((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الأول

هل يمكن للإنسان أن يصل مرتبة الحقيقة من غير أن يمر بمرتبة الشريعة الكاملة؟


الجواب: لا!!.. وفي واقع الأمر فإن الشريعة هي طرف الحقيقة القريب منا.. هي المدخل على الحقيقة.. ولكن الشريعة قد تكون فردية، كما هي في حالة الأنبياء، والرسل، وقد تكون جماعية كما هي في حالة أتباع الرسل.. ففي حالة أتباع الرسل فإن الأمر واضح، فإنه ليس هناك وصول إلى الحقيقة إلا عن طريق الشريعة.. وأما في حالة الأنبياء والرسل فإن شريعة أيهما طرف من حقيقته.. ويمكن القول، إذن، على هذين الاعتبارين، أن ليس هناك وصول إلى الحقيقة إلا عن طريق الشريعة.
وقد تجد بعض المجاذيب يخلط في الشريعة، ويكون، مع ذلك على جانب من الحقيقة، وليس يعني هذا أنه وصل إلى الحقيقة بغير الشريعة، وإنما وصل إلى ما وصل إليه من حقيقة عن طريق شريعة مخلوطة.. شيء منها شريعة جماعية، وشيء منها شريعة فردية.. ثم إن المجذوب لا يمكن أن يصل إلى حقيقة واضحة، ومستقيمة، وإنما حقيقته أيضاً مشوشة كشريعته..

ما حكم الشك؟ وكيف نصل اليقين؟


الجواب: الشك طرف من الإيمان، ما لم يزد عن حده فيصبح تقريراً وإثباتاً لخلاف ما يجب الإيمان به.. فإن لم يكن كذلك، فإنه وقود للإيمان، وقوة له، به ينمو، ويزيد.. واليقين هو زيادة الإيمان، حتى يتجاوز مرحلة العقيدة، إلى مرحلة العلم.. وأدناها علم اليقين، وأوسطها عين اليقين، وأعلاها حق اليقين.. وطريق زيادة الإيمان العبادة، والمعاملة.. وأهم العبادة، بعد المكتوبة، قيام الليل، بالصلاة، في الثلث الأخير، والإكثار من صيام النهار.. والقاعدة، في المعاملة، أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به..

حين تقول بإمكانية تحرر الإنسان من الخوف بمقدار علمه أتعني أن هذا التحرر نسبي بقدر نسبية علم الإنسان إلى علم الله؟


الجواب: نعم

يقول سارتر ليس هناك قدرة ما لم تظهر في العمل "إذا كان في إمكانك أن تفعل شيئاً ولم تفعله فما كان في إمكانك" وتقول أنت أن المخلوقات هي مظاهر قدرة الله. هل كان يمكن أن يكون الله قادراً من غير أن يخلق المخلوقات؟


الجواب: الخلق يقع في ثلاث مراتب: مرتبة العلم، ومرتبة الإرادة، ومرتبة القدرة.. وهذه الصفات الثلاث تعني هذه المراتب، العالم، المريد، القادر.. فالعالم أحاط علماً بالمخلوق، والمريد حدد، وخصص الصورة الأولى التي يبرز فيها المخلوق، والقادر أبرز المخلوق إلى حيز الوجود، وفق إحاطة العلم وتخصيص الإرادة.. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى "ولقد خلقناكم، ثم صورناكم، ثم قلنا للملائكة أسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين" وهذه الصفات الثلاث موجودة في كل واحدة منها، ففي العالم موجودة صفتا المريد والقادر، وفي المريد، موجودة صفتا العالم، والقادر، وفي القادر موجودة صفتا العالم والمريد.. فهي ثلاث صفات، و"الثلاثة واحد".. فكأن العالم قادر، وهو يعرف قدرته، وإن جهلها من عداه.. وكل علم لا يحوي القدرة فهو علم ناقص.. وهذا حظ البشر، ولكن علم الله كامل، والله به قادر.. كان، ولم يزل، ولن ينفك.. فكأننا نحن البشر قد نعلم، ولا نريد، وإذا أردنا قد لا نقدر، وذلك لنقص علمنا.. وهذا ما يتفق مع قولة سارتر..
وأما قولنا إن المخلوقات هي مظاهر قدرة الله فيعني أن الله ظهر لعباده في مخلوقاته. فالقدرة موجودة أزلاً، وأبداً، وسرمداً، ولكنها كل يوم تظهر للعارفين، فيزدادوا بالله معرفة.. وهذا معنى قوله تعالى في حق نفسه "كل يومٍ هو في شأن" فشأنه تعالى هو إظهار ذاته لعباده بعلمه وإرادته وقدرته.. فهو شأن يبديه ولا يبتديه..

هل الروح شيء أصيل في المادة، أم هي شيء قائم بذاته، أم هي مكانيكية، كمايقول بعض الفلاسفة؟


"الإجابة التي وردت على السؤال نمرة 13 من أسئلة السنوسي تكاد تكون واضحة ولكنها ((ميتافيزيقية)) فيما يختص بالروح"
الجواب: عبارة "ميتافيزيقية" تستعمل في مقابلة عبارة "فيزيقية" عادةً.. "فيزيقية" تقال عن الوجود المادي، الظاهر، المؤثر في الحواس. و"ميتافيزيقية" تقال عن الوجود النظري، المجرد، الذي لا يؤثر في الحواس، ولكن يدرك بالعقل، ويتصور، على نحو من الأنحاء.. والكلام عندنا عن الروح لا يوصف بأنه "ميتافيزيقي" لأننا نقول أن المادة المحسوسة، الظاهرة للحواس، روح، ولكنها في حالة من الاهتزاز تتأثر بها الحواس.. والروح ـــ في المدلول الشائع عنها ـــ مادة في حالة من الاهتزاز لا تتأثر بها حواسنا.. فالأمر عندنا وحدة وليس ينطبق عليه تعبير "الفيزيقية" و"الميتافيزيقية".. فالوجود وحدة ذات شكل هرمي، قاعدته مادة، وقمته روح.. والاختلاف بين القاعدة، والقمة، اختلاف مقدار، وليس اختلاف نوع.