((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الأول

هل التفكير الغائي في أصل الدين؟ وهل صحيح أن الله لم يخلق هذا العالم إلا ليعبده هذا العالم؟ وإلا فما الغاية وراء الخلق الإلهي؟


الغائية أصل الدين.. بل هي أصل الأصول فيه. فلا مكان للصدفة، لا في كبيرة، ولا صغيرة.. "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" تحكي هذه الغائية، أفضل حكاية.. وهذا يجيب على الشطر الثاني من سؤالك، ولكن يبقى، بعد ذلك، شيء، هو: ما معنى العبادة؟ وهل الله محتاج للعبادة؟..من الوهلة الأولى نقرر أن الله غني عن العبادة ـــــ "يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد" فالناس هم المحتاجون إلى العبادة، لا الله.. والعبادة، ما هي؟ أجملها المعصوم حين قال "تخلقوا بأخلاق الله. إن ربي على سراط مستقيم".
وأعلى أخلاق الله الإطلاق ــ الحرية الفردية المطلقة.. ولذلك فإن أعلى مراتب العبادة حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة.. وهذه تقتضي قوة الفكر، ودقته، ومضاءه في مراتب القول والعمل، حتى يتحقق العابد، الموحد، بمرتبة توحيد ذاته بتوحيد فكره وقوله وعمله.. قال تعالى في ذلك "يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" فإذن الغاية التي من أجلها خلقنا أن نحقق كمال ذواتنا، عن طريق العبادة. وذلك بفضل ما تورثنا إياه العبادة من قوة الفكر وحدته ومضائه ــ قال تعالى "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم. ولعلهم يتفكرون" فكأن الحكمة وراء شريعتنا أن نفكر، والفكر ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة إلى تحقيق الحياة الكاملة، وهي الحياة التي تستمتع بالحرية الفردية المطلقة، وتحسن التصرف فيها ــ فالحياة الكاملة هي الغاية من خلقنا ــــــ خلقنا لنكون كاملين كمال الله. وهيهات!!

ثمة آيات في القرآن تبخس الدنيا، وتصفها بالفناء.. هل يقول الإسلام بالإنكار المطلق لقيمة الحياة؟ ما تفسير الأستاذ محمود للآية القائلة بألا نسأل عن أشياء إن تبد لنا تسؤنا؟


الإسلام يقسم الحياة إلى درجتين، بينهما اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع: الحياة الدنيا، والحياة العليا.. فأما الحياة الدنيا فهي حيوانية، وأما الحياة العليا فهي إنسانية.. فالإنسان، ما دامت مسيطرة عليه صفات الحيوان، خضع لها، أو قاومها، فهو في الحياة الدنيا.. فإذا تخلص من صفات الحيوان، بفضل الله، ثم بفضل المجاهدة المستمرة لدواعي هذه الصفات، فقد أصبح في الحياة الأخرى، أو الدار الآخرة، كما يرد عنها التعبير في بعض الأحيان. وقد جعل الموت الحسي فاصلاً بين الحياتين. فكأنه، ليدخل الإنسان المجاهد لدواعي صفات الحيوان فيه، في الحياة العليا، لا بد له من تجربة الموت الحسي. ولكن الموت المعنوي يحقق طرفاً من هذا الدخول، والموت المعنوي يعني أن تسكن دواعي صفات الحيوان في الإنسان تحت قهر العلم في مستوى علم "حق اليقين" ولذلك فقد قال المعصوم "موتوا قبل أن تموتوا" يشير إلى هذا الموت المعنوي.. فالحياة الدنيا، أو حياة الحيوان هذه، هي التي يشدد القرآن عليها النكير، ويصفها بالفناء، والزوال، ويندب الناس ليزهدوا فيها، ليرتفعوا إلى إنسانيتهم في الحياة العليا ــ الحياة الإنسانية ــ. فالإسلام لا يقول بالإنكار المطلق لقيمة الحياة، وإنما يميز بين قيم الحياة، ويجعل وكده تسيير الناس إلى الحياة الإنسانية بتزهيدهم، وإزعاجهم عن الحياة الحيوانية. ومعنى فناء الحياة الدنيا إفضاؤها، رضي الإنسان أم لم يرض، إلى الحياة العليا ــــ "يأيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه".
وأما تفسير الآية "يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم. عفا الله عنها، والله غفور حليم * قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين" فإنها تعني نهي الأصحاب عن أن يكثروا من الأسئلة عن الحرام والحلال، وعن أمور في الدين سكت عنها النبي، وذلك لأن ما سكت عن تحريمه فالأصل فيه الحل. وفي الحل سعة، وفي التحريم تضييق. وكذلك الأمر في مسائل التكاليف، فإن الإلحاح في الأسئلة عما سكت عنه قد ينزل القرآن بتجديد تكليف يزيد في ثقلها. وكذلك الأمر في مسألة العقيدة. وأنت سألت عن الآية الأولى فقط، ولكنني أوردت لك الآية الثانية لأن فيها بياناً للأولى، فكأنه قال لا تسألوا النبي عن أمور في العقيدة، أو في التكليف، سكت عنها النبي. وإن تسألوا عنها فإن الله يبديها لكم في القرآن، فتسؤكم لأنها تجيء بتكليف زايد، فتدخلوا به في الحرج، بعد أن كنتم قبلها في السعة، وقد كان النبي يقول لأصحابه "يأيها الناس أتركوني ما تركتكم".

كيف يتواجد الله في كل مكان وفي لا مكان؟


وجود الله لا يوصف بالمكان، لأن المكان مخلوق، ومحدود، فلا يحوي المطلق.. ولا يوصف باللامكان، لأن اللامكان متصور، والله مطلق لا يدرك وجوده التصور "فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك" فإذا قلنا أن وجود الله يتنزه عن المكان، والزمان، فليس معنى ذلك أنه يوجد في اللامكان، ولا اللازمان، وإنما هو أيضاً يتنزه عن هذا التصور، فوجوده مطلق لا يتعلق به الوهم، ولا التصور، ولا الإدراك.. إنما الإدراك يدرك ضرورة وجوده، لا كيفية وجوده.. فليس للكيف ههنا مكان.

كيف يتسنى لنا فهم الله، أو حتى التوصل إلى وجوده إذا كان الله لا يشبهنا في شيء، من قريب أو بعيد، وليس كمثله شيء؟


ليس معنى قوله تعالى "ليس كمثله شيء" أننا لا نشبهه.. لا من قريب ولا من بعيد.. بل الحق إننا نشبهه تعالى. وقد قال المعصوم "إن الله خلق آدم على صورته".. وقرينة الشبه قائمة بيننا وبينه تعالى، فإنه تعالى عالم، ومريد، وقادر، وكذلك الإنسان، خلقه الله عالماً، ومريداً، وقادراً، ومن أجل هذه القرينة فإنا نعرف الله، ولولاها لما أمكن أن نعرفه.. راجع الإجابة على السؤال نمرة 3.

االمقاساة "Suffering" تشكل ركناً هاماً من أركان المسيحية.. ما قول الإسلام في المقاساة؟


االمقاساة جاءت للمسيحية عن طريق اعتقادهم موت المسيح على الصليب، من أجل تفدية البشرية من الخطيئة الأساسية التي كسبها أبوها آدم.. وهذه القاعدة هي أصل الأصول في المسيحية.. ولكن ليس لها في الإسلام مكان.
الصبر هو ما يقابلها في الإسلام.. فالقرآن مليء بالحض على الصبر، وبوعد الصابرين بعظيم الثواب .. "يأيها الذين آمنوا اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون".. "فاصبروا" حض على الصبر. "وصابروا" زيادة في الصبر، حتى تصبح مغالبة للأعداء على الصبر. "ورابطوا" ألزموا الصبر، والمصابرة، على النهوض للأعداء الخارجيين والداخليين.. في الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر، وليكن صبركم اتقاء لله، لا تشوفاً، ولا سمعة، ولا رياء. فإن فعلتم، فإنه يرجى لكم أن تفلحوا في نيل ما عند الله من لطائف القرب.. هذا في الحض على الصبر. وفي الوعد بأجر الصابرين يقول تعالى: "يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر، والصلاة. إن الله مع الصابرين" وقوله "إن الله مع الصابرين" هو قمة الموعود بالأجر الجزيل.. فكأن العاملين حين يكون أجرهم على عملهم الجنة، يكون أجر الصابرين على صبرهم الله نفسه، وما فوق ذلك مبتغى لمبتغ.
والفرق الأساسي في النظرتين: المسيحية والإسلامية، إلى المقاساة والصبر أن المقاسي قد يتصيد المقاساة، ويرى في ذلك فضيلة، ولكن الصابر لا يتصيد الصبر، وإنما يسأل الله العافية، فإذا أصابه مكروه صبر عليه، ثقة بالله، وتوكلاً عليه، لأنه أولى بنا منا، وأعرف بمصالحنا منا، وأرحم بنا منا، وأقدر على توصيل الخير إلينا منا.. قال تعالى "كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم، والله يعلم، وأنتم لا تعلمون".
"وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا :إنا لله، وإنا إليه راجعون" هذا هو رأي الإسلام في المقاساة ــــــ صبر على البلاء حين يقع، واحتساب في سبيل الله، ولكن العافية خير منه، وأحب إلى النفوس. وليس من الإسلام تصيد المصائب ــــــ قال أحد الأصحاب "اللهم! أسألك الصبر" فقال النبي: "سألتم الله البلاء. سلوه العافية" فكأن الصبر لا يكون إلا على البلاء، فمن سأل الصبر فكأنما سأل البلاء، وسؤال العافية خير عند الناس، وعند الله.