((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الأول

مفهوم السببية ؟


السبب في اللغة الحبل، والذريعة، وما يتوصل به إلى غيره، وهو أيضاً الطريق.. فيقال ما لي إليه سبب، أي طريق.. وأسباب السماء مراقيها.. ويقال تعاطى الأسباب، وهم يعنون أنه أخذ، وأعطى، طلباً لتحصيل ما يحتاج إليه في أمر معيشته.. وفي القرآن يحدثنا تعالى عن ذي القرنين "ويسألونك عن ذي القرنين، قل سأتلو عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له في الأرض، وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا" فآتيناه "من كل شيء سببا" يعني ذريعة توصله إلى تنفيذ ما يريد.."فأتبع سببا" يعني سلك طريقا.
وأمر السببية في الإسلام على مستويين: مستوى الشريعة، وهو مستوى يقوم على اعتبار أن الله رتب الأسباب ترتيباً حكيماً يتأدى به الإنسان إلى تدبير أمر معاشه بالاجتهاد المشروع.. فالله هو الذي أوجد التربة الصالحة للزراعة، والله هو الذي اوجد البذرة الصالحة للنمو، والله هو الذي أنزل الماء على الأرض في موسم الإنبات فأحياها بعد موتها.. هذه كلها أسباب ضرورية، وبقى سبب، أو أسباب أخرى على الإنسان الأخذ بها، وهي بذر البذرة في التربة، وتعهدها حتى تستحصد "فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة" كما قال عمر بن الخطاب، ولكن بأسباب من الله، وأسباب يظن الإنسان أنها منه، يتم الإنتاج، وتمضي الحياة في سبيلها، متطورة، مترقية مراقي الرخاء المادي، ومراقي المعرفة بالله، لأن الصراع في زحمة الأسباب المشتركة بيننا وبين الله يهدينا، بفضل الله، ثم بفضل القرآن، إلى الله بصورة واضحة.. أسمع القرآن، من سورة الواقعة، كيف يحدثنا عن هذه الأسباب المشتركة، وهو حديث يؤكد لك ما حدثناك عنه من طبيعة البراهين في القرآن على وجود الله: "نحن خلقناكم، فلولا تصدقون * أفرأيتم ما تمنون؟ * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ * نحن قدرنا بينكم الموت، وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم، وننشئكم فيما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى، فلولا تذكرون؟ * أفرأيتم ما تحرثون؟ * أأنتم تزرعونه؟ أم نحن الزارعون؟ * لو نشاء لجعلناه حطاماً، فظلتم تفكهون * إنا لمغرمون * بل نحن محرومون * أفرأيتم الماء الذي تشربون؟ * أأنتم أنزلتموه من المزن؟ أم نحن المنزلون؟ * لو نشاء جعلناه أجاجاً، فلولا تشكرون؟ * أفرأيتم النار التي تورون؟ * أأنتم أنشأتم شجرتها؟ أم نحن المنشئون؟ * نحن جعلناها تذكرة، ومتاعاً، للمقوين !! * فسبح باسم ربك العظيم" ...
فهذه آيات كلها تظهر لنا قدرته، ورحمته، وتنشئ الصلة، بيننا وبينه، بمقارنة أسبابنا إلى أسبابه، وإظهار قوة أسبابه هو، وضعف أسبابنا نحن، وإحاطته بأسبابنا، حتى لو شاء لجعلها لا جدوى منها. وقد ختمها بقوله تعالى "فسبح باسم ربك العظيم!!" الرب هنا تحمل أيضاً معنى الأب الرحيم.. والآيات تعطينا سلسلة من الأسباب المؤدية إلى أسباب.. هذا في ظاهر الأمر، وهو ما عليه الشريعة.. ولكن، في حقيقة الدين، ليس هناك سبب يؤدي إلى سبب، إطلاقاً، وإنما الأسباب سلسلة من استعداد المحل بالقابلية لتلقي الحركة المقبلة عن الله. فكأن الأمر كله حكمة اختفى الله وراءها، إلا عن العقول التي استنارت بنور التوحيد.. فليس من التوحيد أن تظن أن سبب الإحراق النار، فإن وجدت، وجد الإحراق، حتماً مقضياً.. قد ظن هذا الظن النمروذ، صاحب إبراهيم الخليل، الذي أمر بإحراقه، وأعد ناره، ومنجنيقه، وقذف بإبراهيم فيها، فما هالهم إلا وجود إبراهيم سالماً، عندما خمد أوار النار، ذلك بأن الإذن الإلهي بالإحراق لم يصدر للنار ـــ استعد المحل للإحراق، ولم يصدر الإذن بالإحراق ـــ فلم يحدث.. بل صدر الأمر بقوله تعالى "يا نار !! كوني برداً وسلاماً، على إبراهيم".. عندما نجود فهم مسألة الأسباب، وذلك بإتقان العبادة في مراقي التوحيد، يظهر لنا أن الأسباب كلها تنتهي إلى سبب واحد، هو الله..
قال تعالى، في ذلك: "وأمر أهلك بالصلاة، وأصطبر عليها، لا نسألك رزقاً، نحن نرزقك، والعاقبة للتقوى" وقال، من سورة الذاريات: "وما خلقت الجن، والإنس، إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزقٍ، وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق، ذو القوة المتين.." فكأن سبب الرزق، في آخر الأمر، هو معرفة الله، لا اتخاذ الأسباب.. ويظهر هذا الأمر جلياً في موعود الجنة، لأهل الجنة.. فهم يرزقون فيها بالهمم.. قال تعالى: "لهم ما يشاءون فيها.. ولدينا مزيد".. وما ذاك إلا لأن الجنة هي دار العارفين بالله.. ولو أن أهل الأرض عرفوا الله، حق معرفته، لكان لهم شأن، غير شأنهم الحاضر.. قال تعالى، من سورة الأعراف: "ولو أن أهل القرى آمنوا، واتقوا، لفتحنا عليهم بركات من السماء، والأرض، ولكن كذبوا، فأخذناهم بما كانوا يكسبون".. ولقد قال المعصوم "لو توكلتم على الله، حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده، وما علم ذلك أحد.. قالوا : ولا أنت؟ قال : ولا أنا !! قالوا : ما كنا نظن الأنبياء تقصر عن شيء!! قال : إن الله أجل، وأخطر، من أن يحيط بما عنده أحد !!".. وعندما هاجر النبي، مع أصحابة إلى المدينة، وجد الأنصار يلقحون النخل، فقال لهم مرة: "لو لم تلقحوه لأثمر" فتركوه، فلما لم يثمر قالوا له: "يا رسول الله !! لقد أخبرتنا إنا لو لم نلقح النخيل لأثمر، فلم نلقحه، فما أثمر.." فقال لهم: "أعملوا فأنتم أعلم بأمور دنياكم" فعادوا لتلقيح النخيل، كسابق عادتهم.. ولقد كان مراد النبي بقوله "أنتم أعلم بأمور دنياكم" أن دنياكم دنيا الأسباب، ولذلك لا بد لكم من الأخذ بالأسباب.. ولو كنتم ممن لا يرى الأسباب لما تخلف النخل عن الإثمار.. وقد أخطأ بعض رجال الدين، ومنهم الأستاذ خالد محمد خالد، في فهم العبارة النبوية، فظن أنها دليل على أن ليس في الإسلام نظام حكومة، وإنما جاء النبي ليعلم الناس أمور دينهم فقط، بدليل أنه قال لهم "أنتم أعلم بأمور دنياكم". وليس هناك شيء هو أمعن في الخطأ، ولا أبعد عن الصواب، في أمر الإسلام، من هذا الفهم..
وكان الصوفية يروضون أنفسهم في الارتقاء في الأسباب، من الأخذ بها، في مرحلة الشريعة، إلى إسقاطها، في مرحلة الحقيقة، ثم الرجوع للأخذ بها في مرحلة الاستواء، وهي مرحلة الجمع بين الحقيقة، والشريعة.. ويكونون حالتئذ، ممن يتعاطون الأسباب، من غير أن يغيبوا لحظة عن مسبب الأسباب.. فكأنهم يأخذون بالأسباب من غير أن يقفوا مع الأسباب، كما هي الحالة عادةً مع صاحب الشريعة فقط. وهم يسمون هذا النهج من الرياضة "التوكل"، وهو عندهم ألا تأخذ بسبب يوصلك إلى سبب حتى يكون مسبب الأسباب هو الذي يتولاك. فكان أحدهم يسير في الصحراء، من غير زاد، ولا ماء، حتى إذا أشرف على الهلاك، فظهرت له فجأة قافلة، أو وجد أهل بيت قدموا له الغذاء، والماء، زادت نفسه يقيناً بأن الله هو الرزاق لمن يتوكل عليه، وهكذا، قليلاً، قليلاً، حتى تستوي على اليقين. ثم بعد ذلك يأخذ في الأسباب، تأدباً بأدب الشريعة، ولا ترى نفسه، بعد ذلك، أن الأسباب هي الأصل في توصيل الأرزاق، ولذلك فإنه لا يكون حريصاً في تعاطيها، ولا مبالغاً في توخيها.. فتراه مطمئن النفس، مقتصداً في الطلب.. فبترك الأسباب، عندهم، يكون تصحيح حالهم في التوكل، ثم، بعد معاناة طويلة، وتجربة مثمرة، يبدأون في العودة إلى الأخذ بالأسباب، ويسمون هذه بالفناء عن التوكل.. وهم لا يتركون الأسباب، ولا يأخذون بها، في رياضتهم، إلا عن ذوق أكيد. لا عن ظن، ولا حديث نفس. قال أحدهم مرةً، لما ترك بغير ذوق.. "تركت الأسباب، فعدت إلى الأسباب، وتركتني الأسباب، فلم تعد إلى الأسباب".
وقال ابن عطاء الله السكندري، في حكمه، مخاطباً السالكين إلى الله.. "إرادتك التجريد، مع إقامته إياك في الأسباب، من الشهوة الخفية.. وإرادتك الأسباب، مع إقامته إياك في التجريد، انحطاط عن الهمة العلية".
فالسبب في الشريعة قائم، ولكنه في الحقيقة ساقط.. وصاحب الشريعة وحدها ما يكون له أن يدعي حال صاحب الحقيقة، فيسقط الأسباب، وما ينبغي له، وما يستطيع. وهو إن ادعاها امتحن، حتى يرجع إلى الأسباب، كما قال صاحبنا الذي قال "تركت الأسباب فعدت إلى الأسباب"..
وصاحب الحقيقة، حين يسقط الأسباب، يكون في حالة فناء، وهي مرحلة سلوكية، فإذا جودها السالك خرج منها إلى مقام البقاء، وجمع يومئذ بين الشريعة والحقيقة، فيأخذ في الأسباب في اعتدال، واقتصاد.. ولا يعني هذا الإهمال في توخيها، ولا السلبية في النظر إليها، وإنما يعني إتقانها، كل الإتقان، ثم الرضا عما يبديه الله له من فشل.. إذا كان الفشل.. فإذا كان النجاح، فلا يجب أن يستخفه الفرح، ولا أن يذهب بوقار نفسه، ولا اعتدال أخلاقه.. فإن الله لا يحب الفرحين، خفاف الأحلام..
وبعد فإن هذا ما يسر الله، تبارك وتعالى، في أمر أسئلتك.. وقد توخيت فيها الاختصار، فلعل الله أن ينفع بها، إنه سميعُ مجيب..

محمود محمد طه
أم درمان ـ 27 رمضان 1387
الموافق 28 ديسمبر 1967