .. ) .. ثم (لا إله إلا أنت) وذلك من قوله تعالى ، عن لسان يونس بن متى: (وذا النون ، إذ ذهب مغاضبا ، فظن ان لن نقدر عليه ، فنادى في الظلمات: ان لا إله إلا أنت ، سبحانك ، إني كنت من الظالمين) .. ثم: (لا إله إلا أنا) .. وذلك من قوله تعالى: (إنني انا الله ، لا إله إلا أنا .. فاعبدني ، وأقم الصلاة لذكري) .. ثم: (لا إله إلا هو) وذلك أخذاً من قوله تعالى: (شهد الله انه لا إله إلا هو ، والملائكة ، وأولو العلم ، قائما بالقسط ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم) فأما (لا إله إلا الله) فإنها الصيغة الاساسية ، والشائعة .. وهي أعم ، وأشمل ، وفيها سعة لمن يقولها بلسانه ، وهو غافل ، ولمن يقولها بلسانه ، وهو حاضر .. وذاكرها مأجور ، وان كان غافلا حين ذكرها ، ما دام مؤمنا بها .. ويرجى له أن يحضر في ذكرها ببركتها ..
واما (لا إله إلا انت) فهي صيغة خاصة ، ومجرد لفظها يشعر قائلها بأنه أمام مخاطب حاضر .. وهذا يوجب عليه ذكرها بحضور ، واقبال .. ولقد قيلت في حالة خلوة ليس فيها سعة للغفلة .. وهي ، إذا قيلت في حالة ضيق تشبه حالة صاحبها حين قالها ، أو قيلت في حالة معرفة بالله توجب الحضور معه ، وتحارب الغفلة عنه ، فإنها اسم الله (الأعظم) .. وتحقيق العبودية بها أقرب من تحقيقها بأي من الصيغ الأربع ، التي وردت الإشارة اليها ..
واما (لا إله إلا انا) فهي صيغة أشد خصوصية من جميع الصيغ ، وهي قد وردت عن لسان الحق ، ومن يذكرها يجب ان يستشعر العظمة الساحقة ، الماحقة ، التي عنها صدرت ، لأنه إنما يسمعها عن لسان الحق ، ولتوها .. فإن كان ، عند ذكرها ، أو سماعها ، غافلا ، فليعلم انه من المطرودين عن الحضرة القدسية ..
واما (لا إله إلا هو) فهي أرحب الصيغ ، وأوسعها ، لأنها مفتوحة على الاطلاق .. وهي ، من ثم ، أكثر ورودا في القرآن من جميع الصيغ .. وقد وردت فيها الهاء نائبة عن الاسم (الله) .. وهذه الهاء هو الحرف الأخير من الحروف الاربعة التي تكون الاسم العظيم (الله) ..فإنه وارد أنك إذا حذفت من هذا الاسم الحرف الاول بقي (لله) ، وإذا حذفت الحرف الثاني بقي (له) ، وإذا حذفت الحرف الثالث بقي (هو) .. و إنما جاء الواو في (هو) من إشباع (حركة) الضمة التي كانت في الأصل حركة الهاء في الاسم ذي أربع الأحرف (الله) .. و إنما اشبعت حركة الضمة لتصير واواً ليكون النطق بالهاء ، وحدها ، ممكنا ، وميسورا .. ومن الخطأ الشائع ظن الناس ان (هو) انما هو ضمير الغائب ، المذكر ، المفرد .. وهذا الخطأ يحرم من البركات ، الزائدات ، التي تترتب على الذكر عن معرفة بحقيقة الأمر ، وهو ان (هو) انما هو الحرف الرابع من الحروف المكونة للاسم العظيم (الله) ، وهي ، لكونها حرفاً ، فإن معناها في غيرها ، وقد اصبحت ، لذلك ، أدخل في باب الإشارة منها في باب العبارة .. والإشارة أبلغ ، في الدلالة على الاطلاق ، من العبارة .. وهذا هو السر في أن القرآن تناهى الى الإشارة ، بعد أن ضاقت عنه العبارة ، فجاءت أحرف الهجاء في اوائل تسع وعشرين سورة من سوره .. وهي إنما جاءت لتقول إن حقيقة القرآن فوق العبارة ، وهي أيضا فوق الإشارة .. لأن الإشارة إنما معناها في غيرها ..

خاتمة


أما بعد فهذا حديث يطول ، وليس له ههنا مجال ، أكثر مما جرى ، واتفق ، لأن هذه مقدمة لكتاب قديم .. وستكون لنا ، الى الكتابة عن (لا إله إلا الله) ، عودة ، عما قريب ، ان شاء الله .. والله ولى التوفيق ، ورائد السداد ، وعليه التكلان ..