لو كان الشعب واعي لوقف وقفة رجل واحد. نحن بنعتقد إنه راح يوعى، وراح يقيف وقفة رجل واحد، وراح يغيير، وكل ناس بحاولوا يكيدوا لهذا الشعب، سيكون كيدهم في نحرهم إن شاء الله.. دا ما عودنا ليهو الله في حماية حقوق الشعب دا ورعاية مصلحته.

محاضرة الإستقلال وقضايا الشعب - ٣١ ديسمبر ١٩٦٨




أسئلة وأجوبة - الكتاب الأول

هل صحيح أن الله إذا أحب عبداً إبتلاه؟

بســـم الله الرحمن الرحيم

حضرة الإبن المبارك توفيق السنوسي،
تحية طيبة..
وبعد فيسرني أن أجد الفرصة للرد على أسئلتك الطريفة، وفي نفس الوقت لا بد من الاعتذار عن الإيجاز الشديد، وذلك لاستعجالك أنت من جهة، ولضيق الوقت الذي لدي من جهة أخرى.

هل صحيح أن الله إذا أحب عبداً إبتلاه ؟


نعم !! فإن معنى محبة الرب للعبد تقريبه منه، وهي إنما تكون في مقابلة بروز محبة العبد للرب.. والابتلاء إنما هو امتحان صدق العبد في ادعائه محبة الرب.. والغرض منه تفريغ قلب العبد عن حب ما سوى الله، حتى يجيء الحب صادقاً، وصافياً.. ولذلك يقول تعالى "ألا لله الدين الخالص"..

هل يؤمن الإسلام ب (نبل الحزن) ؟ وهل الحزن أعمق من الفرح ؟


"نبل الحزن" في المعنى الذي يريده الإسلام يعني إدامة الفكر فيما يجب للرب على العبد من حقوق، وفي مبلغ تقصير العبد عن الوفاء، بتلك الحقوق، وهذا تفكير يورث تواضعاً، وانكساراً، ويبعد البطر، والرضاء عن النفس، والتكبر، وفيه قال تعالى "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" ولذلك يحكى عن النبي أنه قال "يا أمة محمد!! والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد!! والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً" وقد كان صلى الله عليه وسلم "متواصل الأحزان" فالحزن فكر متصل، يورث التواضع، والسكينة إلى جانب الله. وهو بذلك أعمق من الفرح، إلا أن يكون فرحاً بالله.. فإن هذا وحده يكون أعمق من الحزن، وهو أندر من الكبريت الأحمر.. وهذا يسوقنا إلى أن الفرح على درجتين: فرح بنعم الله، وفرح بذات الله.. فالفرح بنعم الله الحزن أعمق منه، والفرح بذات الله أعمق، وأنبل من الحزن النبيل، وهو كما قلنا أندر من الكبريت الأحمر، لأنه يقوم على محض العلم بالله..

يتحدث الأستاذ محمود محمد طه في مؤلفاته عن الأخلاق الإلهيه. هل يعني هذا، من قريب، أو بعيد، أنه، يمكننا. بتشبهنا بأخلاق الله، أن نكون جزءاً من الله، أو نذوب في الذات الإلهية، ونتحد معها؟


نحن نشارك الله في أخلاقه، فقد خلقنا، تبارك وتعالى علي شاكلته ولكن أخلاقنا في طرف النقص، وأخلاقه، تبارك وتعالى، في طرف الكمال.. ثم ندبنا إلى أن نتخلق بأخلاقه، في معنى ما كتب علينا أن نعبده.. فتخلقنا بأخلاقه في بادئ أمرنا تكلف منا للترفع، والترقي، والتسامي، إلى أن يصبح هذا التكلف طبعا، فنكون قد سمونا، وتجافينا عن طرف النقص، نزوعا منا إلي طرف الكمال. والذات الإلهية مثلنا الأعلى في هذا التطور، ولكننا لن نكون جزءاً منها، لأنها لا تتجزأ. ولن نذوب فيها، إلا في معنى أننا نذيب نقائصنا في كمالاتها. ولن نتحد معها، لأنها مطلقة، ونحن محدودون.. وإنما أمرنا معها أمر المتطور من بداية لكمال إلي نهاية للكمال، ولكن هذه النهاية مطلقة، فيصبح حظنا من التطور سرمدياً، مستمراً... فليس لكمال البشر نهاية، لأن نهايتهم الله، وليس لله نهاية.."وأن إلى ربك المنتهى" ولا منتهى.. بإيجاز؟ كمال الإنسان أن يكون "الله".. ولن يكون! لأنه ليس لله نهاية فيبلغها ولا صورة فيكونها، وإنما كمال الإنسان، في هذا الباب، أن يكون مستمر التكوين. مستمر التطور، من النقص إلى الكمال ـــــــ يستزيد كل حين جديد من حياة الفكر وحياة الشعور.. وذلك بتجديد فكره، وتجديد شعوره، فهو منطلق لا يقف، إلى غاية لن يبلغها، لأنها ليست لها نهاية فتبلغ ـــــــ لأنها مطلقة.. ولكن نهاية العبد كمال الرب.

هل المسكنة HUMILITY فضيلة يحضنا عليها الأسلام ؟


نعم !! وهى تعني عنده التواضع الفكري... تعني معرفة العقل لصغر شأنه بإزاء الكمال الإلهي الذي يتعالى، ويتعاظم عن أن يحاط به. والمسكنة عندهم تعني العجز عن الإدراك المحيط بالله، ومن أجل ذلك قالوا: "العجز عن الإدراك إدراك"، يعنون إن شعر العقل بقصوره عن الإحاطة بالمعرفة الإلهية فقد أدرك... وما ذاك إلا لأن الإسلام يعني الاستسلام الواعي للإرادة المحيطة بالأكوان. ولا يتم الاستسلام وفي النفس بقية إدعاء قدرة... فالمسكنة شعور بقصور الإرادة البشرية بإزاء الإرادة الإلهية.. وهذا أيضاً هو معنى الفقر عندهم.. ولقد قال محيي الدين بن عربي :
دخلوا فقراء على الدنيا * وكما دخلوا منها خرجوا
دخلوا بلا إرادة، وخرجوا بلا إرادة. وشاهدوا، بين دخولهم على الدنيا وخروجهم منها، أن الإرادة للواحد المريد.. وبهذا المعنى الإسلام يطلب المسكنة، ويحض عليها. قال تعالى في حديث قدسي للنبي داؤد : "يا داؤد! إنك تريد، وأريد، وإنما يكون ما أريد.. فإن سلمت لما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد، أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد".

ههل يحضنا الإسلام على مقابلة الكراهية بالحب، والتسامح، على طريقة "أدر له خدك الأيسر؟"


نعم !! ولكنه لا يجعل ذلك حظ العوام... وإنما يطالب به العارفين.. فشريعة العارف معرفته، والمعرفة تقول "أن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك" ولذلك فإن من لطمك إنما لطم عدوك الداخلي، فلا تظنن أنه هو عدوك، فتهب إلى مصاولته، وإنما هو صديق في ثياب عدو، وإنما فعله هذا بك نصرة منه لك على عدو في ثياب صديق ـــــ هو نفسك الجاهلة ـــــــ وهم يعنون أن نفسك الجاهلة، لسوء أدبها مع الله، لطف بها، فقيض لها من يؤدبها، فجاءتها اللطمة ممن لطمها، فلا تدافع عنها، وأطلب لها من التأديب المزيد ــــــ أدر له خدك الأيسر، ذلك لأنها، إن أحسنت الأدب مع الله، فلن يكون لأحد عليها من سبيل، لأنها تكون، حينئذ، قد انتصرت على كل شيء.. وأما العوام فشريعة الإسلام لهم "من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم".."هم درجات عند الله"..إن الإسلام "يهودي ـــــــ مسيحي" فهو يطالب العوام بما طالب به موسى اليهود، على تطوير له في ذلك.. ويطالب الخواص بما طالب به المسيح النصارى، على تطوير له في ذلك أيضاً... "وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا، وأصلح، فأجره على الله، إن الله لا يحب الظالمين.."
وبداية الخواص هي بداية العوام، ولكنهم أقدر من العوام على التطور والارتفاع في سلم الكمال، فحيث يظل العوام في أول السلم، يرقى الخواص المراقي..