((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الأول

معارضتكم لجبهة الميثاق هل ترتكز أساساً على تقديركم أن الناس يمكنهم الآن أن يتجاوزوا مرتبة الشرائع إلى مرتبة الحقائق ـ أعني هل آن الأوان لفكرتكم أن تطبق؟


الجواب: إن فكرتنا لا تقوم على أن الناس يمكن أن يتجاوزوا مرتبة الشرائع إلى مرتبة الحقائق.. فالناس سيظلون دائماً في مرتبة الشرائع، وما مرتبة الحقائق إلا حظوظ فردية، وهي مرتبة للتعامل تدخل في منطقة الأخلاق.. وهذه مرتبة أسمى من مرتبة الشرائع، ولا يلزم أحد بها أحداً، حين تكون مرتبة الشرائع ملزمة، ومنفذة على كل الناس.. فكأن مرتبة الشرائع تمثل الحد الأدنى من مستويات السلوك، وهو مستوى يطلب، بالقانون من كل مواطن.. ويندب كل مواطن إلى السلوك في مستوى الأخلاق، ندباً غير ملزم قانوناً، وقد يكون ملزماً عرفاً، وديناً.. ولما كانت الشريعة تمثل الحد الأدنى من مستويات السلوك فإن لكل مجتمع، في كل زمان، مستوى قد يختلف عن مستوى سلفه.. ومن أجل ذلك فإن شريعته قد تختلف.. ولن يكون الاختلاف اختلاف نوع، وإنما سيكون اختلاف مقدار.. كأن يرتفع الحد الأدنى، الملزم للناس كلهم، فيدخل في حيزه أموراً كانت، فيما مضى، في حيز الأخلاق التي يندب إليها أفراد المجتمع ندباً غير ملزم كما سبق أن قررنا.. وهذا يتأتى عن طريق تطوير الشريعة في بعض صورها التي استنفدت طاقتها، ولم تعد قادرة على استيعاب حاجة أفراد المجتمع الجديد.. والتطوير يعني عندنا الارتفاع من نص، في القرآن، كان صاحب الوقت في القرن السابع الميلادي، إلى نص، في القرآن، كان مدخراً، يومئذ، للإنسانية تطبقه حين يصبح في طوقها تطبيقه ــــــ تطوير لبعض صور الشريعة الإسلامية التي خدمت أغراض مجتمع القرن السابع خير خدمة، وأصبحت قاصرة عن خدمة أغراض مجتمع القرن العشرين، أو لا تطوير ـــــــ هذا هو مجال المعارضة، والمفارقة، بين فكرتنا الإسلامية وفكرة جبهة الميثاق، والدعاة السلفيين جميعا.. أننا والسلفيين نتفق ونختلف.. نتفق في أن الشريعة الإسلامية كاملة.. ونختلف، إذ يعتقدون أن كمال الشريعة الإسلامية في ثباتها على صورة واحدة.. ونعتقد نحن أن كمالها في كونها جسماً، نامياً، حياً، قادراً على التطور، ومواكبة حياة المجتمع البشري، الذي ينمو ويطرد نموه بغير توقف..
تطوير الشريعة الإسلامية عندنا يقع على جانب المعاملات فيما يختص بأمر المال، وأمر السياسة.. أما الحدود، وأما القصاص، وأما العبادات فإنها لا تكاد تتطور..
وعجز السؤال الخاص برأينا فيما إذا كان الأوان قد آن لفكرتنا أن تطبق . نجيب عليه، بكل تأكيد، أن الناس لا يمكن أن يُصلح حالهم بغير الإسلام، منذ اليوم، وأن الإسلام ما هو إلا ما ندعو إليه نحن، دون سائر الداعين.. فإن رأى الناس دعوتنا غريبة فليذكروا نبوءة المعصوم حين قال "بدأ الدين غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء !! قالوا من الغرباء يا رسول الله؟ قال الذين يحيون سنتي بعد اندثارها" .. ليس بين الدعاة من يعرف سنة المعصوم، ويدعو إلى إحيائها، بلسان الحال، وبلسان المقال غيري، وغير أصحابي..

إذا إنتهيت عن إتيان الذنب لأنه يشقيني ، لا لأنه محرم : هل يكفي ؟


الجواب لا !! لأنك قد تجعل من نفسك حكماً على الأمور... فما يشقيك تترك إتيانه، وما يسعدك تأتيه.. وقد يسعدك عمل هو، عند الله، من موجبات الشقاء.. الفيصل في هذا الباب قولة المعصوم "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" فإن كنت تقصد من سؤالك هذا، كما يمكن أن يشتم منه، أنك ستترك الحرام ولكن ليس من خوف العقوبة عليه، وإنما لأنك تشعر بأن فعل الحرام يؤذي نفسك، فإنك تكون بذلك قريباً من رأي العباد المجودين، الذين قالوا "طاعة الله، خوف عقابه، وابتغاء ثوابه متاجرة.. وهي عمل لا يليق بكبار الرجال.. لأن الله خليق أن يطاع، وأن يعبد، لتمام جماله، وكماله، وإن لم يخلق الجنة للثواب، والنار للعقاب".. المهم في أمرك أن تأخذ ضوابط سلوكك من الشريعة، حتى يجد عقلك التوجيه السليم، من أمر خارج عنه، حين تلتبس المسالك، وتختلط السبل..

إلى أي حد تؤمنون بأن الغاية تبرر الوسيلة ؟


الجواب: الغاية لا تبرر الوسيلة، ولكنها تحددها، لأن الوسيلة طرف من الغاية.. فالغاية العليا، كالحرية، لا يمكن التوسل إلى منازلها بالوسيلة الدنيا، كالنفاق، مثلاُ..